مِن كل بُستان... زُهْري. أغرّد عن السُكّان والهجرة والمهاجرين وعن الناس العاديين. Writer, Academic & Expert on Population & Migration Studies. Ⲁⲓⲙⲁⲛ Ⲍⲟϩⲣⲓ
متى يعلنون موت المؤلف؟
في عصر الذكاء الاصطناعي لم يعد للأسلوب قيمة ولا للغة معنى ولا للديباجة سحر. أصبح الجميع يسعى للخلاصة والملخص والنتيجة. أصبح من الصعب على الكثيرين قراءة نص من أربعمائة صفحة والاستمتاع بالأسلوب والحبكة … متحبّكهاش بقى، #تخاريف_أيمن_زُهْري
عندما كان المصريون لا يهاجرون: تأملات في كتاب ويندل كليلاند الصادر عام 1936
د. أيمن زُهْري
خبير السكان ودراسات الهجرة
أحتفظ في مكتبتي الخاصة بعدد من الكتب التي لا تقاس قيمتها بما تحتويه من معلومات بقدر ما تقاس بما تحمله من ذكريات وما تمثله من محطات في رحلة علمية امتدت لأكثر من أربعة عقود. يأتي في مقدمة هذه الكتب نسخة قديمة من كتاب “المشكلة السكانية في مصر” الصادر عام 1936 والذي كتبه الأستاذ بالجامعة الامريكية بالقاهرة آنذاك الدكتور ويندل كليلاند، وهي النسخة التي حصلت عليها في تسعينيات القرن الماضي عندما كنت طالباً بالمركز الديمغرافي بالقاهرة، بعد أن قررت المكتبة التخلص من مجموعة من الكتب القديمة التي لم تعد تجد من يقرأها أو يستعيرها. لم أكن أدرك وقتها أنني أحمل معي إلى المنزل واحداً من النصوص المؤسسة للدراسات السكانية في مصر الحديثة، وأن هذا الكتاب سيظل يرافقني بعد ذلك في مراحل مختلفة من حياتي المهنية والبحثية.
تمثل قراءة هذا الكتاب اليوم تجربة فريدة من نوعها، ليس فقط بسبب المسافة الزمنية التي تفصلنا عن تاريخ صدوره، وإنما أيضاً بسبب حجم التحولات التي شهدها المجتمع المصري منذ ذلك الوقت. كانت مصر التي كتب عنها كليلاند تضم نحو 16 مليون نسمة فقط، وكانت الغالبية الساحقة من سكانها تعيش في الريف، وكانت معدلات الخصوبة والوفيات مرتفعة، وكانت الأرض الزراعية تمثل المورد الاقتصادي الرئيسي للدولة والمجتمع. كانت مصر، التي يتحدث عنها الكتاب، مختلفة تماماً عن مصر التي نعرفها اليوم، ومع ذلك فإن كثيراً من الأسئلة التي طرحها الكتاب ما زالت حاضرة في النقاش العام حتى الآن، وإن اختلفت الظروف وتغيرت التفاصيل.
تتمثل إحدى أكثر الملاحظات إثارة للاهتمام في الكتاب حديثه عن الهجرة، حيث أشار كليلاند إلى أن المصريين يميلون بطبيعتهم إلى الاستقرار وأن الهجرة إلى الخارج تظل ظاهرة محدودة ومؤقتة في معظم الأحوال، وأن المهاجرين المصريين يعودون في نهاية المطاف إلى وطنهم. ظللت أستشهد بهذه الملاحظة في العديد من كتاباتي وأبحاثي، ليس لأنها تقدم وصفاً دقيقاً لمصر المعاصرة، بل لأنها تقدم وصفاً دقيقاً للغاية لمصر الثلاثينيات من القرن العشرين. تكمن أهمية هذه العبارة في أنها تذكرنا دائماً بأن الهجرة ليست سمة ثابتة من سمات الشعوب، وإنما هي استجابة تاريخية لظروف اقتصادية واجتماعية وسياسية تتغير عبر الزمن.
تكشف التجربة المصرية خلال العقود اللاحقة عن مدى عمق هذا التحول. لم يكن كليلاند مخطئاً عندما كتب أن المصريين لا يهاجرون، بل كان يصف واقعاً قائماً بالفعل في زمانه، لم يكن في مقدور أي باحث عام 1936 أن يتنبأ باكتشاف النفط في الخليج العربي، أو بالطفرة الاقتصادية التي ستشهدها المنطقة بعد عقود، أو بالطلب المتزايد على العمالة المصرية في أسواق العمل العربية، أو بالتحولات التعليمية والاجتماعية التي ستدفع ملايين المصريين إلى التفكير في الهجرة باعتبارها مساراً طبيعياً لتحسين أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية. لم يكن كليلاند يتصور أن الهجرة ستصبح خلال النصف الثاني من القرن العشرين جزءاً أصيلاً من التجربة المصرية الحديثة، وأن ملايين الأسر المصرية سترتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بحركة الهجرة والعمل في الخارج.
تكمن القيمة الحقيقية للكتاب في أنه يسمح لنا برؤية المسافة التي قطعها المجتمع المصري خلال أقل من قرن واحد، إذ لم تتغير أعداد السكان فقط، بل تغيرت أنماط الحياة والعمل والتنقل والتعليم والأسرة والطموحات الفردية والجماعية. لم تعد الهجرة استثناءً كما كانت في زمن كليلاند، ولم يعد الاتصال بالعالم الخارجي محدوداً كما كان في ثلاثينيات القرن الماضي، كما لم تعد الحدود الجغرافية تمثل العائق نفسه الذي كانت تمثله للأجيال السابقة. أصبح العالم أكثر ترابطاً، وأصبحت حركة البشر أكثر كثافة وتعقيداً، وأصبحت الهجرة جزءاً من منظومة اقتصادية واجتماعية عالمية لا يمكن فهم المجتمعات المعاصرة بعيداً عنها.
تكشف العودة إلى هذا الكتاب أيضاً عن حقيقة أخرى كثيراً ما ننساها، وهي أن العلوم الاجتماعية لا تتقدم فقط عبر اكتشاف الإجابات الجديدة، بل تتقدم أيضاً عبر إعادة طرح الأسئلة القديمة في سياقات جديدة. ظل السؤال المتعلق بالعلاقة بين السكان والتنمية حاضراً في مصر منذ ثلاثينيات القرن الماضي وحتى اليوم، لكن الإجابات التي يقدمها كل جيل تختلف باختلاف الظروف التي يعيشها. كانت المشكلة في زمن كليلاند تتمثل في العلاقة بين عدد السكان والأرض الزراعية، بينما تمتد المشكلة اليوم إلى قضايا أكثر تعقيداً تشمل رأس المال البشري وجودة التعليم وسوق العمل والهجرة الدولية والتغيرات المناخية، والقدرة على التكيف مع التحولات الاقتصادية العالمية.
تدفعني قراءة هذا الكتاب بين الحين والآخر إلى التفكير في الكيفية التي سينظر بها الباحثون بعد تسعين عاماً أخرى إلى ما نكتبه نحن اليوم. قد تبدو بعض استنتاجاتنا بديهية في نظرنا، لكنها قد تبدو محدودة أو حتى ساذجة في نظر أجيال المستقبل التي ستعيش في ظروف مختلفة تماماً. تحمل هذه الفكرة قدراً من التواضع العلمي الذي يحتاج إليه كل باحث، لأن المعرفة ليست سوى محاولة مستمرة لفهم الواقع كما نراه في لحظة تاريخية معينة، بينما يظل المستقبل قادراً دائماً على مفاجأتنا بما لم نكن نتوقعه.
تمثل النسخة القديمة من كتاب ويندل كليلاند بالنسبة لي أكثر من مجرد كتاب نادر أو مرجع أكاديمي قديم، إنها تمثل جسراً يربط بين أجيال متعاقبة من الباحثين الذين حاولوا فهم المجتمع المصري وتحولاته السكانية. يحمل هذا الكتاب شهادة على مصر التي كان عدد سكانها وقتها 16 مليون نسمة، بينما أكتب هذه السطور في مصر يقارب عدد سكانها 120 مليون نسمة. تفصل بين اللحظتين تسعون عاماً تقريباً من التحولات الاجتماعية والاقتصادية والديموغرافية العميقة، لكن الأسئلة الكبرى المتعلقة بالسكان والتنمية والهجرة ما زالت حاضرة، وما زال كل جيل يحاول الإجابة عنها بطريقته الخاصة.
عندما كان المصريون لا يهاجرون: تأملات في كتاب ويندل كليلاند الصادر عام 1936
د. أيمن زُهْري
خبير السكان ودراسات الهجرة
أحتفظ في مكتبتي الخاصة بعدد من الكتب التي لا تقاس قيمتها بما تحتويه من معلومات بقدر ما تقاس بما تحمله من ذكريات وما تمثله من محطات في رحلة علمية امتدت لأكثر من أربعة عقود. يأتي في مقدمة هذه الكتب نسخة قديمة من كتاب “المشكلة السكانية في مصر” الصادر عام 1936 والذي كتبه الأستاذ بالجامعة الامريكية بالقاهرة آنذاك الدكتور ويندل كليلاند، وهي النسخة التي حصلت عليها في تسعينيات القرن الماضي عندما كنت طالباً بالمركز الديمغرافي بالقاهرة، بعد أن قررت المكتبة التخلص من مجموعة من الكتب القديمة التي لم تعد تجد من يقرأها أو يستعيرها. لم أكن أدرك وقتها أنني أحمل معي إلى المنزل واحداً من النصوص المؤسسة للدراسات السكانية في مصر الحديثة، وأن هذا الكتاب سيظل يرافقني بعد ذلك في مراحل مختلفة من حياتي المهنية والبحثية.
تمثل قراءة هذا الكتاب اليوم تجربة فريدة من نوعها، ليس فقط بسبب المسافة الزمنية التي تفصلنا عن تاريخ صدوره، وإنما أيضاً بسبب حجم التحولات التي شهدها المجتمع المصري منذ ذلك الوقت. كانت مصر التي كتب عنها كليلاند تضم نحو 16 مليون نسمة فقط، وكانت الغالبية الساحقة من سكانها تعيش في الريف، وكانت معدلات الخصوبة والوفيات مرتفعة، وكانت الأرض الزراعية تمثل المورد الاقتصادي الرئيسي للدولة والمجتمع. كانت مصر، التي يتحدث عنها الكتاب، مختلفة تماماً عن مصر التي نعرفها اليوم، ومع ذلك فإن كثيراً من الأسئلة التي طرحها الكتاب ما زالت حاضرة في النقاش العام حتى الآن، وإن اختلفت الظروف وتغيرت التفاصيل.
تتمثل إحدى أكثر الملاحظات إثارة للاهتمام في الكتاب حديثه عن الهجرة، حيث أشار كليلاند إلى أن المصريين يميلون بطبيعتهم إلى الاستقرار وأن الهجرة إلى الخارج تظل ظاهرة محدودة ومؤقتة في معظم الأحوال، وأن المهاجرين المصريين يعودون في نهاية المطاف إلى وطنهم. ظللت أستشهد بهذه الملاحظة في العديد من كتاباتي وأبحاثي، ليس لأنها تقدم وصفاً دقيقاً لمصر المعاصرة، بل لأنها تقدم وصفاً دقيقاً للغاية لمصر الثلاثينيات من القرن العشرين. تكمن أهمية هذه العبارة في أنها تذكرنا دائماً بأن الهجرة ليست سمة ثابتة من سمات الشعوب، وإنما هي استجابة تاريخية لظروف اقتصادية واجتماعية وسياسية تتغير عبر الزمن.
تكشف التجربة المصرية خلال العقود اللاحقة عن مدى عمق هذا التحول. لم يكن كليلاند مخطئاً عندما كتب أن المصريين لا يهاجرون، بل كان يصف واقعاً قائماً بالفعل في زمانه، لم يكن في مقدور أي باحث عام 1936 أن يتنبأ باكتشاف النفط في الخليج العربي، أو بالطفرة الاقتصادية التي ستشهدها المنطقة بعد عقود، أو بالطلب المتزايد على العمالة المصرية في أسواق العمل العربية، أو بالتحولات التعليمية والاجتماعية التي ستدفع ملايين المصريين إلى التفكير في الهجرة باعتبارها مساراً طبيعياً لتحسين أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية. لم يكن كليلاند يتصور أن الهجرة ستصبح خلال النصف الثاني من القرن العشرين جزءاً أصيلاً من التجربة المصرية الحديثة، وأن ملايين الأسر المصرية سترتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بحركة الهجرة والعمل في الخارج.
تكمن القيمة الحقيقية للكتاب في أنه يسمح لنا برؤية المسافة التي قطعها المجتمع المصري خلال أقل من قرن واحد، إذ لم تتغير أعداد السكان فقط، بل تغيرت أنماط الحياة والعمل والتنقل والتعليم والأسرة والطموحات الفردية والجماعية. لم تعد الهجرة استثناءً كما كانت في زمن كليلاند، ولم يعد الاتصال بالعالم الخارجي محدوداً كما كان في ثلاثينيات القرن الماضي، كما لم تعد الحدود الجغرافية تمثل العائق نفسه الذي كانت تمثله للأجيال السابقة. أصبح العالم أكثر ترابطاً، وأصبحت حركة البشر أكثر كثافة وتعقيداً، وأصبحت الهجرة جزءاً من منظومة اقتصادية واجتماعية عالمية لا يمكن فهم المجتمعات المعاصرة بعيداً عنها.
تكشف العودة إلى هذا الكتاب أيضاً عن حقيقة أخرى كثيراً ما ننساها، وهي أن العلوم الاجتماعية لا تتقدم فقط عبر اكتشاف الإجابات الجديدة، بل تتقدم أيضاً عبر إعادة طرح الأسئلة القديمة في سياقات جديدة. ظل السؤال المتعلق بالعلاقة بين السكان والتنمية حاضراً في مصر منذ ثلاثينيات القرن الماضي وحتى اليوم، لكن الإجابات التي يقدمها كل جيل تختلف باختلاف الظروف التي يعيشها. كانت المشكلة في زمن كليلاند تتمثل في العلاقة بين عدد السكان والأرض الزراعية، بينما تمتد المشكلة اليوم إلى قضايا أكثر تعقيداً تشمل رأس المال البشري وجودة التعليم وسوق العمل والهجرة الدولية والتغيرات المناخية، والقدرة على التكيف مع التحولات الاقتصادية العالمية.