كيف علّمني ميسي الصبر؟
يقولون إن الناس تتعلم الصبر بطرق مختلفة؛ أحدهم يتعلمه من الانتظار، وآخر من الخسارة، وثالث من ابتلاء غيّر نظرته للحياة.
أما أنا…
فقد تعلمت الصبر من طريق لم أتوقعه أبدًا:
ليونيل ميسي.
وهذه مراحل رحلتي مع اللاعب ليونيل ميسي.
المرحلة الأولى: التعب النفسي
في البداية كنت مجرد مدريديستا طبيعي.
أحب ريال مدريد، أكثر من أي كيان رياضي في الوجود، أقضي ساعات للدفاع عنه والتفاخر به، مدريديستا طبيعي.
كنت أجلس أمام التلفاز، أطلب العشاء، وأنتظر مباراة ممتعة.
ثم تظهر الكاميرا على ميسي…
ومن هنا ينتهي الهدوء قبل أن تبدأ المباراة.
لم أكن أشاهد كرة قدم، بل أشاهد اختبارًا مباشرًا لأعصابي.
كلما استلم الكرة قلت:
“اقطعوها.”
فيمر.
“لا يسدد.”
فيسدد.
“لا يسجل.”
فيسجل.
“لا يصنع.”
فيصنع.
أنهي المباراة وكأنني خرجت من جلسة تحقيق طويلة، ثم أقضي الليل أحلل لمسة في الدقيقة 68 أكثر مما أحلل قراراتي المصيرية.
المرحلة الثانية: التمني
مع مرور الوقت، لم أعد أتابع ميسي كلاعب.
بدأت أتابعه كمشروع فشل مؤجل.
أدخل كل مباراة وأنا أقول:
“اليوم يختفي.”
ثم يظهر.
“اليوم دفاع الخصم بيقفل عليه.”
ثم يفعل المستحيل.
“اليوم العمر بيبان عليه.”
ثم يجعل ظني أكبر معضلاتي.
كنت لا أبحث عن المتعة، بل أبحث عن لقطة واحدة فقط.
تمريرة مقطوعة.
تسديدة ضعيفة.
مباراة هادئة.
أي شيء أتمسك به وأقول:
“شفتوا؟ هذا حجمه.”
ثم تمر عشر دقائق…
ويلجم.
المرحلة الثالثة: الكره
مع مرور الوقت، تطور الأمر إلى الكره.
ولم يكن كرهًا عاديًا.
بل كرهًا مدريديًا منظمًا.
أفتح مواقع الإحصائيات.
أشاهد الإعادات.
أبحث عن الزوايا.
أناقش أصدقاءً لم يسألوني.
وأكتب تحليلات لم يطلبها أحد.
إذا سجل قلت: الحارس سيئ.
إذا صنع قلت: المهاجم ممتاز.
إذا راوغ قلت: الدفاع فاتح شارع.
إذا فاز قلت: الفريق شايله.
وإذا خسر قلت: هذا حجمه الحقيقي.
كنت مقتنعًا أن نصف مبالغات كرة القدم سببها ميسي…
أما النصف الآخر فما زال قيد التحقيق.
المرحلة الرابعة: الاختبار
ثم بدأت أراهن على الزمن.
قلت:
المشكلة في برشلونة.
خرج من برشلونة…
وميسي موجود.
قلت:
المنتخب هو الاختبار الحقيقي.
فاز مع المنتخب.
قلت:
كأس العالم لا يرحم.
فاز بكأس العالم.
هنا بدأت أفهم أن الموضوع لم يعد كرة قدم فقط.
بل اختبار صبر طويل.
كيف استطاع هذا الرجل أن يهدم كل الحجج التي بنيتها ضده، واحدة تلو الأخرى…
بينما أنا منذ سنوات لم أستطع إقناع خمسة أشخاص في الاستراحة أنني موضوعي؟
كيف كلما قلت: انتهى…
عاد بتمريرة.
كيف كلما قلت: اختفى…
ظهر بهدف.
كيف كلما تمنيت فشله…
ألجم؟
المرحلة الخامسة: الصبر
هنا فقط استسلمت.
ولاحظ…
استسلمت أنا.
ولم يتوقف ميسي.
ولم يختف.
ولم يمنحني المباراة الهادئة التي انتظرتها سنوات.
هو استمر كما هو…
أما الذي تغيّر فهو أنا.
جلست مع نفسي وقلت:
يا مدريدي…
أنت لا تستطيع منع ميسي من التمرير.
ولا من التسجيل.
ولا من صناعة اللحظة.
ولا من إسكاتك في كل مرة.
ولا تستطيع أن تطلب من التاريخ أن يكتب نفسه على مزاجك.
عندها فهمت أن مشكلتي لم تكن ليونيل ميسي.
بل كانت نفاد الصبر.
كنت أريد أن يفشل الآن.
أن يسقط الآن.
أن يعترف العالم برأيي الآن.
ولما تأخر الواقع عن رغبتي…
غضبت.
ومن هنا بدأت أتعلم الصبر.
الصبر على ما لا تملك.
الصبر على رأي لا ينتصر.
الصبر على لاعب يرفض أن يعطيك الدليل الذي تنتظره.
والصبر على نفسك حين تكتشف أنك لم تكن موضوعيًا كما كنت تظن.
ومنذ ذلك اليوم أصبحت أشاهد ميسي بهدوء.
إذا سجل…
أتنفس.
وإذا صنع…
أصمت.
وإذا راوغ ثلاثة لاعبين وكأنهم غير موجودين…
أعيد ترتيب أفكاري.
وإذا ألجمني للمرة الألف…
أبتسم.
ليس لأنني اقتنعت عاطفيًا…
ولا لأنني سامحته على كل الليالي التي أفسد فيها توقعاتي…
ولكن لأنني أدركت أن مقاومة ليونيل ميسي كانت مشروعًا خاسرًا منذ البداية.
أما مقاومة النفس…
فهذه هي المباراة التي تستحق أن تُلعب.
ولهذا… إذا سألني أحد يومًا:
“من أكثر لاعب علّمك الصبر؟”
سأجيب بكل هدوء:
“ليونيل ميسي”
المباراة انتهت من هنا والله
تعبير ميسي هنا نفس اذا شفت ورع يهايط عليك بشيء انت طول عمرك فنان فيه.. الموضوع هنا يقلب تربية وتعليم
شايب عند الملاقى صبي 💙 https://t.co/tnPXVfYe5H