ما أشد الحاجة في هذا الزمان الذي تعالم فيه الجهلة ، ونطقت فيه الرويبضات ، وكثر المجاهيل المتكلمون في شؤون الأمة كبارها وصغارها إلى أخذ العلم عمَّن عرفوا بالعلم النافع الذي عليه نور الكتاب والسنة وفهم السلف والإعراض عن غيرهم .
قال الإمام ابن سيرين رحمه الله: "إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم"؛ (أخرجه مسلم في ((مقدمة الصحيح)) (1 /16)، والدارمي (424)
وإذا كان هذا في زمنه فكيف في زمننا هذا والله المستعان.
القلب أعظم الثغور والمدخل إليه من الأذن والعين ، فاحم ثغرك حماية الجندي الأمين ، وكن على يقين أن مايصل إلى الأذن سيؤثر في القلب ولو بعد حين ، فاختر ما تسمع وما تقرأ لعلك أن تكون من المفلحين
معنى حديث"استفت قلبك ولو أفتاك الناس "
يخطئ كثير من الناس في فهم هذا الحديث ، حيث يجعلونه مطية لهم في الحكم بالتحليل أو التحريم على وفق ما تمليه عليهم أهواؤهم ورغباتهم ، فيرتكبون ما يرتكبون من المحرمات ويقولون : (استفت قلبك) !! مع أن الحديث لا يمكن أن يراد به ذلك ، وإنما المراد من الحديث أن المؤمن صاحب القلب السليم قد يستفتي أحداً في شيء فيفتيه بأنه حلال ، ولكن يقع في نفس المؤمن حرج من فعله ، فهنا عليه أن يتركه عملاً بما دله عليه قلبه .
قال ابن القيم رحمه الله :
"لا يجوز العمل بمجرد فتوى المفتي إذا لم تطمئن نفسه ، وحاك في صدره من قبوله ، وتردد فيها ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : (استفت نفسك وإن أفتاك الناس وأفتوك) .
فيجب عليه أن يستفتي نفسه أولا ، ولا تخلصه فتوى المفتي من الله إذا كان يعلم أن الأمر في الباطن بخلاف ما أفتاه ، كما لا ينفعه قضاء القاضي له بذلك ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : (من قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه ، فإنما أقطع له قطعة من نار) .
والمفتي والقاضي في هذا سواء ، ولا يظن المستفتي أن مجرد فتوى الفقيه تبيح له ما سأل عنه إذا كان يعلم أن الأمر بخلافه في الباطن ، سواء تردد أو حاك في صدره ، لعلمه بالحال في الباطن ، أو لشكه فيه ، أو لجهله به ، أو لعلمه جهل المفتي ، أو محاباته في فتواه ، أو عدم تقيده بالكتاب والسنة ، أو لأنه معروف بالفتوى بالحيل والرخص المخالفة للسنة ، وغير ذلك من الأسباب المانعة من الثقة بفتواه ، وسكون النفس إليها" انتهى .
"إعلام الموقعين" (4/254) .
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
"أي : حتى وإن أفتاك مفتٍ بأن هذا جائز ، ولكن نفسك لم تطمئن ولم تنشرح إليه فدعه ، فإن هذا من الخير والبر ، إلا إذا علمت في نفسك مرضا من الوسواس والشك والتردد فلا تلتفت لهذا ، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما يخاطب الناس أو يتكلم على الوجه الذي ليس في قلب صاحبه مرض" انتهى .
"شرح رياض الصالحين" (2/284) .
فالذي يستفتي قلبه ويعمل بما أفتاه به هو صاحب القلب السليم ، لا القلب المريض ، فإن صاحب القلب المريض لو استفتى قلبه عن الموبقات والكبائر لأفتاه أنها حلال لا شبهة فيها !
وفي هذا قال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله :
"(الإثم ما حاك في نفسك) أي : تردد وصرت منه في قلق (وكرهت أن يطلع عليه الناس) لأنه محل ذم وعيب ، فتجدك متردداً فيه وتكره أن يطلع عليك الناس .
وهذه الجملة إنما هي لمن كان قلبه صافياً سليماً ، فهذا هو الذي يحوك في نفسه ما كان إثماً ، ويكره أن يطلع عليه الناس .
أما المُتَمَرِّدون الخارجون عن طاعة الله الذين قست قلوبهم فهؤلاء لا يبالون ، بل ربما يتبجحون بفعل المنكر والإثم ، فالكلام هنا ليس عاماً لكل أحد ، بل هو خاص لمن كان قلبه سليماً طاهراً نقياً ، فإنه إذا هَمَّ بإثم وإن لم يعلم أنه إثم من قبل الشرع تجده متردداً يكره أن يطلع الناس عليه ، فهذا علامة على الإثم في قلب المؤمن" انتهى .
"شرح الأربعين النووية" (صـ 294 ، 295) .
شبهة:
أن أحاديث السمع والطاعة لا تنطبق إلا على الحاكم الذي يطبق الشرع!
رد الشبهه
هذه شبهة باطلة؛ فإن نصوص السمع والطاعة لم تجعل هذا الحكم مشروطًا بأن يكون الحاكم كاملَ الاستقامة أو مطبقًا للشرع في جميع شؤون الحكم، وإنما جاءت النصوص بالأمر بالسمع والطاعة في المعروف، مع النهي عن الخروج ونزع اليد من الطاعة لما يترتب على ذلك من الفتن وسفك الدماء واختلال الأمن.
قال النبي ﷺ:
«على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» متفق عليه.
وقال ﷺ:
«إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان» متفق عليه.
فدلَّ ذلك على أن المعصية لا تُسقط أصل السمع والطاعة، وإنما لا طاعة في نفس المعصية، وأما الخروج على الحاكم فلا يكون لمجرد الظلم أو الفسق أو التقصير في تطبيق بعض الأحكام، وإنما عند تحقق الكفر البواح، ووجود البرهان الشرعي عليه، مع القدرة المعتبرة وما يترتب على ذلك من المصالح والمفاسد.
وهذا من المسائل التي قررها أهل السنة في باب الإمامة، خلافًا لمن يجعل السمع والطاعة تابعين لموافقة الحاكم له في كل ما يراه من تطبيق الشرع؛ إذ لو كان الأمر كذلك لما كان للنصوص الواردة في السمع والطاعة مع وجود الجور والظلم والفسق معنى
رد على شبهة
الشبهة:
هناك شبهة يرددها بعض من يسلك نهج التجميع والتكتيل على حساب العقيدة والمنهج، فيقول:
يجب السكوت عن إنكار الكفر والشرك إذا كان التحذير منه يؤدي إلى الفرقة والخلاف بين المسلمين!!
ويستدل لذلك بقول موسى لأخيه هارون - عليهما السلام- كما في سورة (طه): {قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ ۖ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي .
قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي ۖ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي }.
فيزعم صاحب الشبهة بأن نبي الله هارون اعتذر لأخيه موسى عليهما السلام عن عدم إنكاره للشرك الذي وقع فيه قومه في غياب موسى عليه السلام بأنه لو فعل وأنكر عليهم لتفرق بنو إسرائيل، وكان ذلك سببا في تفريقهم، واستنبط من ذلك وجوب السكوت عن كل ما يؤدي إنكاره إلى تفريق كلمة المسلمين سواء كان مما يتعلق بالبدع أوالمعاصي وحتى الكفر والشرك حفاظا على الاجتماع والجماعة!!!
الرد على هذه الشبهة
هذه الشبهة مبناها على فهم الآية خارج سياقها، والخلط بين حفظ الجماعة الشرعية وبين ترك إنكار الشرك. والجواب عليها من وجوه:
١-هارون عليه السلام لم يسكت عن الشرك، بل أنكر على بني إسرائيل عبادة العجل، فقال لهم كما حكى الله عنه:
{يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَٰنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي} [طه: 90].
فكيف يقال إنه ترك الإنكار خوفًا من الفرقة؟ بل الآية نفسها تثبت أنه دعاهم إلى ترك العجل واتباعه.
٢-قوله تعالى: {إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} ليس اعتذارًا عن ترك أصل الإنكار، وإنما بيانٌ لسبب عدم استعمال القوة في حملهم على ترك العجل، بعد أن حاول دعوتهم وإنكار المنكر. وقد قال ابن عباس في تفسيرها: إن هارون خشي أن يلحقه موسى فيقول له: لم ترقب قولي، أي: لم تحافظ على وصيتي فيهم.
٣-الفرق عظيم بين الإنكار والدعوة إلى الحق، وبين استعمال وسيلة تؤدي إلى مفسدة أعظم.
هارون عليه السلام لم يقرّ الشرك، ولم يسايرهم عليه، ولم يقل: نسكت عن العجل حتى لا تتفرق الكلمة؛ بل أنكر ودعا وبيّن الحق، وإنما ترك ما خشي أن يؤدي إلى اقتتال وانقسام أعظم، انتظارًا لقدوم موسى عليه السلام.
٤-ثم إن الله تعالى ذكر موقف هارون في موضع آخر فقال:
{وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَٰنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ} [طه: 90-91].
وهذا نص صريح في إبطال دعوى أنه سكت عن الشرك.
٥-وأما جعل «الاجتماع» ذريعةً لترك بيان التوحيد والتحذير من الشرك والبدع، فهذه مغالطة؛ لأن الاجتماع المعتبر شرعًا هو الاجتماع على الحق، لا الاجتماع على حساب الحق. قال تعالى:
{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103].
فالآية جمعت بين الاعتصام بالحق والنهي عن التفرق، ولم تجعل النهي عن التفرق موجبًا للسكوت عن الباطل.
بل لو صح هذا الاستدلال على إطلاقه للزم منه أن كل منكر يُترك إذا ترتب على إنكاره خلاف، وهذا يصادم نصوصًا كثيرة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويجعل مجرد «الخوف من الفرقة» حاكمًا على نصوص التوحيد والسنة.
إذن
قصة هارون عليه السلام حجة عليهم لا لهم؛ فإنه أنكر الشرك، وحذّر قومه، ودعاهم إلى اتباع الحق، وإنما امتنع من الإقدام على ما قد يفضي إلى اقتتال وانقسام أشد، مراعاةً للمصلحة الشرعية وانتظارًا لموسى عليه السلام. فليس في الآية بحالٍ دليل على السكوت عن الكفر والشرك أو البدع بحجة «جمع الكلمة».
والعبارة الجامعة: ليس كل افتراق مذمومًا، ولا كل اجتماع محمودًا؛ فالاجتماع المحمود هو الاجتماع على الكتاب والسنة، والافتراق المذموم هو الافتراق عن الحق
1️⃣ #المكتبة_الشاملة أصبحت أقرب إليك من أي وقت مضى!
✍️ الآن يمكنك الوصول إلى كنوز المكتبة الشاملة مباشرة من داخل #ChatGPT و #Claude عبر تقنية #MCP.
🔎 اسأل بالعربية، ودع الذكاء الاصطناعي يبحث لك في 8,598 كتابًا لأكثر من 3,190 مؤلفًا.
🛠️ 34 أداة بحث متقدمة، تشمل البحث بالنص والجذر وتصفح الصفحات.
🧾 والأهم: نتائج موثقة مع اسم الكتاب والجزء والصفحة.
⚖️ وكل ذلك مجانًا.
الشاملة لم تعد مكتبة تبحث فيها، بل مكتبة تحاورها.
https://t.co/rtaaL0Wayz
والله ما أطلق رجل بصره في النِّساء إلا ضَعُف دينه ويسبِّب ضيق القلب والهمّ في القلب والحسرة❗️
⬅️ كما أن غضَّ البصر يسبب ذوق حلاوة الإيمان
🎙فضيلة الشيخ #سليمان_الرحيلي حفظه الله