كنتُ دائماً خارج السِرب، لا أحد يعرفُ ما يدور في ذهني، لا أتعمق مع أحد، كأنما لي قضية أُخرى وأرضٌ أخرى، وحرب لا تعني الجميع.
– فرانز كافكا
اللوحة: Nikolay Ninov
الحبُّ الأولُ ليسَ شخصاً مرَّ من هنا ثم مضى، بل هوَ الندبةُ الضوئيةُ التي تركها أوَّلُ شُعاعٍ دخلَ كهفَ القلب..
نحنُ لا ننساهُ، لأنَّ الأشياءَ الأولى
لا تُقاسُ بجودتها..
بل بكونها أحلى، أولُ مطرٍ لا يشبهُ بقيةَ الأمطارِ..
وأولُ خطوةٍ لا تُشبهُ آلافَ الخطواتِ التي تأتي بعدها..
وأولُ مرةٍ نسمع فيها اسمنا من فمٍ نحبهُ تبقى عالقةً في الروحِ كما تبقى رائحةُ الخبز في ذاكرةِ بيتٍ هُجره أهلهُ ورحلوا..
الإنسانُ لا يتذكرُ الحبَّ الأولَ لأنّهُ كانَ شخصاً فقط
بل لأنّهُ يتذكرُ نفسهُ القديمَةَ التي ماتت ولم تعد..
يتذكرُ تلكَ البراءةَ التي كانت تمشي حافيةً فوقَ العاطفة دونَ خوفٍ..
يتذكرُ ارتعاشةَ الأصابعِ وهي تكتبُ أولَ رسالةٍ وكأنّها تنقشُ أسماءَ الآله��ِ على الحجر..
ويتذكرُ القبلةَ الأولى التي نزلت على الروحِ كما ينزلُ المطرُ على أرضٍ لم تعرفِ الماءَ من قبل..
فالحبُّ الأولُ يشبهُ الكتابَ الذي
تعلمنا منهُ القراءةَ..
قد تمتلئُ مكتباتنا بعدهُ
بآلافِ الكتب، وقد نعشقُ ما هوَ أعمقُ وأصدقُ وأبقى، لكننا كلّما شممنا رائحةَ الورقِ القديمة، عُدنا خفيةً إلى
الصفحةِ الأولى.. لأنَّ هناكَ، للمرةِ الأولى،عرفنا أنَّ الكلماتَ يمكنُ أن تجعلَ القلبَ يرتجف..
الحبُّ الأولُ كانَ زمناً لم تكن فيهِ القلوبُ تعرفُ الحذر، كانت الرسائلُ تُكتبُ بيدينِ ترتجفان، وكأنَّ الكلماتَ عصافيرٌ صغيرةٌ نخشى أن تفزعَ منَ الضوضاء، وكانت ال��قائقُ التي تسبقُ اللقاءَ تمتدُّ كأنّها أعمار، أما النظرةُ الواحدة فكانت تختصرُ مجرةً كاملةً منَ الفرح..
فما يبقى بعد عشراتِ السنينِ..
ليسَ لونَ العينينِ، ولا تفاصيلَِ الوجهِ التي محتها الأيام..
بل ذلكَ الارتباكُ المقدس، ذلكَ الخفقانُ الذي جعلنا نكتشفُ أنَّ في صدورنا كائناً آخرَ غيرَ القلبِ..كائناً هشاً، جميلاً، سريعَ الانكسار لكنهُ قادرٌ على أن يرى السماءَ في ابتسامة..
ولهذا، حينَ يخلو الإنسانُ إلى نفسهِ ويهدأُ ضجيجَ العالم، يخرجُ الحبُّ الأولُ من أدراجِ الذاكرةِ بهدوءِ ناسكٍ عجوز يجلسُ بجوارِ الروحِ، ولا يتكلم.. يكفي أن يمرَّ طيفُ أغنيةٍ، أو عطرٍ قديم، أو مساءٍ يشبهُ مساءً مضى، حتى تنهضُ السنواتُ كلّها من نومها..وتعودُ الأرصفةُ التي مشينا عليها، والكلماتُ التي خجلنا من قولها، والقبلاتُ التي كانت ترتجفُ على الشفتين..
العجيبُ أننا لا نشتاقُ دائماً إلى الحبيبِ الأول، بل نشتاقُ إلى أنفسنا حين كنّا نحبهُ..
نشتاقُ إلى ذلكَ القلبِ الذي كانَ يركضُ نحوَ الفرحِ بلا عكازٍ من الخوف..
وإلى تلكَ الروحِ التي كانت تصدقُ أنَّ العالمَ كلّهُ يمكنُ أن يُختَصرَ في موعدٍ عندَ الغروب..
أو رسالةٍ قصيرةٍ تنتهي بكلمة: "اشتقتُ إليك"..
ثم نمضي، نتعلمُ، ونكبرُ، ونخسرُ كثيراً من دهشتنا..
حتى إذا أرهقنا العمر، وعدنا إلى غرفتنا الداخلية..
وجدنا الحبَّ الأولَ جالساً هناكَ، مثلَ صورةٍ قديمةٍ لم يستطع الغبارُ أن يطفئَ ألوانها..
فنبتسم
لأنَّ بعضَ الأشياءِ لم تخلق لتبقى معنا وإنّما خُلِقت لتبقى فينا
والحبُّ الأولُ... من تلكَ الأشياءَ التي لا تغادرُ القلب..لأنّها لم تسكنهُ يوماً، بل أصبحت جزءاً من نسيجه.. كالعطرِ الذي يرحلُ عن الزهرة، لكنه يبقى عالقاً في يدِ من لمسها ذاتَ ربيع..
في زمن الرسائل الورقية، كان العاشقان يتبادلان بطئًا جميلاً. كان هناك انتظار وترقّب، وشعورٌ بأن الكلمات تحمل وزنًا خاصًا لأنها قطعت مسافات طويلة. كانت كل رسالة حدثًا صغيرًا، وكانت ملامسة الورق نفسه جزءًا من العاطفة.
الإيقاع البطيء يضخّم المشاعر؛ فالشيء الذي ننتظره طويلًا نمنحه قيمة أكبر ."
- لوحة "قراءة رسالة" للفنان الروسي الكبير نيكولاي بيلسكي
« الإنسان الممتلئ لا تطرده الوحدة، ولا يغويه الزحام، هو وطنٌ لنفسه، لا يستجدي من الآخرين اعترافًا بوجوده، ولا يقتات على ثنائهم ليثق بخطواته، لقد رتب فوضى قلبه حتى غدى صمته هيبة، وحضوره طمأنينة.
إنه لا يرقص خلف الأضواء، لأن نوره ينبع من الداخل، ولا يزاحم أحدًا على مكان، فمكانه الذي يسكنه لا يتسع لغيره.
هو فريدٌ بصدقه، غنيٌّ باستغنائه، يشبه نفسه تمامًا، وهذا بحد ذاته أعظم انتصار، لأن الاكتفاء لا يصدر صوتًا، وحده النقص من يحتاج ضجيجًا ليُقنع نفسه بأنه وُجد !! »
🖋️ Saud.Mind
كلُّ من حَبَتْه الطبيعةُ بتميُّزٍ عقلي، يميل إلى العزلة الشعورية والذهنية عن العوام، الذين يُشكّلون ثلثي البشرية، بل ويصاحبه نُفورٌ من بني الإنسان، ويميل تلقائيّاً إلى تفاديهم ما إنْ يتخطّى عتبة الأربعين من عمره.
فقد خالطهم، وشبع من معاشرتهم حين كان على سجيّته الأولى، وعرفهم حقّ المعرفة، ثم وضع كُلًّا منهم في منزلته الحقة.
لم تعد تنطلي عليه أكاذيبهم، ولا تُغريه مظاهرهم الخدّاعة، وأضحى مُوقناً بأنّهم أدنى منه بكثير عقلياً ووجدانياً.
وعليه، فلن يكونوا يوماً قادرين على تسديد ما بذمّتهم من دَينٍ تجاهه.
لذلك، تجده يتفادى طوعاً التعامل معهم، بقدر عشقه للعزلة، عشقاً يتناسب مع قيمته الذاتية والوجدانية.
—
– آرثر شوبنهاور
- 📕 من كتاب: "فن العيش الحكيم"