تأملت في أحوال الكثير من الأسر اليوم، فوجدت أن التحدي الأكبر ليس في تأمين المعيشة، بل في أزمة "البيوت الصامتة".
الجميع تحت سقف واحد، ولكن كل فرد يعيش في جزيرة مستقلة خلف شاشة هاتفه.
هذا التباعد الصامت يفرز جيلاً هشاً نفسياً، يبحث عن الأمان والانتماء في الفضاء الرقمي الملوث، لأنه لم يجده في دفء البيوت وعقول الوالدين.
كيف نعيد بناء الجسور داخل بيوتنا؟
1. من المحاورة إلى المجاورة:
الأبناء لا ينضجون بكثرة المواعظ الجافة والأوامر الفوقية، بل ينضجون بالقدوة الصامتة. حين يرى الابن والديه يديرون الخلافات بهدوء، ويعظمون القيم في البكور، يتشرب الصلابة النفسية والاتزان دون حشو كلام.
2. صناعة البيئة المشتركة:
التربية الذكية تقتضي نزع الحماية الخانقة ومنح المسؤولية. خصصوا أوقاتاً يُمنع فيها استخدام الهواتف داخل البيت؛ وقت لتناول الطعام معاً، ووقت للحوار المفتوح. دعوا الأبناء يخطئون، ويتعلمون كيف يديرون شؤونهم الصغيرة لتبنى لديهم عدسة الوعي الداخلي.
3. الحصانة الفكرية قبل المادية:
في زمن التدفق الرقمي الجارف، لن تحمي ابنك بسلطة المراقبة المنتهية الصلاحية، بل بحصانة اليقين والوعي. استمعوا لأفكارهم، فككوا مخاوفهم برفق، واجعلوا من البيت الملاذ الآمن الذي يلجأون إليه كلما عصفت بهم المشتتات والضغوط.
خلاصة تربوية:
البيوت لا تُبنى بجمال الأثاث أو فخامته، بل بنظافة البيئة النفسية داخلها، وبث السكينة والطمأنينة في عقول عمارها.
انشروا الوعي في مجتمعاتكم، فالدال على الخير كفاعله.
د. عبد الكريم بكار
لكل أبٍ وأم يسألون: كيف حفظ طفلك عبد الرحمن القرآن ؟!
هذه 10 وصايا مهمة هي خلاصة تجربتي معه في رحلة الحفظ !!
أولها:
أن تعلم أن الأمر ليس بذكائك ولا بجهدك، وإنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء، فابدأ بالدعاء، وألح على الله في مواطن الإجابة أن يفتح على قلب ولدك، فما من شيء أعظم بركة من الدعاء، وقال ربكم ادعوني أستجب لكم !!
ثانيها:
نظف بيئة ابنك قبل أن تبدأ رحلته مع القرآن، الجوالات والألعاب والإنترنت أكبر عائق في طريق الحفظ، تسرق التركيز، وتُضعف الذاكرة، وتشتت الذهن، وتجعل الطفل يضيق صدره بالحفظ، فكأنك عندما تطلب منه الحفظ كأنك تطلب منه شيئاً ثقيلاً على قلبه !!
فإما أن تُبعدها، أو تقيدها بوقت صارم ممنوع أن يتجاوزه، مثلاً ساعة محددة في اليوم !!
ثالثها:
اصنع له صحبةً تعينه على حفظ القرآن، خذه إلى حلقات المساجد، أو المراكز التي فيه�� طلاب مميزون، واختر له شيخاً متقناً يحثه ويشجعه، فالنفس تُنافس، والولد إذا رأى غيره يسبقه اشتعلت رغبته من داخله، و��ذا يساعدك كثيراً ويوفر عليك عناء حثه وترغيبه !!
رابعها:
اجعل لكل إنجاز يقوم به خلال حفظه مكافأة، فكلما أتم جزءاً أحضر له هدية يحبها، واصطحبه إلى المكان الذي يأنس به، وكلما تقدم في الحفظ زد من تقديرك له وثناؤك عليه، حتى يرتبط القرآن عنده بالفرح والنجاح !!
خامسها (مهم جداً) :
أعطه من وقتك قبل أن تعطيه من أوامرك ونصائحك، اجلس معه، اسمع له، راجع معه، كن شريكه في رحلة الحفظ !!
فأنت قدوته ومثله الأعلى، والطفل يتأثر بفعل والديه، واهتمامهما أكثر من كلامهما !!
سادسها (مهم جداً):
حدد له وقتاً يومياً للحفظ، يكون هذا الوقت مقدساً لا يمكن خرقه ولا المساس به !!
نصف صفحة أو صفحة كل يوم، مع الاستمرار، خير من صفحات كثيرة ثم انقطاع، فقليل دائم خير من كثير منقطع، وإنما الجبال من اجتماع الحصى !!
سابعها:
إذا فهم الطفل معاني الآيات، فإنه يحفظها بشكل أسرع، وتثبت في صدره، فاجلس معه وفسر له ��قدار حفظه، وهذه فرصة لك أن تبحر في معاني القرآن وتستفيد من تفسيره !!
ثامنها:
التكرار ثم التكرار ثم التكرار
لا تجعله يعتمد على الحفظ السريع، بل على كثرة الإعادة ، فإذا أتم حفظ ورد فاجعله يكرره ، فالقران يرسخ في الذهن بكثرة التكرار !!
تاسعها:
اجعل له ورداً ثابتاً يراجع فيه حفظه القديم قبل أن يزداد في الحفظ، فحفظ بلا مراجعة سرعان ما يُنسى مع مرور الأيام !!
عاشرها:
الاستماع المستمر، شغّل له القرآن في البيت، في السيارة، قبل النوم، فالأذن لها دور كبير في تثبيت الحفظ !!
وفي الختام، لا تظن أن الطريق إلى القرآن مفروشٌ بالورود، ستتعب، وسيمل طفلك، وستمر عليكم أيام تثقل ��يها الخطى، لكن من صدق مع الله صدق الله معه، ومن طرق الباب أُذن له، فهذا طريق يحتاج صبراً وثباتاً، فاثبتوا ولا تستعجلوا الثمرة، فإن القرآن لا يُعطي بعضه حتى تُعطيه كلك.
فإن رأيت ولدك يتعثر فلا تيأس، وإن تأخر فلا تتركه، وإن ضعف فخذه ب��فق، فرب لحظة صدق تُبدل مسار سنين !!
وتذكر دائمًا: ما دام في البيت قرآن يُتلى، فهناك نور لا ينطفئ، وبركة لا تنقطع !!
وما يدريك، لعل مشاركة هذا المنشور تكون مفتاح هدايةٍ لأحدهم، فيُقبل على تحفيظ ابنه كتاب الله، فتُكتب لك أجورٌ تتضاعف مع كل آيةٍ تُتلى، وكل حرفٍ يُحفظ !!
لقد كانت غزة فيما مضى محور حديث العالم، وكانت أخبارها الترند رقم واحد على منصات التواصل، أما الآن فبردت المشاعر، وخفتت الأصوات، وانفض الناس عنها، فبالكاد تجد خبراً عن هذه المدينة المنكوبة !!
الحـرب لم تتوقف، والمأساة لم تتغير، والمعاناة لم تنته��، والقـصـف لم يهدأ، ولكن الذي تغير هو عزوف الناس عنها، ومللهم منها !!
فلا تترك الحديث عن غزة أخي المسلم حتى لو بقيت وحدك، فالوقوف مع المظلوم شرف لا يناله الغافلون !!
فاجعة والله فاجعة..الكنيست يقر بصفة نهائية تصفية الأسرى من أهالينا..
9000 شخص في سجون الاحتلال، وتخيل وقع الخبر عليهم..على الدكتور حسام أبو صفية مثلا؟..الناس دي لا تأكل ولا تشرب ورأينا فيديوهات بالصوت والصورة وجنود العدو ينالون من أعراضهم بأحط الطرق..الناس دي فقدت أهاليها، من القصف والجوع والعطش، وجربوا الألم بدل المرة ألف..ودلوقتي بيسمعوا نبأ محوهم من سجلات الدنيا..كده ببساطة وكأنهم بلا ثمن..والعرب صامتون..
المسجد الأقصى ��أول مرة في تاريخه تمنع عنه الصلاة لشهر كامل..والعرب سكوت..70 ألف روح دفنت تحت الأنقاض والعرب لا يكترثون..طيب دلوقتي العدو سيرتكب تصفية جماعية لألوف البشر..هتعملوا إيه؟..سكوت برضه؟..جامعة الدول التي تنتفض ضد ضرب القواعد العسكرية الأميركية في الخليج..هتخرج ببيان تندد وتشجب؟..ولا خلاص هي تخصص إدانة إيران، وبالنسبة لكم أهالينا كائنات زيادة على البشرية، وحياتهم زي تصفيتهم؟..
هذا هو العدو الذي نتعامل معه..لا أقصى..لا أسرى..لا حياة..هذا هو العدو الذي يطبعون معه، ويسعون لنيل رضائه، ويتحالفون معه وينشرون صواريخ الباتريوت على أراضيهم دفاعا عنه..لا تتركوهم..لا تتوقفوا عن الحديث عن أبطالنا في سجون الاحتلال..لأنه سيأتي اليوم الذي نستيقظ فيه على ألوف الأجساد معلقة على أعواد المشانق..وقسما بالله لا يستحقوا خذلانا بعد ألف ألف خذلان ذاقوه.
.
Tel Aviv: Bomb disposal experts were called in to examine a suspicious object in the street, initially feared to be an Iranian missile. It later turned out to be just a carpet.
من الأسرار التي لا يُكثر الحديث عنها:
آية واحدة… لكنها تحمل بين حروفها مدخلاً للثبات، ومخرجاً للحكمة، وقوةً لا تُرى.
"رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ، وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ، وَاجْعَلْ لِي مِن لَّدُنكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً"
جرب أن تجعلها جزءاً من حديثك مع الله في كل حين…
فربما تدرك سرها في اللحظة التي تحتاجها أكثر.
د. عبد الكريم بكار
هل سألنا أنفسنا: لماذا تتسابق كبرى الشركات التقنية عالمياً لتقديم خدمات "الذكاء الاصطناعي" مجاناً لكل فرد منا؟ هل هو "سخاءٌ معرفي" لرفع وعي البشرية، أو هي (عملية استنساخ رقمي) لآليات تفكيرنا، تمهيداً لإحلال "الآلة" محل "الإرادة"؟
الحقيقة التي يجب أن نجاهر بها هي أننا بصدد الدخول في عصر (الوصاية الخوارزمية)؛ حيث لم يع�� الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للبحث، بل أصبح "صانعاً للمواقف". نحن اليوم نُسلم عقولنا لبرامج تُعطيك الإجابات الجاهزة، فتعفيك من مشقة (التأمل)، وتسلبك فضيلة (التحقيق المنهجي)، حتى نصل إلى مرحلة يصبح فيها "ما تقول�� الشاشة" هو الحق المطلق، وما يمليه العقل هو الجهد الضائع.
إن الخطر الحقيقي الذي يتسلل إلى بيوتنا هو (موت السؤال)؛ فحين يعتاد الطفل أن يجد إجابة لكل معضلة أخلاقية أو فكرية بضغطة زر، فإننا نقتل فيه "ملكة الاجتهاد" ونبني فيه (عقلاً تابعاً). نحن لا نكتسب معرفة، بل نتلقى "برمجة" صامتة تُعيد تعريف الحلال والحرام، والجمال والقبح، وفقاً لمعايير عالمية لا تحترم خصوصيتنا ولا تنطلق من قيمنا.
ولكي لا نُساء الفهم، فإننا لا ندعو أبناءنا لمخاصمة العصر أو اعتزال التقنية، بل ندعوهم إلى (الاستخدام السيادي) لها؛ فالذكاء الاصطناعي يجب أن يكون "خادماً" لعقلك لا "سيداً" عليه. ��لآلية الصحيحة تكمن في أن تستخدمه كأداة للجمع والترتيب والسرعة، لا كمرجعٍ للقيم أو مصدرٍ للفتوى أو بديلٍ عن التفكير النقدي. استعن بالآلة لتختصر الوقت، ولكن لا تمنحها حق صياغة قناعاتك.
لماذا نندهش من "برود المشاعر" لدى الجيل الصاعد؟ إننا وفرنا لهم أجهزة ذكية تُفكر عنهم، لكننا تركناهم بقلوبٍ هشة لا تشعر. الحقيقة المُرّة التي يجب أن نواجهها: نحن نبني "أجساداً متصلة بالشبكة"، ولكننا نهدم "أرواحاً متصلة بالخالق".
رمضان، والعبادة عموماً، هي مدرستنا لاستعادة (السيادة على النفس)؛ وهي القوة الوحيدة القادرة على مواجهة "طغيان المادة". السيادة في هذا العصر ليست لمن يملك أسرع معالج، بل لمن يملك (العقل الذي يرفض التقليد). مَن لم يتعلم كيف يستغني عن "الإجابة الجاهزة" ليصوغ فكره الخاص بكدحه، سيظل دوماً "ترساً" في آلة غيره.
علينا أن نخرج من فخ "الانبهار التقني" إلى رحاب "الاستبصار القيمي"؛ فالمستقبل لا يُصنع بذكاء السليكون، بل بـ (بالبصيرة) التي تمنح الإنسان الميزان الثابت ليزن به كل متغيرات الأرض.
لنسترد "مركزية العقل".. فقد كادت الآلة أن تسرق منا إنسانيتنا.
د. عبد الكريم بكار
الأخبار لن تنتهي… والتحليلات السياسية لن تتوقف…
وشريط "الخبر العاجل" سيظل يركض أمام عينيك كأن القيامة ستقوم إن لم تعرف ماذا حدث الآن.
نصف أعمارنا ضاع أمام القنوات الإخبارية، ننتظر خبراً عاجلاً… بينما أعمارنا هي التي كانت تعلن خبرها العاجل.
أغلق كل هذه الشاشات.
أطفئ هذا الضجيج الذي يسرق قلبك قطرة قطرة.
وافتح مصحفك.
فما هي إلا أيام…
وينقضي شهرك،
أو تنقضي أنت.
أيامًا معدودات.
نتنياهو يعترض على شعار اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة ويطالب بحذف كلمة “الوطنية”
قال نتنياهو خلال جلسة الحكومة إن استخدام كلمة “الوطنية” في اسم اللجنة وشعارها غير مقبول من وجهة نظر إسرائيل تماما مثل السابق الذي كان أيضا مشابها جدا لشعار السلطة الفلسطينية.
———
هدف نتنياهو هو إذلال اللجنة وإخضاعها بشكل كامل لسلطته، وتجريد الفلسطيني من هويته.
قبول الخضوع والذل يعني الاستمرار فيهما.
البعض يتساءل: لماذا نقاوم؟ لأن إسرائيل لا تسمح لنا بالوجود بكل بساطة .
المقاومة ليس خياراً بل هي رد فعل طبيعي ووحيد لاثبات الوجود والحق ، ��نا اتحدث عن المقاومة بكل أوجهها وأشكالها.
هل تعرف أقسى ما يوجع القلب؟
لا..ليست صورة هذا الرجل منزوعا عنه جسده الستر، وعن عظامه اللحم..بل هو الخذلان..خذلان رجل حمل سلاحه وحيدا إلا من رفقة 150 من خيرة أبطال تلك الأمة المحاصرين في الأنفاق..خذلان من أمته التي يتجاوز عد��ها أربعمائة مليوناً من البشر، فلا هم أطعموه كسرة خبز، ولا هم أسكتوا عطشه بشربة ماء..هذا رجل دافع عن شرف أمة ولم يطلب لنفسه إرث ولا جاه، كان مستعداً حتى مع نحول جسده وذبول وجهه أن يستمر في دفع الثمن، لو أعطوه فقط كعب بندقية قديمة يدرأ بها الشر عن أهله أمام جحافل البغاة المعتدين..لكن الكل، الأخ قبل العدو، اتفق على محوهم..تخبرك أجسادهم عن سيرة حياتهم..عن معدة خوت على عروشها، وجسد تأوه من برد سحيق ينخر العظم..عن ألف يوم انتظروا فيه المدد، فلم يحصدوا إلا حنظلا وعلقما..
لكن والله ظلت الروح عالية شامخة، فلم تقبل دنية في وطنها ودينها، ولم تفلت من أناملها البارودة حتى وإ�� فرغت من رصاصاتها..أدهم العكر هو من تشاهدونه..قائد سرية في كتائب أبطالنا..ما باع ولا خان، وما هادن أو تنازل..عاش حرا وإن وقع في الأسر، وعشتم عبيدا وإن تنعتم برغد العيش..وغدا سوف تبكي الأمة رجالا، بكاء يقطر أحمرا قانيا، والعدو يسوقهم سوق العبيد..رجال والله ما أرادوا من الدنيا سوى الكرامة، لكنه الزمان الخطأ، حيث العبودية عقلانية، وقلة الشرف صبر استراتيجي..أما آسره الخائن..فلك مصير الضباع..في منتصف الجبهة وفي سويداء القلب تنتظرك طلقة..آتية مهما تأخرت..إلى العكر ورفاقه..قسما..أنتم تيجان رؤوسنا، ومهما حاولوا، لن ينالوا من مكانتكم في قلوبنا..أبطالا شامخين..وسواكم العبيد.
أقنعوا الناس أن وقف الحرب هو الإنجاز..وتلك كانت الخدعة..
ما توقف هو الإفناء التام بالرصاص المصبوب من السماء والأرض..وما حل محله هو احتضار طويل بطيء مؤلم لمليونين من سكان القطاع بالبرد والجوع والمرض..وهذا لم يعد يزعج العالم في شيء..
أهالينا؟..اسمهم على الورق عايشين وتلك هي اللقطة النهائية التي يرغب فيها عالم أفاق..لكن في الحقيقة..مرميين حرفيا في خيام نايلون وسط عواصف ومنخفضات..البرد شعور مؤلم، ليس البرد الرومانسي لجوارهم العربي الخانع حيث صوت فيروز وفنجان القهوة على وقع زخات المطر..لأ..هو ذلك النوع من البرد الذي ينخر العظام ويجفف الأمعاء ويجمد الروح ويتركك وحيدا تتمنى الرحيل عن الدنيا فلا يقوى صوتك حتى على الخروج في الدعاء..
برد بلا تدفئة..وجوع بلا طعام..وسعال بلا دواء..وعليك فقط أن تنتظر خروج الروح من أجساد أولادك فلا تقوى حراكا..صف بحق الله منطقة في كوكب الأرض، حيث يلقى مئات ألوف البشر في الشوارع بلا مأوى..لن تجد غير القطاع وناسه..حيث اتفق الكل عرب وعجم، مسلمون وغيرهم، على نسيان كامل ونهائي لمجموعة من البشر حتى محوهم للأبد..لأن تكلفة ��لخلاص منهم أهون بكثير من فاتورة إطعامهم، فيظلون بعد ذلك يذكرون عالما منحطا بأن لهم أرضا لن يتخلوا عنها مهما كلف الأمر..
إن كان ثمة بطل واحد في هذا الكوكب فهو أب من أهالي القطاع ما يزال صامدا لتأمين بقاء أولاده على قيد الحياة وسط السيول..وإن كان ثمة معنى واحد للتضحية فهو لأم من أهالينا تقتطع اللقمة الشحيحة من فمها لتغرسها في أفواه أطفالها..وإن كان هناك صورة واحدة للصبر والجلد فهي لأبوين يبحثان الآن وسط الطين عن مدفن كريم لرضيعهم الذي تجمد الأحمر القاني في عروقه من شدة البرد..
هؤلاء هم أبطال العالم المنسيون..لكنها تلك البطولة التي لا تننزع إعجابا ولا تستحق ذكر..لأنهم ببساطة غزيون..حيث الاسم وحده مرادفا أبديا للفناء..فناء بلا ثمن..ولا أحد يبكي أمة من البشر كتبت شواهد قبورهم قبل شهادات ميلادهم.
يقولون بأن عشرين منهم قد قضوا نحبهم..وأن تسعة قد ألقي القبض عليهم بعد خروجهم للبحث عن الطعام والشراب..يقولون بأن جيش الاحتلال قد عرض عليهم الاستسلام الكامل مقابل مدة سجن قصيرة ثم العودة للقطاع..يقولون والقول للأسف حقيقة..
أحاول تخيل حياة المحاصرين في أنفاق رفح..شاب عشريني تحت الأرض، بلا طعام أو ماء..على الأرجح لن تجد في يده سوى مصحف، ولن تسمع صوته طوال اليوم، سوى في بكاء مختنق أثناء قيام الليل، يناجي ربه بزوال الكرب..أتخيل وأتخيل ويعتصر الألم قلبي حتى أكاد أعاني نفس شعور الاختناق الذي يكابدونه جراء نقص الأوكسجين..
لا أعلم كم بقوا تحت الأرض؟..عامين، عام، ستة أشه��؟..لكني أعلم أن خمسة عشر يوما من نقص الطعام كانت كفيلة باستسلام عشرات الألوف من الجيش الفرنسي للفيتناميين في معركة ديان بيان فو..وتلك كانت فرنسا وهؤلاء كانوا جنودها المزودين بكل ما يتخيله امريء من عتاد..أعلم أن الجيوش العتيدة لا تصمد وهم صمدوا، أعلم أن عتاة المحاربين ينهارون وقد بقوا كالجبال راسخين..أعلم أنهم وبحق ندرة شجاعة في كومة من الوضاعة العربية، وجرعة من البأس في أيام رجولة التطبيع، ولمحة من زمان الأولياء الصالحين في وقت دوي كؤوس الساقطين..
يروج الاحتلال صورة لوقوع أحدكم في أسره ولاستهداف بعضكم أثناء خروجه من الأنفاق بحثا عن فتات طعام..يريد بذلك تشوي�� صورتكم..لكن والله من حيث لا يحتسب صنع أسطورتكم..كان بمقدوركم في النهاية التسليم والفوز بالمغانم جراء الوشاية برفاق دربكم، ولم تفعلوا..كان بإمكانكم من البداية ترك سلاحكم وقت اشتداد المعارك والتخلي عن مواقعكم ولم تفعلوا..��يقينا كان بمقدوركم الخروج في منتصف الحرب ملقين بواريدكم ومنشقين على قياداتكم وأيضا لم تفعلوا..ولا في أي مرحلة كان الاستسلام خياركم..أفبحق الله هل يجرؤ كائن من كان على النيل من صورتكم في قلوبنا مهما حدث؟..لا والله..ثم لا والله..بل أنتم خيرة رجال تلك الأمة، ومبعث فخرها..
لا أمر من ظلم ذوي القرابة..وقد ظلمكم ملياري مسلم ونصف مليار عربي..لا أسوأ من الخذلان وقد تركتم لكل مرض ناهش وجوع قاصم وعطش باهظ..ولا أفدح من أن تمر الحياة هكذا فوق أجساد المظلومين، بينما يهنأ العابثون ويحتفل الظالمون..أما الصالحون فيها فعلى أعواد المشانق يعلقون وبالميركافا يدهسون..لكنها دنيا الزوال..وكم يحيا من خائن فيها وكم يشقى ذو مبدأ..وما يهون فاحعتنا فيكم سوى أن نهاية الطريق..قبر وبعث ونشور وحساب..ويومئذ تكون وجوهكم نضرة ووجوه المرجفين يعلوها السواد..
عزيزي المختنق في نفقه، الجائع في عز ظلمته، الوحيد إلا من دانات مطارده..��الله أنت قبل الصديق صديق، ومثل الأهل أهل، وفوق الجميع بوصلة للدرب..عزيزي..أقسم لك بالله في عليائه أن ذرة من تراب عالقة في حذائك المهتريء لهي أشرف عندي من رؤوس تعتليها تيجان من ورق..عزيزي الذي لا أعرف له صورة ولا اسما ولا لقبا..ألا لعنة الله على من ظلمك وخذلك وتركك وجوعك وشردك..ألا لعنة الله على عرب لم تطلب منهم سوى بارودة وكسرة خبز وشربة ماء، حتى تذود عنهم، فسقوك علقما وحنظلا..ألا لعنة الله على الظالمين.