أم الأيتام … ✍️
في أقصـى تلك المدينة الهادئة
هناك حيث الحي القديم المتهالك
الذي تختلط مبانيه القديمة بالجديدة
يقف ذلك المنزل المهجور بتثاقل
بعد ان هجرته الحياة وسكنته قصص الأشباح
يقف وقد أرهقت جدرانه قسوة السنين
وتشققت شفاه ابوابه الخشبيه
ليس فيه نوافذ ولاماء ولا كهرباء
ليس فيه حياة
ليس فيه سوى عناكب تسكن الزوايا
ورمال عالقة على الجدران
وبقايا علب وكراتين تداعبها الرياح بفنائه
تقدمت تلك الأم الضعيفة مكسورة الجناح
تحمل طفلتها الصغيرة بين يديها
وخلفها طفلين يُمسكان بطرف ثوبها
اقتربت من المنزل وتأملت حجراته
كان بعينها كقصر فائق الجمال
فهي لاتملك حتى كوخ يؤي صغارها
بعد أن تخلى عنها الجميع
تركوها تواجه مصيرها
في هذا المكان الكئيب المهمل
قررت أن تعيش مع أولادها
نظفت إحدى الغرف وغطت النوافذ
وفرشت الأرض بالكراتين
كان يوم شتاء بارد جداً
وقبل أن يهطل المساء
حيث كانت الشمس تلملم دفئها لترحل
ضجت بطون الأيتام جوعاً
وعجوا بالصراخ والبكاء
تسمرت الأم الرحيمة تتأمل أطفالها
حارت دموعها ولكنها تماسكت
فمشهد أطفالها المؤلم
لا يُعرض في فلم ولا تحكيه رواية
بل هو حقيقة بين يديها
حقيقة تعيش تفاصيلها بكل مشاعرها
خرجت هائمة يكسوها التعفف
بين حاجة صغارها وقسوة ذل السؤال
طافت بنظرها كل الاتجاهات
تأملت كل الحاويات القريبة
تبحث عن ماتسد به جوعهم
كان مكب النفايات مكان تسوقها
ليس فيه رفوف وخالي من طوابير المتسوقين
ولا صوت انامل الكاشير الذي يخجلها بصوت حاسبته
كان وقوفها امام الحاوية متعة تسوق لاتوصف
فقط لانها ابعدتها عن ذل السؤال
بحثت من بعيد في كل شئ
فوقعت عيناها على بقايا طحين
عادت وهي فرحة مستبشرة
أنتظرت حتى يسدل الليل ستاره
لتعود وتأخذ كيس الطحين
بدأ الظلام يتسلل إلى الحي
ويخفي كل الملامح والوجوه
وهاهي تخرج تغمرها فرحة عظيمة
نعم عظيمة .. فسوف يأكل أولادها هذه الليلة
خرجت وهي لاتحتاج لشئ
فقط تحتاج لستر الله .. أن لايراها أحد
أمسكت بكيس الطحين وحاولت حمله
ولكنه كان ثقيل كثقل همومها
أخذت تجره وعيونها ترقب الطريق
خائفة أن يكسر احدهم تعففها بنظره
وصلت أطفالها الذين أنهكهم الجوع
لايتحرك فيهم سوى عيون هدها البكاء
أشعلت النار من كراتين وعلب وأخشاب
كانت تزاحمهم وسط هذا المنزل
أخذت تنظف الطحين وتعجن وتخبز
جمعت أولادها حولها
قدمت لهم أشهى وجبة
كان صوت الخبز وهو يتكسر بين أيديهم
أجمل نغم يطرب مسامعها
بعد أن أكلوا وشبعوا ورحل الجوع
ناموا يغشاهم الهدوء والطمأنينة
غطتهم ببعض الخرق والكراتين
حان موعد وقوفها بين يدي ربها
تصلي في جوف ليل بارد مظلم
هي تعلم ان الله عز وجل
قريب مجيب سيرحمها وصغارها
اخذت تدعوه ودموعها تبلل الأرض
تشكره على مارزقها وسد جوع أولادها
وتناجية باكية تشتكي حالها وأيتامها
حتى أخذ منها التعب ماأخذ
واستسلمت لنوم عميق
وهي واثقة أن الله سيجيب دعائها
تمر الليالي طويلة موجعة
ليلة جوع وليلة برد وليلة وحشة
يكبر أطفالها كالزهور
وتكبر معهم آمالها وثقتها بربها
تتنزل رحمات الله على قلوب من حولها
فيسود إهتمام الجميع بها وبأيتامها
فتخرج من حال الضيق بفرج الله ورحمته
وتتغير احوالها وتعيش في رغد من العيش
ويرزقها الله صلاح اولادها وبرهم
هُنا إنتهت حكايتنا
ولكن ربما لم تنتهي كثير من الحكايا المؤلمة
التي مازالت تعيشها الأمهات مع أيتامهن
تلبس جلباب اليتم أو الفقر أو الحاجة
فياليتنا نتفقد أحوال من حولنا
ربما هناك من يعيش حكاية أشد أيلاماً
أنثى عابرة .... 👩🌾
قررت نور …
ان تبحر من خلال جوالها لتكتشف هذا العالم
أخذت أمواج التطبيقات تتقاذفها حتى رمت بها على جزيرة كثبانها أنيقة
توقف بها الزمن على ذلك الشاطئ يحتضنها الماء وتظللها السماء
أخذت تستكشف المكان من حولها
أخذت تتأمل كل شئ فالعالم يبدو جميلاً
بدأت الشمس تُغادر السماء وبدأ الليل ينثر ظلامه ليطمس بقايا نورها
سارت بخطى مرتعشة وتائهة في وسط هدوء الظلام ووخزات البرد
لاتسمع سوى صوت خشخشة الأوراق اليابسة التي تطأها قدميها الحافيتين
اقتربت من جدار أنيق تملأه كثير من الصور والعبارات أسندت ظهرها إليه وجلست لترتاح
لم يطل جلوسها حتى شعرت بشئ يشبه البرد تقدمت بسيرها وهي ترتجف
شاهدت من بعيد موقد نار يجتمع حوله رجال ونساء
ترددت قليلا ثم أقتربت منهم بهدوء وقررت أن تشاركهم الدفء والحديث
فالبرد شديد وجسدها لايحتمل تقدمت نحوهم وهي تهتز من البرد
اخذ احدهم كرسي وقربه من النار جلست وبقيت صامته حتى هدأت نفسها
فحاولت التحدث مع الفتيات القريبات منها أحست بأمان وسعادة معهن
أخذت تتحدث مع الجميع بعفوية وأدب ولكن هذه العفوية شدت أنتباه الشباب
فتسابقت كلماتهم لكسب ودها فوقعت في حرج كبير وتوتر بالغ
تمنت لو أنها بقيت صامته أو أنها لم تأت الى هذا المكان
كان بين الرجال شاب لم يسلم قلبه من اختراق سهم الأعجاب
جلس يتأملها طويلا لم تعد مجرد أنثى في نظره تقدم لها وخلع معطفة وغطاها
لتزداد دفأ وتشعر بأمان اكثر تقدم شاب آخر وقدم لها كوب حليب ساخن
تقدم شاب وقح حاول جرح مشاعرها بألفاظ بذيئة
فنهره شيخ كبير يمسك بعصاه ويجلس على كرسي خشبي اسند ظهره للجدار
تقدم شاب رابع يتصبب خجلاً وتمتم بعبارات لطيفة لم تفهمها
اخذ الجميع يتقدمون
هذا يقدم وردة وهذا يتغزل بكلمات معسولة وهذا ينثر الشعر وهذا .. وهذا .. وهذا
وهي متسمرة في مكانها
حاولت ان توضح أنها مجرد فتاة عابرة تريد أن تكون كأي فتاة ضمن الحضور
ولكن لم يفهمها أحد . بل لم يريدوا أن يفهموها
وعندما وجدت ان لا احد يُصغي لحديثها ايقنت ان الرحيل والعودة الى عالمها
هو الحل الأسلم علها تتخلص من هذا الكابوس الذي أرهقها
وبعد أن أنهكها التعب وآلمها كل من حولها
لملمت حروفها واغلقت جوالها
وقررت العودة إلى حيث يسكن جسدها
في ذلك البيت الآمن 🏠
وعلى تلك الأريكة الوثيرة 🛋️
برفقة ذلك الكتاب 📕
وكوب القهوة ☕️
بعيداً عن كل هذا العالم
✍️
شيخنا ابومثقال
فيصل بن مشل التمياط رحمه الله
حاولت وعجز شعري عن رثائك
ولكني اقول معزياً انفسنا :
الفقد بالتومان يصعب له قياس
مثل الاصابع انقطع منه الابهام
رحل الفيصل
رحل ابو مثقال
رحل شيخنا وعزنا
رحل رجل المهمات الصعبة
رحل حبيبنا الذي يجمعنا
رحل من يبث روح الحماس
رحل من يحثنا على التكاتف
رحل شيخنا الغالي عليه رحمة الله
اللهم ارحم عبدك الشيخ فيصل بن مشل التمياط .. اللهم أكرم وفادته .. كريم وفد إلى الكريم سبحانه وتعالى .