فواز الحصبان رزق بأربعة
أبناء مكفوفين، وصم وبكم ، وأحدهم أيضاً توحد .
كان يعلّمهم وهو يتشبث بأستار الكعبة الدعاء ، كان يعلّمنا معهم درساً أعظم يعلّمنا الصبر عند البلاء والتعلق بباب الرجاء
وأن الضعف الجسدي لا يعني أبداً ضعف الروح …
⦿ الدنيا في تسارع عجيب، والأيام في ركض مريب!
هذه العطلة الصيفية مرّت مرَّ السحاب، وكأنها يوم أو بعض يوم؛ وهكذا عمر الإنسان: تمضي أيامه وسنواته وعقوده سراعاً، وكأنها حلم.
⦿ والموفَّق السعيد من سارع في الخيرات، وبادر بالصالحات، من صلاة وصدقة وصيام وذكر وتلاوة وسائر القربات، قبل هجوم المدهشات. ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾.
علّموا أولادنا أننا نعيش في وطن جميل وكريم، بين شعب طيب ومحب.
علّموهم أن الإسلام ليس مجرد شعائر، بل أخلاق وقيم نبيلة صدق وأمانة ورحمة وتسامح واحترام للآخرين، والابتعاد عما نهى الله عنه.
والتربية تبدأ من البيت، من الأسرة، ومن القدوة الحسنة فالأب والأم هما المدرسة الأولى، وما يراه الطفل في بيته يبقى معه طوال حياته .
دخل رجل بملابس متواضعة، وأوقف سيارته القديمة أمام الديوان، ثم ألقى السلام.
تبادل الأولاد نظراتٍ سريعة، وفي أعينهم شيءٌ من الاستعلاء.
لم يقولوا شيئًا، لكن نظراتهم قالت كل شيء.
نهض الأب، واستقبل ضيفه بحرارة، وعانقه، وأجلسه في صدر المجلس، ثم دار بينهما حديثٌ قصير قبل أن يغادر الرجل.
بعد خروجه، التفت الأب إلى أولاده وقال بهدوء:
“أتدرون من هذا الرجل؟”
هزّوا رؤوسهم بالنفي.
قال:
“هذا صديقي. يوم كنت فقيرًا لا أملك شيئًا، كان هو ممن يدفع لي الزكاة، ويمد لي يد العون، ويستر حاجتي؛ .
ساد الصمت… وانطفأ ما كان في أعينهم من كِبر.
وأضاف الأب:
“ثم دارت الأيام.
فتح الله عليّ حتى أصبحت أملك الملايين، وبقي هو على حاله، ولا أعلم ما الذي أخّر رزقه.
لكنه بقي شريفًا، عفيفًا، نظيف اليد واللسان .”
ثم نظر إليهم نظرة الأب المربي وقال:
“صدقوني… لا أتمنى من الدنيا بعد فضل الله مالًا أكثر مما عندي، لكنني أتمنى أن أملك سمعته الطيبة، ومحبته في قلوب الناس، ومعرفته التي اكتسبها بخلقه وفضله.”
وأردف قائلًا:
“إياكم أن تقيسوا الناس بسياراتهم، أو ملابسهم، أو بما في جيوبهم. الناس تُعرف بأخلاقها، وبمواقفها، وبما قدمته للآخرين.
أنزلوا الناس منازلهم، وأكرموهم، فكم من متواضعٍ عند الله عظيم، وكم ��ن غنيٍ لا يساوي عند الناس شيئًا .”
ظل الأولاد مطأطئي الرؤوس، وقد تغيرت ملامحهم، وكأن درسًا من العمر كله قد مر أمامهم في دقائق.
ابتسم الأب وقال كلمته الأخير��:
هكذا هي الدنيا… يومٌ لك، ويومٌ عليك، ولا يبقى للإنسان إلا خُلُقه، وأثره الطيب بين الناس .