أحبُّ شعور الإنجاز واللّذة التي تصاحبه رغم ما يسبقها من ألم، أحبُّ صفاء تلك اللحظة ورحابتها حينما تمحو نشوة الوصول أمارات التّعب، وأحبُّ المواساة في حفظ السّعي، وأنّا وإن ما قُدِر لنا البلوغ، لنا ربٌّ شكور لا يضيع سعي ساع ويأجره على النّية فضلًا عن المشقّة والنّصب.
الحمدلله على التمام والكمال وعسى أن يكون العيد دومًا باعثًا للفرح والانشراح وسببًا للألفة والاتّساع، وأن يدنو فيه البعد بجسور الوصال ويجبر به الهجر بفيض الوداد، وأن يبقى مثالًا للّحمة وتوكيدًا للمودة ونأيًا للفرقة، وأن تجد الكلمة وقعها وتلمس الابتسامة امتدادها وتبلغ المحبة مداها.
لطالما عولت على اللحظات الدافئة والكلمات التي ما فتئت أتفيأ ظلالها، على الجبر البازغ من عمق الكسر واللين المنبلج في جب القسوة، على الوفرة الهاطلة في خضم الشح والكرم الذي يلف اللفتات، على يد الحنان الممتدة فوق أطنان التعب ووهج المحبة المنعكس من صفاء الأفئدة، ولا زلت كذلك ولم أكف.
الحمد لله على نعمة الاستيقاظ كل يوم بمعرفة تامة للوجهة وخارطة واضحة للطريق، الحمد لله على أمل لا يخبو وإن خبا لا يموت وإن مات عاد للحياة بقوة أكبر من قبل، الحمد لله على عزم لا ينثني وهمة لا تنطفئ وقلب يحاول جاهدًا البلوغ ويوقن أنّ الله للساعين خير معين.
تكبر لتعلم أن التّوازن مطلب وليس رفاهية، وأن عمرًا من الرّكض تؤزره لحظات السكينة والدّعة، وأن طول الدرب يُطوى بالتقاط النفس، والانحياز لأحد النقيضين مهلكة للنفس قبل الجسد، وألا فرق بين من يقضي عمره في اللهث وبين من يبدده بالخمول والكسل؛ كلاهما في فاقة لتوازن يحول بينه وبين التلف.
أستشفّ المودة في النّبرة، المس الحفاوة في الكلمة، أرقب الطمأنينة في النظرة،أستمدّ الرحابة من البسمة، أستشعر التلطّف في الإيماءة، وأستدل الرِقة من الأسلوب، حتى إذا ما استحالت النّبرة جفاء والكلمة إقصاء والنظرة ريبة والبسمة انحسار والإيماءة مقت والأسلوب عتوّ انكفىء على نفسي وأغادر.
أتعرّف الطريق من ألفته، أرقب الألفة في اتّساعها، أتبيّن القبول من رحابته، ألمس المودّة في انهمارها، آلف الوصال من حنيّته، أستشعر البهجة من حفاوتها، أتحسس اليقين في توهجه، وأستدلّ الطّمأنينة من لفتات الرّضا على صَفْحات الأحبّة.
تبقى البساطة في الإنسان وسهولة امتداد البشاشة لروحه مدعاة للتفكّر وإدامة النظر، ويظل اِنتعاشه مع أدنى نسمة هواء وسريان الدّعة لقلبه دافعًا للبهجة ومتكأ للانشراح، أما اِلتماسه لأدنى تفصيل واستشعاره لدقيق النّعم فكفى به باعثًا على الامتنان وموجبًا لرعاية المنّن.
وادعو الله أن يجعلك من عباده الرّاحمين الذين حفّهم بفضله وشملهم برحمته، أن يجعل لمسة التّحنان والرأفة تغشى أفعالك وتنساب في سكونك قبل حركتك، أن يجعلك ممّن ربت على الكتف وأصلح الصّدع ونمّا اللّين متعطفًا بأمته، وأن يجعلك ممّن رحم ورقّ وتحنن رجاء أن تدركه رحمة الرّحمن ولطفه ومنّته.
لم يزل لطف اللّطيف يحفّني ويحيط بي، هو الذي ما غاب لطفه عني طرفة عين وما عبرت إلّا برحمته، ما دنا يأس إلّا لانبثاق أمل وما استبدّت حلكة إلّا لترائي النّور، ما تعثّرت قدم إلّا هُيأت أسباب النّهوض وما انفتق جرح إلّا أدركه جبر الجبّار، وما نزلت نازلة إلّا أورثت جلدًا وأخلَفت خيرًا.
وسل الله أن يرزقك حسن التوكل عليه وصدق اليقين به، أن يجعلك ممن فوض أمره إليه وألجأ ظهره إليه فسكنت نفسه وتلاشت مخاوفه، أن يجعلك ممن التمس لطفه وتيقن بمعيته فاطمأن قلبه واستقرت جوارحه، وأن يجعلك ممن توكل وتيقن وصدق فكفي وأعين وهدي.