السنوار وفوكو ودريدا وليوتار
بعد عامين من الإبادة لأهل فلسطين في غزة، لا بد من النظر إلى ما جرى ضمن إطار السرديات الفكرية الكبرى. هذا البوست لا يقدّم تمجيدًا للسنوار كما سيحاول صهاينة الغرب وتبعهم من صهاينة العرب تصويره، بل هو دعوة إلى التفكير الجاد، موجّه لمن لا تُقاس ثقافته بشهادات مزوّرة أو بتكرار صورته على الشاشات بقوة الدولة.
السؤال هو: هل هناك علاقة بين المقاومة وما بعد الحداثة، أو بين ما فعلته بنا السوشيال ميديا والعالم الجديد للمعنى؟
لفهم ما بعد الحداثة بشكل مبسّط، لا بد من استحضار ما قبلها. في العالم قبل الحداثة، كانت الإمبراطوريات الكبرى هي القوة المهيمنة على الجغرافيا والتاريخ، وبالتالي على إنتاج الأفكار والفنون. ثم جاءت الحداثة مع الدولة الوطنية والصناعة بعد معاهدة ويستفاليا. الحداثة هي ما يسمّيه جان فرانسوا ليوتار «السردية الكبرى»؛ قصة مهيمنة تقدّم نفسها كالحقيقة الوحيدة، سواء كانت دينية أو وطنية، وتفترض وجود إنسان عارف يمتلك معرفة مستقرة وواضحة.
ما بعد الحداثة جاءت لتقول إن الإنسان العارف وهم، وإن المعرفة مرتبطة دائمًا ببُنى السلطة التي تحدد ما يُعتبر منطقيًا وطبيعيًا. ميشيل فوكو أوضح أن الخط الفاصل بين العقل والجنون ليس حقيقة طبيعية، بل يُفرض من خلال السلطة التي «تنتج الحقيقة» عبر مؤسساتها. جاك دريدا كشف هشاشة اللغة نفسها، مبينًا أن المعنى غير مستقر، وأن كل نص يحمل إمكانية تفكيكه في داخله، وأن ما يبدو طبيعيًا ليس سوى نتيجة «تطبيع» اجتماعي وسياسي.
من هنا يمكن فهم السنوار باعتباره من فجّر هذا التطبيع. قال إن الاحتلال ليس طبيعيًا، وإن الحرية هي الأصل، وإن ما عداها شذوذ يُفرض بقوة السلاح والدولة الحديثة وأدواتها التلفزيونية. صورته على كرسي، يده تنزف وجسده مثخّن، في مواجهة أحدث طائرات الدرون، تحمل بحد ذاتها تفكيكًا للسردية المهيمنة التي تريد اختزال القوة في التكنولوجيا وحدها. فالقوة في جوهرها مرتبطة بفكرة العدل والحضارة كما عرفتها البشرية: ريشة ماعت عند الفراعنة، وثيمس عند اليونان، وجاستيتا عند الرومان.
المقاومة الفلسطينية المحلية يمكن قراءتها كفعل ما بعد حداثي يهدم «السردية الإمبراطورية» التي ترعاها القوة العظمى الوحيدة. هذه القوة تتزيّن بتاريخ إمبراطوري قديم، وتتحرك بلغة الحداثة في صناعة الحديد والتقنيات، لكنها أيضًا تعتمد ما بعد الحداثة في السيطرة الرقمية والرقائقية كما في وادي السيليكون. كل ذلك في خدمة سردية الدولة الوطنية ودولة الاحتلال في الإقليم.
السنوار، في لحظة واحدة، خلط فوكو ودريدا وليوتار معًا. لحظة تحمل احتقارًا هادئًا للهيمنة، تقلب ظهرها للعالم وتواجهه بالعصا قبل الدرون، وتقول إن الحقيقة ليست ما تقوله القوة، بل ما يعيشه الناس ويدافعون عنه.
الدول أنفقت مليارات على ضبط اللغة وتفسير الواقع عبر الإعلام والسوشيال ميديا. لكن المعرفة التي تتشكل من التجربة اليومية للناس تظل قادرة على الانفجار، وعلى قلب الطاولة، وعلى تفكيك خطاب القوة من جذوره.
صحيح أن الحداثة ليست المودرنزم، وأن ما بعد الحداثة ليست «بوست» على منصة إكس، لكن ما يحدث في فلسطين اليوم يجبر كل النظريات على إعادة التفكير في نفسها.
من يريد فهم ما سبق يحتاج إلى قراءة التاريخ والفلسفة، لا إلى شعوذات أنصاف المتعلمين التي تبرر الواقع. لأن الحقيقة، كما يعرفها المقاوم، لا تولد من فوهات المراكز البحثية أو شاشات التلفاز أو من صواريخ وقنابل تسقط من طائرات F35. الحقيقة تولد من جرح مفتوح يرفض التطبيع مع الظلم.