ما أسرع ما نفد من جرابك التمر والقهوة فأخرجت منه تهمة «الكوزنه» ولعلك تجهل أننا اقتلعنا حكم الكيزان بثورة شعبية عارمة -وكنت أحد روادها- على الفضاء الرقمي، ولعلك تجهل أيضاً أنني قدمت إلى المملكة العربية السعودية بعد تخرجي بثلاثة أشهر أبتغي رزقاً حلالاً بعرق جبيني، فما جئت في ركاب بعثة دبلوماسية، ولا دخلت من أبواب السفارة السودانية ولا حملت صكاً من سلطة ثرنا عليها، ولو كنت من بطانتها لوجدت إلى الامتيازات سبيلاً أقصر من دروب الغربة، وأراكم تتخذون من الكيزان مطية كلما أعيتكم الحجة حتى غدت هذه الشماعة أسمالاً بالية يستر بها بعضكم ما تكشفه الوقائع، وقد عرف الناس من تجارب سياساتكم في #ليبيا و #اليمن وصومالاند ومن علاقاتكم المعلنة مع #إسرائيل ما يجعل محاضراتكم في الولاء والخيانة مثاراً للسخرية، ونحن نمقت تدخلكم في شؤون #السودان ونرفض السياسات التي تطيل حربه وتزيد مآسي أهله، وقد كنا نحب بلادكم حباً صادقاً وأذكر أنني بكيت طفلاً يوم رحل حكيم العرب الشيخ زايد بن سلطان -رحمه الله- فقد كان له في قلوبنا مقام عظيم، وما كنت أظن أن يأتي يوم أفتش فيه عن تلك الصورة الجميلة بين ركام السياسات فلا أجدها، فدع عنك تفتيش ضمائر السودانيين، وانصرف إلى مساءلة من تتحدث التقارير الدولية عن إسنادهم لقتلة أهلنا، وحاولوا أن تعيدوا رسم ذلك الوجه الذي أحببناه، فقد بكيت الشيخ زايد يوم رحيله، وأخشى أن يبكي جميع المسلمين والعرب معي على صورة بلاده التي تركها في قلوبنا.
عجباً لك!
رأيت في منامك امرأة سودانية تطعمك التمر وتسقيك القهوة، فأين كانت عيناك عن أم سودانية تحتضن جثمان ولدها الذي قتله الجنجويد، وعن امرأة اغتصبها وحوش المليشيا، وعن أطفال يتضورون جوعاً في أرض أغرقها القتلة بالدماء؟ ما أوسع منامك وما أضيق ضميرك! أبصرت بشاشة العجائز وغابت عنك وجوه الثكالى، وسمعت كلمات الترحيب وصممت أذناك عن صراخ المغتصبات، ثم جئتنا تبشرنا بالفرج وبلادك متهمة بإمداد جلادينا بأسباب القتل!
إن للسودان رباً لا يغفل عن مظلمة، وله إخوة يعرفون حرمة دمه ويحفظون حقه ويقفون معه في محنته، وسيأتي فرجه -بإذن الله- يوم تنكسر سطوة الجنجويد وينكشف حساب من أعانهم فاحتفظ بأحلامك لنفسك، فما كان للسودان أن ينتظر بشارة الفرج ممن يتحدث عن بركة أرضه ويسكت عن السلاح الذي يقتل أهلها، واعلم أن اليد التي تسلح القاتل لا يطهرها لسان يدعو للقتيل!