إنّ أخلاق الإنسان تصلح وتسمو بمُعاشرة الكِرام ذوي الطِباع الحسنة، وتفسد بمُعاشرة اللِئام ذوي الطِباع السيّئة، وكم من خُلُق جميل أفسَدهُ مُقاربة أهل الدناءة والوضاعة، والعاقِل يختار بعناية ما يُحِيط به من الكِرام وأهل المكارِم، ويحتاط من سِوى ذلك.
وقتك هو عُمرك النفيس، وكل لحظة تعبرك هي جُزء من حياتك العزيزة، فلا تُبدِّد هذا الوقت الثمين هباءً، اعرف أين تصرفه، وكيف تستثمره، ومع مَن تقضيه، فكل تلك اللحظات تُشكّلك.
ويومًا ما، ستتوقّف وتلتفت إلى الوراء، وستشعر إما بالحسرة على ما فرّطت، أو بالغبطة بما قدّمت.
الأماكن مهما كانت شاهقة وباذخة تظلّ جمادات لا روح فيها، وتستمد قيمتها الحقيقية من نفوس أهلها وساكنيها، فإن كانت النفوس طيّبة رحبة كريمة بشوشة ازدادت جمالاً وبهاءً، وبعثت شعور المحبّة والمودّة والراحة، وإن كانت النفوس ضيّقة شحيحة تغدو الأماكن الفسيحة جدباء مقفرة.
أسوأ النفوس هي التي لا تشبع، ذات الجشع، لا تعرف معنى الاكتفاء والامتلاء، ولا تدرك حقيقة الغِنَى النفسي والمعنوي، في كل أمر تطلب المزيد، وتتجاوَز حدودها في تحصيل ما تريد، مثل هذه النفوس لا تتذوّق لذّة استقرار النفس، وراحة البال، وطمأنينة الروح، وسكينة الفؤاد.
البذرة الطيّبة، والمعدن الأصيل، والتنشئة الكريمة؛ تظهر في طيّات شخصيّة الإنسان، وتلمحها في تعامُلاته، وأخلاقه، وأقواله، وأفعاله، واستجاباته المختلفة مع ما حوله، وتتضح جلِيّاً في مواقفه، ففي المواقف تحديدًا تتمايَز معادِن البشر، وتعرف الرديء منها والنفيس حقًا.
أن تحمل نفسًا غنيّة، ترى أن الخير يتّسع للجميع، وأن النجاح يحتوي الجميع، وأن رزق الله واسع لا ينفد، نفسًا طيّبة ترى أن الكل يستحق أن يحظى بحياة هنيئة يحفّها السلام، نفسًا نقيّة لا تتمنّى السوء لأحد، ولا تسعى بالشَرّ لأحد، إن لم تنفع لا تضر، وإن لم تُعطِ لا تمنع.
قيمتك لا تكتسبها من ماديّات ومُمتلكات وقشور تحيط نفسك بها، ولا من أسماء وألقاب، قيمتك الحقيقية تتجَلّى في جَوْهرك الإنساني الصافي الذي تحمله في أعماقك، في أخلاقك وشمائلك، في قِيَمك السامية ومبادئك، في مدى أن تكون نافِعًا في هذه الحياة، وما سوى ذلك لا معنى له.
أن تتقَبّل وجهات النظر المختلفة دون أن تؤمن بها، أن تسمع الآراء المُتباينة بحثًا عن الراجِح منها، أن تكون مَرِنًا مع الاختلاف دون فقدان الاحترام، أن تمتلك القُدرة على بناء أراضي مشتركة رغمًا عن كل شيء، أن تكون الحكمة ضالتك في كل أمر؛ ذلك هو النُضج.
عندما يبلغ الإنسان مرحلة راقية من النُضج والعقل؛ ستجدهُ أكثر مَيْلاً نحو الهدوء والأناة، يتلمّس سُبُل الحكمة بالتفكُّر والتدبُّر قبل اتّخاذ الأفعال والأقوال، يسعى إلى البناء لا الهدم، وتقريب وجهات النظر لا الاختلاف، والارتقاء نحو المعالي لا النزول إلى الدنايا.
لو يدرك الإنسان أن كل ما يصدر منه من خير أو شَرّ، أو نَفع أو أذى؛ يعود إليه بشكل أو بآخر، طال الزمن أو قصر، لأجل ذلك يحرص العاقل الحصيف أن يكون مُنصِفًا في أقواله وأفعاله، وأن لا يصدر منه -قَدر استطاعته- إلا الخير، مُستحضرًا سُنّة هذه الحياة في استرداد ديونها.
الرُحماء في هذه الحياة؛ يعزّ عليهم أن يكونوا سببًا في حُزن أو ألَم، تجدهم يستحضرون أقصى درجات المُراعاة والرأفَة في تعاملهم مع غيرهم، يُخفّفون ولا يُثقِلون، يجبرون ولا يكسرون، يُواسُون ولا يُرهِقون، وبقَدر رحمتهم الصادقة يرحمهم الرحمن ويُجازِيهم.
منَحَ اللهُ الإنسانَ العاقل القدرة على الاختيار، وبناءً عليها يُجازَى، عندما تُخَيّر بين العطاء والمنع؛ فاختر العطاء، وعندما تُخَيّر بين البناء والهدم؛ فاختر البناء، وعندما تقف في مُفترق طُرق؛ فاختر أفضلها في النتائج، وعندما تحتار بين أمرين؛ فاختر أطيبهما أثرًا.
هناك نوعٌ أصيل من السعادة يتجَلّى في العطاء والإحسان والبناء؛ في أن تروي نبتةً عطشاء، أو تزرع بذورًا في أرض جرداء، أو ترسم ابتسامة على وَجه حزين، أو تُحيِي الأمل في نفس بائسة، هذه السعادة لا يعرف معناها إلا النفوس الكريمة حقًا، وهي الدافِع خلف عطائهم الصادق.
لو يعلم الإنسان، أن ليس كل ما يتمنّاه سيكون سببًا لسعادته، فبواطِن الأمور قد تختلف كثيرًا عن ظواهرها، وقد يسعى خلف طريق يراه لامِعًا من بعيد، حتى يكلّ من السير ويكتشف بأنّهُ يمضي خلف سراب، وإنّ سؤال الله (الخيرة) في كل أمر؛ يقي من شتات المسير والمصير.
التوفيق هِبَة عظيمة، عندما يمنحها الله للإنسان؛ يجد أنّ الأمور العسيرة تصبح يسيرة بين يديه، وأن الأبواب تُفتَح له، والأسباب تُسَخَّر له، وهو حليفٌ للقلوب النقيّة، والنوايا البيضاء، وقد يكون نتيجة عمل طيّب صادِق عمله الإنسان ولم يطلب منه جزاء إلّا من رب السماء.
العاقل خصيم نفسه، لا يتركها تميل مع الأهواء، بل يملك زمامها ويُحكِم قيادتها، ويُقبِل عليها مهذّبًا، وناقدًا، ومعلّمًا، وموجّهًا نحو الخير، ومغيّرًا نحو الأفضل، لا يعيش دَوْر الضحية، ولا يُلقي اللَوْم على الآخرين أو ما يُحيط به، بل يدرك أن القوّة تبدأ من داخله.
المواقف هي العنصر الكاشف لشخصيات البشر، والتجارب خير بُرهان، وكم صدَق الشاعر القائل:
"لا تمدحنّ امرءًا حتى تجرّبهُ
ولا تذمّنهُ من غير تجريبِ"
فلا المظهر يدلّ على المخبر، ولا أقوال الآخرين تُنبئ عن شخصٍ ما، إنما التجربة، والتعامل القريب، والمواقف الحقيقية؛ هي الفيصل.
أقيسُ رجاحة عقل الإنسان عندما أرى فيه القُدرة على التمييز بين ما يستحقّ وما لا يستحقّ، عندما أراه يتعالى على الأمور التافهة، وينأى بنفسه عن المعارك الجوفاء والنزالات العابرة، عندما يدرك قول الشاعر:
"بعض المعارك في خسرانها شرفٌ
مَن عاد مُنتصرًا من مثلها انهَزما"
طلاقة المُحيّا، وبِشر الاستقبال، وبشاشة الروح والمبسم، ولُطف التعامُل، وحلاوة الكلمة، ويُسر النفس، ولِين الجانِب؛ تزيد الشخص قبولاً وجمالاً، وتزرع لهُ مودّةً في القلوب، ومحبّةً في الدروب، وهي من محاسِن الأخلاق التي ترتقي بالإنسان في الأرض والسماء.