ما كنتُ أهوى أن أعيشَ مُعلَّقًـا
بين الرجاءِ وبين قلبٍ يُقفِـلُ
فإذا رحلتُ فليس ذاكَ تكبُّـرًا
لكنَّ نفسَ الحرِّ تأبى وتَرحَـلُ
ويظلُّ قدري في العيونِ مصانَـةً
فالدرُّ يعرفُ قدرَهُ مَن يعقِـل
ما قيمةُ القربِ الذي لا روحَ فيه
وما نفعُ قلبٍ بالغيابِ مُثقَّلُ
إنَّ الكرامةَ أن تُغادرَ صامتًا
فبعضُ الرحيلِ من الكلامِ أجملُ
رأيتُ فيكِ ملامحًا فتوَهّمتُ الـمَدى
وظننتُ أنَّ الدربَ قد أفضى إلى وطنِ
وملتُ نحوكِ صادقَ النبضاتِ مُجتهدًا
أبني من الظنِّ الجميلِ حدائقَ السَّكنِ
لكنّني لمحتُ في الآفاقِ مُرتبكًا
صمتًا يُباعدُ ما بنيناهُ من زَمَنِ
فأدركتُ أنَّ القلبَ إن غابتْ بوصـلتُهُ
أضحى يُعاني التيهَ بين الشكِّ والوَهَنِ
لا أطلبُ الوصلَ إن لم يأتِ عن رغَبٍ
فالحبُّ لا يُؤخذُ استجداءً ولا مِحَنِ
يكفينيَ الصدقُ؛ إن ضاعتْ مساراتُنا
فالصدقُ أجملُ ما يُهدى من الفِطَنِ
سأحملُ الودَّ في قلبي وإن رحلتْ
بعضُ الخطى، وأصونُ العهدَ في المحنِ
فما خسرتُ إذا أبقيتُ مُبتسمًا
نبلَ المشاعرِ، والإخلاصَ للوطنِ
إمّا أكونُ معكِ عزًّا بلا ثَمَنٍ
أو لا أكونُ، فهذا دأبُ ذي الشَّجَنِ
رأيتُ وجهًا إذا ما الضوءُ لامسَهُ
تلاشى الوصفُ… شيءٌ ليسَ يُدرَكُ
وشَعرُها بينَ ليلٍ كان يسكنُهُ
أعارَ للفجرِ لونًا لا يُدرَكُ
تمشي، فيحسبُ من في الدربِ أنّ بها
قربًا… ولكنّ معناها لا يُدرَكُ
لكنّ حُسنًا كهذا حين يُهدرُهُ
اختيارٌ رخيصٌ… لا يُدرَكُ
يُعطى لِمَن لا يرى الفرقَ الذي بَدَتْ
فيه الملامحُ… بل ذوقٌ لا يُدرَكُ
كم من بريقٍ إذا ما صارَ في يدِهِ
خابَ البريقُ… وصارَ الشيءُ لا يُدرَكُ
وأنا إذا ما تركتُ الشيءَ عن عِلْمٍ
فما الذي فاتَ مثلي قد يُدرِكُ؟
أمضي، ولا ألتفتُ نحو الذي عبروا
فالشيءُ إن فاتَني عمدًا… لا يُدرَكُ
أنا الذي لا يرى في الفقدِ منقصةً
بل يعرفُ الفرقَ… من يسمو ومن يُدرِكُ
ومن تأخّر عن قدري فلا عجبٌ
فليس مثلي لمن في دونِهِ يُدرَكُ
تمرُّ الأشياءُ بي
كما تمرُّ الأسماءُ على ذاكرةٍ
لم تعد تحفظُ إلّا ما يليقُ بها
وما كان يومًا احتمالًا
أصبح الآن
تفصيلًا صغيرًا في حاشيةِ معنى
لا لأنّه تغيّر
بل لأنّ مقياسَ النظر
"لم يعد كما كان"
في داخلي
ميزانٌ لا يختلّ،
كلّ ما لا يستقرُّ عليه
يسقط… دون ضجيج
لا أرفضُ شيئًا،
لكنّني
لا أحتفظُ إلّا بما
لا يحتاجُ إلى تفسير
وما يعودُ متأخرًا
لا يُقابَل،
بل يُفهَم…
ثم يُترك حيث تأخّر
كنتُ أرى القربَ قيمةً،
ثم أدركتُ
أنّ بعضَ المسافات
أصدقُ من حضورٍ ناقص
لا أبحثُ عمّا يفلتُ،
فالذي يليقُ
لا يُخطئُ طريقهُ مرّتين
أمّا الآن…
فالأشياءُ لا تقتربُ منّي،
بل تتّخذُ مواضعها
كما لو أنّها
كانت تعرفُ مكانها منذ البدء .
أأحببتُها أم أحببتُ ما وهَبَتْ
من السكينةِ حتى الروحُ تضطربُ
كانت إذا مرَّ طيفُ الحُبِّ في دمي
أحسستُ قلبي من الأشواقِ يقتربُ
فظننتُها وطني، والحبُّ أجنحةٌ
لكنّ بعضَ الهوى في أصلِه هَرَبُ
نحنُ نميلُ لمن يُحيي هشاشتَنا
لا مَن نحبُّ، بل الإحساسُ والسببُ
وهل نحبُّ ذواتِ الناسِ حقًّا، أمِ
نحبُّ فيهم شعورًا فينا ينتسبُ
فإن خبا دفءُ عينيها وأرهقها
ليلُ الأسى، هل يدومُ الوصلُ والحُبُ؟
فكلُّ قلبٍ يُحبُّ الزهرَ مُزدهرًا
لكنّ أوفى المحبّينَ مَن صَحِبوا
غصنَ الشتاءِ، وقد عرّتْهُ عاصفةٌ
وظلَّ رغمَ الأسى بالودِّ يَحتسبُ
فالحبُّ ليس اشتعالَ الروحِ مبتهجًا
بل أن ترى النقصَ، ثم القلبُ يَقتربُ
أن تُحبَّ شخصًا إذا ما خفَّ بريقُهُ
ويبقى فيكَ، رغمَ الخذلانِ، يَحتسبُ
الحبُّ أن تبصرَ الإنسانَ مُنكسرًا
وتستمرَّ، كأنّ الروحَ لا تهربُ
توهمتُ في عينيكِ معنى الوفاقْ
وأنكِ أرضي إذا ضاقَ خافقي وضاقْ
حسبتُكِ حدًّا أخيرًا لتيهي
وأنكِ حين ألوذُ… تكونينَ عِناقْ
فألقيتُ خلفي رفاقَ الطريقِ
كأنكِ وحدكِ سرُّ السباقْ
ومنحتُكِ القلبَ دون احترازٍ
كأنكِ عهدٌ يُصانُ باتفاقْ
ولكن سؤالًا شقَّ السكونَ:
أَيَخونُ وطنٌ إذا اشتدَّ العناقْ؟
أَيُقصي الذين احتموا بظلالِه
ويتركهم في مهبِّ الفِراقْ؟
أَيَصنعُ عذرًا ليرحلَ سهوًا
ويُلبِسُ صدقَ المحبِّ النفاقْ؟
فإن كان يخونُ من كان فيه
فليسَ بوطنٍ… ولكن سياقْ
وإن كان يهوى تبديلَ أهليه
فذاكَ سرابٌ يبيعُ اشتياقْ
أنا لا أندمُ أني انتميتُ
فالصدقُ شيمي… وشيمُ الأعراقْ
ولكنني أستعيدُ اعتباري
وأرفعُ نفسي عن كلِّ ضاقْ
فصرتُ أنا موطني والثباتَ
وأغلقتُ دوني دروبَ المَحاقْ
ومن لم يثبتْ في ريحِ الشدائدِ
فليسَ له في فؤادي استحقاقْ
سأمضي كما الجبلُ الشامخُ الحرُّ
لا ينحني، لا يلينُ اختناقْ
فإن خنتِ عهدًا حسبتُكِ فيهِ
وطنًا… فقد سقطَ الادّعاءُ وراقْ.
لستِ أهلًا للهوى… فتراجعي
فالطهرُ لا يرضى القلوبَ الدُّنَّسَا
ما عدتُ أذكُرُكِ افتقادًا أو أسىً
الجرحُ يُشفى حين يُدركُ من أسَا
ظننتُكِ معنى العزِّ في أيّامِنا
فإذا المعاني في حضوركِ أتعسَا
كنتِ السرابَ، وحين لاحَ بريقُهُ
ركضَ الظنونُ… وكان وهمًا أخرسَا
ما خفتُ فقدَكِ، بل خجلتُ من الهوى
أن يستبيحَ لمثلكِ النفسَ الأبيَّةَ أن تُداسَا
إنّي إذا قطعتُ حبلاً بيننا
جعلتُهُ حكمًا نهائيًّا مؤسَّسَا
لا ألتقي مَن خانَ قدري مرّةً
فالعزُّ لا يقبلُ التكرارَ مُلتبسَا
كنتِ احتمالًا عابرًا في رحلتي
وسقطتِ… حين عرفتُ قدري أقدسَا
اليومَ لا ذكرى تُحرّك ساكني
ولا بقايا في الفؤادِ تُدندِسَا
أنا من إذا أعطى أعزَّ وأكرمَا
وإذا استعادَ كرامتَهُ… لا يُرجِعُ ما احتبَسَا
فامضي… فبابي لا يُطرقُ بعدَها
ومن خرجتُ من قلبهِ… ما عادَ مُلتمسَا
َتَظُنِّهِ هَيِّنًا أُراقِبُ ضَوءَ بَيْتِكِ من عُلُوِّ غيابِكِ؟
وأُحصي الحُلْمَ إن صَدَقَتْ خُطاهُ
أو خانتْهُ أكاذيبكِ ..
وأكتبُ ما جرى وما لم يَجْرِ،
وأُرهِقُ فكري بما لم يَعُدْ لي
وأنا الذي اخترتُ بيديَّ بُعدَكِ
خُنتني كلَّ ليلٍ،
أَتَقَطَّعُ كما تقطَّعَ حبلُ الوصلِ بيني وبينَكِ
أُوَدِّعُكِ في المنامِ
وأكرهُ الصحوَ
كأنكِ حُلمٌ أخافُ أن يَنفَدَ عمري قبل أن أُكْمِلَكِ
فَلِمَ أراكِ في أحلامي؟
ولِمَ يَثْقُلُ الحزنُ في صدري إذا ذُكِرَ اسمُكِ؟
وأنا أعلمُ…
أنكِ لستِ كما تمنَّيتُكِ
لكنَّ القلبَ لا يفهمُ ما يفهمُهُ عقلي عنكِ
َتَظُنُّ أني حينَ ابتعدتُ شُفِيتُ؟
أم أنَّ البُعدَ كانَ جرحًا آخرَ أوسعَ منكِ
أسمعُ عنكِ صدفةً ، فَيخونني ثباتي وأحزن…
ليس شوقًا لكِ ، بل حسرةً على قلبي
كيف صَدَّقكِ ؟
أراكِ في الحلمِ
ولا أمدُّ يدي
أخافُ أن ألمسكِ
فأستيقظَ يا ليتني لمُستكِ
فلماذا ما زلتِ تسكنين نومي
وأنا الذي أقفلتُ الأبوابَ كلَّها؟
ولِمَ ما زالَ قلبي ينهزمُ
كلما حاولَ أن ينتصرَ عليكِ .
ُفتِّشُ الخطأَ المقيمَ كأنَّهُ
حقٌّ يُبرِّرُ بُعدَهُ ويُباحُ
إن لم أزلْ في زلّةٍ ضاقَ الهوى
وتصدّعتْ من صبرِهِ الأرواحُ
يرجو سقوطي لا لذنبٍ أرتكبهُ
لكنْ ليصنعَ في الفراقِ سلاحُ
فإذا استقمتُ استوحشَتْ نوايـاهُ
وكأنّ صدقي في الطريقِ جِراحُ
ما كنتُ إلا صادقًا في قربِهِ
لكنّ سوء الظنِّ كانَ المُتاحُ
يا قهرَ من يُحسِنُ الظنَّ الذي
في قلبِه للإقصاءِ ألفُ جِناحُ
هي الآنَ حُرّةُ خُطوِها وقرارِها
تَمضي لمن فَضَّلتْ… ولا استيضاحُ
آثرتْ سِواهُ، وكان قلبي شاهدًا
أنّي على كفِّ الهوى أُذبَحُ
لم تكتفِ بالبعدِ اختيارًا صامتًا
بل راودَتْها في إزاحتي الأرواحُ
تُقصيني لا لجرمٍ قد جنيتُهُ
لكن ليخلو للدخولِ مِصباحُ
فكأنّ ذنبي أنّني لم أكن الذي
مالتْ لهُ الأهواءُ والأقداحُ
ما خانني الفعلُ القويمُ ولكنْ
خانتْ نواياها وساءَ الوضاحُ
تساميتُ عن أثرِ الزمانِ كأنّني
فهمتُ الحياةَ… فما عدتُ أحتَرِقُ
رأيتُ أنَّ الأمسَ وهمٌ عابرٌ
يُعيدُهُ العقلُ الذي لا يُطلِقُ
فخلعتُ عن روحي ثيابَ حكايتي
ومضيتُ حرًّا، لا أُدانُ ولا أُسأَلُ
ما عادَ للجرحِ القديمِ سلطةٌ
إذ حين يُفهَمُ، ينتهي ما يُقلِقُ
تعلمتُ أنَّ السقوطَ اختيارُ وعيٍ
وأنَّ القيامَ لمن أرادَ تحقُّقُ
فإن خانني دربٌ، عرفتُ بأنّه
مرآةُ نفسٍ لم تُهيَّأ تُصدِّقُ
أنا لستُ نتاجَ انكسارٍ مرَّ بي
بل من تجاوزَهُ يُعيدُ التخلُّقُ
أؤمنُ أنَّ الغيبَ وعدُ حكيمِنا
وأنَّ ما يأتي أصفى وأصدقُ
أُسلِّمُ أمري لا استسلامَ عجزِه
بل وعيَ من يدري بأنَّ التعلُّقُ
قيدٌ يُؤخِّرُ خطوَ روحٍ صاعدةٍ
نحو الذي بالعدلِ يُستَحَقُّ
فها أنا أمضي… لا أُخاصمُ ذاكرةً
ولا أُقدِّسُ ما تولّى وأُغلِقُ
المستقبلُ المعنى، وأنا شاهدٌ
أنَّ الرجاءَ بفهمِهِ يتحقَّقُ
ُفتِّشُ الخطأَ المقيمَ كأنَّهُ
حقٌّ يُبرِّرُ بُعدَهُ ويُباحُ
إن لم أزلْ في زلّةٍ ضاقَ الهوى
وتصدّعتْ من صبرِهِ الأرواحُ
يرجو سقوطي لا لذنبٍ أرتكبهُ
لكنْ ليصنعَ في الفراقِ سلاحُ
فإذا استقمتُ استوحشَتْ نوايـاهُ
وكأنّ صدقي في الطريقِ جِراحُ
ما كنتُ إلا صادقًا في قربِهِ
لكنّ سوء الظنِّ كانَ المُتاحُ
يا قهرَ من يُحسِنُ الظنَّ الذي
في قلبِه للإقصاءِ ألفُ جِناحُ
هي الآنَ حُرّةُ خُطوِها وقرارِها
تَمضي لمن فَضَّلتْ… ولا استيضاحُ
آثرتْ سِواهُ، وكان قلبي شاهدًا
أنّي على كفِّ الهوى أُذبَحُ
لم تكتفِ بالبعدِ اختيارًا صامتًا
بل راودَتْها في إزاحتي الأرواحُ
تُقصيني لا لجرمٍ قد جنيتُهُ
لكن ليخلو للدخولِ مِصباحُ
فكأنّ ذنبي أنّني لم أكن الذي
مالتْ لهُ الأهواءُ والأقداحُ
ما خانني الفعلُ القويمُ ولكنْ
خانتْ نواياها وساءَ الوضاحُ