يا حبيبتي...سرى الليل ، واحتواني ما كنت أجده بقربك ، فدعيني أموت هنا حتى يخفيني عن عينيك شحوبي، ونحولي ، ويأس صارف صادق أن لقاءنا علق اليوم على حبال المستحيل...نعم هو المستحيل.
تلقينا اليوم نبأ وفاة الوالد والعم العزيز جد أولادي الشيخ خليفة بن جاسم النعيمي عليه رحمة الله، ولا مرد لأمر الله،فكل نفس ذائقة الموت،وشهادتنا في فقيدنا عاجزة عن الإحاطة بما عايشناه معه من العمل الصالح وحسن الخلق والبر والإحسان.رحمه الله وأسكنه الفردوس الأعلى.
البحر وطني الذي لا يُصادرُ حريتي وهي التي لم تُولد بعد.
هو القلمُ المائيُّ الذي يكتبُ على الرملِ ثم يمحو.. كي أتعلمَ أن الكتابةَ ليست للبقاء، بل للتنفس.
في داخلي بحرٌ لا خرائط له.
أمواجه أفكارٌ، ومدُّه غضبٌ، وجزرُه حنين.
وكلما ضاقت بي اليابسة، هربتُ إليه.
ألقي بنفسي في عمقهِ فلا يسألني: "لماذا جئت؟"
ولا يقول لي: "اهدأ حتى نفهمك".
هو فقط يفتحُ لي صدره الملحي، ويقول: "تعال، اغسل هنا".
والآن... سكتت السماء.
توقّف المطر فجأة، كأن أحداً وضع أصبعه على شفتيه وقال: "اسكتوا... انظروا".
ومن بين ثقل الغيم، خرج القمر خجلان
لا يريد ضوضاء، لا يريد تصفيقاً.
فقط يطلّ بطرف عينٍ فضّية، كعاشقٍ يرقب حبيبته وهي تمشّط شعرها المبتل تحت ماء منهمر.
ليس عيبا في الكتب المملوءة بالخرافات عن الموت والأموات لأن أصحابها اجتهدوا فبان لهم أنه الصواب،إنما العيب فيمن يقرأ كل شيء فيصدق كل شيء من غير تحر وتثبت، ويبدأ يعظ الناس بجهله ،والسبب أن فاقد الشيء لا يعطيه.
ماورد في الكتاب والسنة من حال الموتى لا يعارض أن الميت انقطعت صلته بأهل الدنيا،والنص الوارد لا ينبغي أن يؤخذ توجيهه من الوعاظ والعوام الذين يقرؤون الأحاديث في المساجد ويفسرونها تفسيرا عاطفيا غير خاضع لأصول علمية.
سبعون سنة أو تزيد قليلا صدقني لا تستحق كل هذا الاهتمام،لقد مرت بأعجوبة بين الأمس واليوم،فإذا بك غير الذي كنت..هذه الحال تجبرنا يا أخي على أن نكون عقلاء حقا لا سفهاء مغفلين تتخطفنا الأيام ولا نستطيع الرد.
لو لم أر سوى الجنائز الراحلة كل يوم إلى لا رجعة لكفاني عبرة ورعدة وخوفا من أن أرحل حاملا على ظهري مظلمة وحقا لمخلوق أراد الله له الحياة فنغصت وعليه وظلمته.
من المضحك المبكي آخر ما وصلت إليه تكنولوجيا المجتمعات المسكينة أن يكيد لك الواحد بلفافة ورق يدفنها أمام بيتك ظنا منه أنها سحر سوف يأتي بأجلك..مجتمع ينبغى أن يحال إلى مصحة أمراض عقلية.