قبل التحية… أعتذر!
يعتدل في وقفته، ينظر إلى الجمهور طويلًا، ثم يبتسم ابتسامةً مترددة.
قبل التحية…
دعوني أعتذر.
ليس لأنني تأخّرت، بل لأنني جئت.
يصمت لحظة…
جئتكم وأنا أحمل حقيبةً فارغة… لا تقلقوا، هذا ليس عرضًا تجريبيًّا عن العدم، هذه فقط ميزانية الثقافة هذا العام.
قبل التحية أيضًا…
أودّ أن أطمئنكم أنَّ كل ما سأقوله الليلة لا علاقة له بالواقع؛ الواقع نفسه رفع دعوى تشهير، وقال: "اتركوني وشأني، أنا أقوم بالمهمة على أكمل وجه."
يتقدّم خطوة…
أيها السادة…
نحن في زمنٍ عجيب؛
نشتري ساعاتٍ ذكية، ثم لا نجد وقتًا، نحمّل تطبيقاتٍ للتأمل، ثم نتشاجر في التعليقات، نكتب "صباح الخير" بقلوبٍ حمراء، ثم نقضي اليوم نبحث عمّن نكرهه أكثر.
ينحني قليلًا كأنه يبوح بسر…
تعلمتُ شيئًا مهمًّا في حياتي:
إذا أردتَ أن تنجح… لا تعمل بجد، بل اعمل "بشكلٍ يبدو" أنك تعمل بجد. التصوير أهم من الفعل، والتصفيق أهم من الفكرة، والمنشور أهم من الموقف.
يشير بيده إلى المقاعد…
أنتم الآن تجلسون على كراسٍ مريحة، وأنا أقف هنا على خشبة المسرح، لكن صدّقوني… كلّنا نقف على خشبةٍ ما، نؤدي أدوارًا كتبها خوفنا، ونصفّق لأنفسنا كيلا نسمع صوت الحقيقة في الكواليس.
قبل التحية…
دعوني أسألكم:
متى أصبحت "الوقاحة" ثقة بالنفس؟
ومتى صار "الجهل" رأيًا آخر؟
ومتى تحوّل "الصمت" إلى مهارة دبلوماسية؟
يبتسم ابتسامة واسعة…
لا تقلقوا، لن أطيل…
فنحن نحب الخطابات القصيرة، كي نعود سريعًا إلى حياتنا الطويلة جدًّا… تلك التي لا نعيشها.
ينظر إليهم بجدّية…
قبل التحية…
أنا لا أسخر منكم، أنا أسخر منّا. من ذلك الكائن الذي في داخلنا، الذي يريد التغيير… بشرط ألا يتغيّر شيء.
يتراجع خطوة، يفتح ذراعيه…
والآن…
بعد كل هذا الكلام الجاد جدًّا الذي لا يعني شيئًا، وبعد هذا الصدق المؤقت الذي سينتهي عند باب القاعة…
مساء الخير أيها السادة…
وأهلًا بكم… في العرض المستمر منذ سنوات:
"حياتنا"
الزمنُ لا يعالج؛ هو يعلّمنا كيف نُخفي النزفَ تحت ثيابِ الكلام، كيف نبتسم بينما في الصدرِ غرفةٌ مهجورة تسقطُ منها الذكرياتُ كغبارٍ قديم كلما أغلقنا الباب!
النُّضج عزيز جدًّا، لا يُهدِيك ذاته إلا بعد أن يُذِيقك مرارةَ المواقف، ويُجرِّعك من كؤوس التَّجارب، ويأخذ ضريبته من نفسك، لكنك ستشكر كلَّ ذلك، بعد أن تصلَ إلى مرحلةٍ تقرأ فيها ملامحَ الدُّروب قبلَ أن تمضيَ فيها!"
❀
.
.
.
.
.
❥
#فائدة
أشد الناس ندمًا في الآخرة هم المهدِرون لأعمارهم حتى وإن دخلوا الجنة !
لأن بين الدرجة والدرجة في الجنة قراءة آية أو تسبيحة أو تحميدة أو تهليلة والمتاجرة مع الله لا حدود لها
فالله الله في حفظ ماتبقى من أعمارنا.
أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه
أين اختفت رائحةُ الصباح؟
كانت هناك، لا تخطئها الذاكرة، تتدلّى من عتبةِ البابِ كوشاحٍ خفيف، تمتزجُ بندى الإسفلتِ وبرودةِ المفاتيحِ في يدِ الأم، وبصوتِ الباصِ الأصفر وهو يقترب كحلمٍ ميكانيكيٍّ بطيء. لم تكن رائحةً فحسب، كانت وعدًا صغيرًا بالحياة، إشعارًا خفيًّا بأنَّ العالمَ ما يزال بريئًا بما يكفي ليبدأ من جديد.
في طفولتنا، كان الصباحُ كائنًا حيًّا؛ له نفسٌ دافئ، وخطواتٌ مسموعة، وله رائحةٌ تُشبه الخبزَ المختبئ في الهواء. كنّا نقف عند الأبوابِ لا ننتظر الباصَ فقط، ننتظر أنفسنا قبل أنْ تثقلها الأسماءُ والالتزاماتُ والأسئلةُ الكبيرة. كانت الحقائبُ أكبر من أعمارنا، والقلوبُ أخفّ من أنْ تعرفَ الخوف.
ثم كبرنا…
لم تختفِ رائحةُ الصباح، نحن من غيّر أنوفنا. صرنا نشمُّ العجلةَ بدل الندى، ونستنشق القلقَ بدل الضوء. صار الصباح موعدًا لا يُحتفى به. لم نعد نقف على العتبة، بل نقف داخلَ أنفسنا، متأخرين دائمًا عن شيء لا نعرفه.
ربما هربت رائحةُ الصباحِ إلى الأماكنِ التي لا نزورها؛ إلى الأزقةِ التي لم تلوّثها أقدامُ الغياب، إلى نوافذِ المدارسِ القديمة، إلى ضحكةِ طفلٍ لا يعرف بعد معنى الغد.
أو لعلّها لم تختفِ أصلًا، بل تنتظرنا هناك… حين نجرؤ على التخفف، حين نعود واقفين عند بابٍ ما، بلا ساعات، بلا هواتف، ننتظر باصًا أصفر، أو حلمًا يشبهه، ونسمح للصباحِ أنْ يُعرّفنا بأنفسِنا من جديد.