ندمتُ على تشجيعكم : حين يتحوّل الميل الكروي إلى محكمة تفتيش!
ليست الظاهرة الجديدة أنّ مشجعًا من منطقتنا شجّع البرازيل أمام المغرب، أو بلجيكا أمام مصر، أو الأوروغواي أمام السعودية. هذا كان يحدث دائمًا في البيوت والمقاهي والدوائر الصغيرة، دون أن يملك أحدٌ جهازًا لتفتيش القلوب.
الجديد أنّ المنصّات جعلت الميل الكروي مرئيًا : منشورًا، تعليقًا، أو مقطعًا قابلًا للاستدعاء. لم يتغيّر قلب المشجع بالضرورة، لكنه صار مكشوفًا. وحين صار القلب مرئيًا، وُلد شرطي الميل الكروي.
وهذا الشرطيّ ليس سلطةً فوق الناس، بل تفتيشٌ أفقيّ متبادل : مشجعون يراقبون مشجعين، جماهير تحاكم جماهير، وحساباتٌ صغيرة تمنح نفسها حقّ إصدار شهادات الولاء والخيانة.
لم تعد المسألة من تشجّع؟ بل هل يحقّ لك أن تشعر هكذا دون أن تُستدعى إلى المحكمة؟
من هنا نفهم منشورات : “ندمتُ على تشجيعكم”. في أرقّ صورها، قد تكون خيبة تماثل : مشجّع ظنّ أن الرابط الوجداني متبادل، ثم اكتشف أنه وقّع العقد وحده.
وهذه خيبة إنسانية لا ينبغي السخرية منها. لكنها في صورتها الأشدّ مرضًا تتحول إلى دَين عاطفي : شجعتُك لتشجعني، فرحتُ لك لتفرح لي. عندها لا يعود التضامن محبةً، بل استثمارًا ينتظر مقابله.
والأمر لا يؤلم فقط لأن الملعب فضاء مكتظّ بالهوية، بل لأن الكرامة الجماعية نفسها شحيحة المصادر. حين يصير الفوز الكرويّ وحدةً نادرة من الاعتبار، فإن امتناع الآخر عن مشاركتك الفرح يبدو جرحًا مضاعفًا : خسرتَ دعمه، وشعرتَ أن قيمتك لم يُعترَف بها في لحظة احتجتَ فيها إلى الاعتراف.
هنا يختلط كل شيء. حسابٌ يشمت فيُحاسَب شعب. مشجعٌ ينحاز فيُدان وطن. جمهورٌ يبالغ في النكاية فتُكتب لائحة اتهام ضد أمة كاملة. والحال أن الحساب ليس شعبًا، والجمهور ليس وطنًا، والمنتخب ليس الأمة. لكن التعميم هنا ليس خطأً منطقيًا بريئًا فقط ؛ إنه حاجةٌ إلى خصمٍ واضح، نعلّق عليه كل خيبة، ونحوّل به ضجيج المنصّة إلى حكمٍ على شعبٍ كامل.
ولا ينبغي أن ننسى أن المنصّات، بخوارزمياتها وثقافة الترند، تضخّم هذه السلوكات بالذات. الخوارزيمة تدفع الكارهين الذين يَصخبون، وتدفن الأغلبية التي تشجّع بسلام.
والحال أن التشجيع انتماءٌ لا إراديّ متعدد المنابع. قد تصنعه العروبة، أو الطفولة، أو لاعب محبوب، أو سحر منتخب قديم، أو أسلوب لعب، أو ذاكرة هجرة وجالية. اللبناني الذي يحب البرازيل ليس محتاجًا إلى شهادة براءة من عروبته، والمغربي الذي يميل إلى بلجيكا أو فرنسا قد يحمل من الذاكرة والجنسية والحياة ما لا يراه من يحاكمه من بعيد. وحتى حين يكون التشجيع نكايةً لا حبًا، فالنكاية الصغيرة لا تتحول تلقائيًا إلى موقف مبدئي ولا إلى خيانة قومية.
بل إن التفتيش يمضي أحيانًا أعمق من سؤال من تشجّع؟ إلى سؤال من تكون؟
فحين يقول مغربيّ إنه أمازيغيّ لا عربيّ، قد تُرمى عليه التهم نفسها : خائن، منسلخ، ناكر للأخوّة، أو أداة في يد خصومٍ متخيَّلين. وحين يفترض غيره أنّ "الأخوّة العربية" تكفي وحدها لإلزام قلبه، يتحوّل الخلاف من مباراة إلى محاكمة تعريف.
والأدهى أن شرطة النوايا تعمل من الجهتين : من يفرض العروبة قسرًا، ومن يفرض التبرّؤ منها قسرًا ؛ من يقول لك إنك عربيّ إذن يجب أن تشجّع، ومن يقول لك إنك أمازيغيّ حقيقيّ إذن لا ينبغي أن تشجّع هذا المنتخب أو ذاك. كلاهما يفتّش في المنطقة نفسها : حقّ الإنسان في أن يسمّي نفسه، وأن يختار روابطه دون إكراه.
الهويّة، كالعاطفة، لا تُملَى. للمرء أن يكون عربيًا، أو خليجيا أو أمازيغيًا، أو شاميا، أو إفريقيًا، أو ذلك كلّه معًا، وأن يقدّم بعض هذه الانتماءات على بعض بحسب اللحظة والمعنى. ومحاكمته على هذا التعريف هي الصورة الأخطر من تفتيش النوايا ؛ لأنها لا تفتّش فقط من تحبّ، بل ما تكون.
نعم، للرياضة أحيانًا وزنٌ سياسيّ حقيقي. في لحظات الاحتلال والحرب والإبادة والاستعمار، لا يكون التشجيع دائمًا ذائقةً بريئة، وقد يتحول الانحياز الرياضي إلى علامة أخلاقية أو سياسية. لكن هذا استثناءٌ يحتاج إلى بيّنة، لا قاعدة تُرمى فوق كل مباراة. عبء التسييس على من يدّعيه، لا على كل قلبٍ مال إلى كرةٍ يحبّها.
العروبة، كما الأمازيغية والمغاربية والدين، والجوار واللغة والتاريخ، منابع ممكنة للتعاطف المشترك، لكنها ليست عقودًا إلزامية على القلوب. جميل أن يشجّع الإنسان منتخبًا لأنه رأى فيه امتدادًا له : عربيًا كان هذا الامتداد، أو أمازيغيًا، أو مغاربيًا، أو إفريقيًا، أو كرويًا. لكن جمال هذا التضامن في أنه يأتي عفويًا حرًا. ولحظة يتحول إلى واجبٍ يعاقَب تاركه، يفقد معناه.
المشكلة إذن ليست في أن النّاس لا يتضامنون بوفاء، بل في أن بعض التضامن لم يعد يريد أن يكون ميلا كرويا عفويا، بل إلزاما ؛ والمنصات لا تكتفي بإظهار الميول، بل تجعله أثرًا قابلا للمحاكمة والمحاسبة.
🚨 ماهو سبب خلاف المنتخب المغربي في نهائي كأس أفريقيا مع منتخب السنغال 🇸🇳؟
#فوزي_لقجع يرد🎙️:
📍 بدأ التذمر السنغالي بعد الصعود للنهائي مباشرة.
١- قاموا باعلام الجمهور بوقت تنقلهم من طنجة للرباط. تجمهر حولهم الناس ⬅️ بيان استنكار
٢- رفضوا فندق الرباط وتدخلت شخصيا لإيجاد فندق آخر
٣- رفضوا التدريب في مركب محمد السادس بحجة نفس معسكر المنتخب المغربي رغم أنه فيه هكتارات ⬅️ وجدنا لهم معسكر آخر
٤- طلبوا تذاكر 🎟️! وفرنا مئات ل VIP وألاف للجمهور السنغالي
٥- رفضوا ضربة جزاء وخرجوا من الملعب!
أمور كثيرة لا يستطيع إنسان تحملها.