إلى متى سيستمر هذا اللعب السياسي؟ إلى متى ستستمرون في إشغال العالم عن القضية الأساسية؟ كلما بدأ العالم يركز على فلسطين، ظهرت أزمة جديدة: إيران، ثم حزب الله، ثم لبنان، ثم جبهة أخرى، وكأن المطلوب أن ينسى العالم القضية الفلسطينية تماما.
الآن أصبحتم تتحدثون عن لبنان وكأن حزب الله هو المشكلة الوحيدة في المنطقة. نعم، هناك مشكلة حقيقية في وجود سلاح خارج سيطرة الدولة، ونعم، يجب أن تكون الدولة اللبنانية هي صاحبة القرار في الحرب والسلم. لكن هل الحل هو تدمير لبنان؟ هل الحل أن تشن حرب شاملة تؤدي إلى تدمير البيوت والمدن والبنية التحتية وقتل المدنيين؟
إذا كنتم فعلا تريدون دولة لبنانية قوية، فلماذا لا تدعمون الدولة اللبنانية؟ لماذا لا تساعدونها على فرض سيادتها تدريجيا؟ كيف تطلبون من دولة ضعيفة أن تواجه قوة مسلحة تملك ترسانة كبيرة، ثم تتركونها وحدها أمام حرب قد تدمرها بالكامل؟
لا يمكن أن تقول للدولة: اذهبي وانزعي سلاح القوة المسلحة، بينما هذه القوة تملك السلاح والعتاد والقدرة على الرد، وربما تملك قوة أكبر من مؤسسات الدولة نفسها. هذا ليس حلا سياسيا، بل دفع نحو حرب أهلية أو حرب شاملة.
والأخطر من ذلك أن إسرائيل قد تستفيد من هذا الوضع. بدلا من أن يبقى العالم مركزا على الاحتلال وفلسطين، يتحول كل شيء إلى حزب الله وإيران ولبنان. وهكذا تختفي القضية الفلسطينية من العناوين، وتتحول المنطقة كلها إلى ساحات صراع، بينما يستمر أصل المشكلة دون حل.
إلى الدول العربية: لا تسمحوا بأن يتم استخدامكم كأدوات في هذه اللعبة. لا تسمحوا بأن تتحول كل أزمة إلى حرب جديدة تدمر دولة عربية. لبنان ليس ساحة لتصفية الحسابات بين إسرائيل وإيران، والشعب اللبناني ليس وقودا لحروب الآخرين.
وإلى أمريكا وإسرائيل: إذا كنتم تريدون فعلا معالجة مشكلة السلاح خارج الدولة، فهناك طرق سياسية ودبلوماسية واقتصادية وأمنية. أما تدمير لبنان بالكامل، فهذا لن يبني دولة، ولن ينهي المشكلة، بل سيخلق جيلا جديدا من الغضب والدمار والصراع.
لا يمكن أن تستمروا في تدمير المنطقة دولة بعد دولة، ثم تقولوا إنكم تريدون تحقيق الأمن. الأمن لا يأتي بالقصف المستمر، ولا بتدمير الدول، ولا بإشعال الحروب. الأمن الحقيقي يأتي عندما تكون هناك دول قوية، وشعوب آمنة، وحل عادل للقضية الفلسطينية.
فلا تشغلوا العالم عن فلسطين بلبنان، ولا عن لبنان بإيران، ولا عن إيران بأزمة جديدة. العالم يرى ما يحدث. والقضية الأساسية ما زالت موجودة، مهما حاولتم إغراق المنطقة في الحروب والأزمات.
نحن لا نريد حربا جديدة. لا نريد تدمير لبنان. لا نريد تدمير إيران. لا نريد تدمير أي دولة. نريد أن تتوقف هذه اللعبة، وأن يتوقف استخدام شعوب المنطقة كوقود لصراعات الآخرين، وأن يعود العالم إلى أصل المشكلة: الاحتلال، والحقوق، والعدالة، والسلام.
ما يحدث الآن يبدو لي أقرب إلى تسويف سياسي وكسب للوقت أكثر من كونه حلا حقيقيا. السؤال: لماذا يتم إشغال العالم كله بملفات جانبية، بينما القضية الأساسية ما زالت قائمة؟ لماذا يتم تحويل الأنظار من إسرائيل وفلسطين إلى حزب الله ولبنان، وكأن المشكلة الأساسية في المنطقة هي لبنان وحده؟
اليوم يتم التعامل مع حزب الله وكأنه القضية الوحيدة التي يجب حلها فورا، بينما القضية الفلسطينية ما زالت قائمة، وإسرائيل ما زالت تمارس سياساتها، والعالم كله يدفع إلى التركيز على جبهة أخرى.
أما بالنسبة للبنان، فالمشكلة الحقيقية هي أن الدولة نفسها لا تملك كامل القرار داخل أراضيها. هناك قوة مسلحة كبيرة تملك السلاح والعتاد والقدرة على اتخاذ قرار الحرب والسلم. وهنا يجب أن نسأل: كيف يمكن أن تكون هناك دولة حقيقية إذا كانت الحكومة لا تملك السيطرة الكاملة على السلاح والقرار العسكري؟
إذا كانت الدولة اللبنانية تريد فعلا أن تكون دولة ذات سيادة، فعليها أن تكون صاحبة القرار النهائي. لا يمكن أن تكون هناك دولة وجيش وحكومة، وفي الوقت نفسه توجد قوة مسلحة مستقلة تستطيع أن تصعد أو تهدأ وتدخل حربا أو توقفها دون أن يكون القرار بيد الدولة.
لكن في الوقت نفسه، يجب أن نكون واقعيين: حل مشكلة حزب الله لا يكون بتدمير لبنان. لأن أي حرب شاملة قد تؤدي إلى تدمير واسع للبنية التحتية والبيوت والمدن، وقد يتحول الأمر إلى تدمير دولة كاملة في أيام قليلة. وهذا بالضبط ما قد تستفيد منه إسرائيل، أن يتحول الصراع من مواجهة الاحتلال والقضية الفلسطينية إلى حرب داخلية وإقليمية تستنزف لبنان والمنطقة بأكملها.
لذلك، إذا كان الهدف فعلا هو تقوية الدولة اللبنانية، فالمطلوب هو دعم الحكومة والجيش اللبناني لبسط سيطرة الدولة تدريجيا، وليس إعطاء إسرائيل ذريعة لتدمير لبنان. لا يمكن أن نقول للدولة: خذي السلاح من قوة مسلحة، بينما هذه القوة تملك ترسانة أكبر من الدولة نفسها، وتستطيع الرد بعنف على أي محاولة لنزع سلاحها.
الأمر يشبه أن تأتي الشرطة للقبض على شخص، ثم تكتشف أن هذا الشخص يملك سلاحا وعتادا أقوى من الشرطة نفسها. هنا لا يكفي أن تقول له: سلم سلاحك وانتهى الأمر. الدولة تحتاج إلى خطة سياسية وأمنية وعسكرية طويلة المدى، وإلى دعم حقيقي، حتى تستعيد احتكار القوة تدريجيا.
أما ما يحدث الآن، من تهديدات وتصعيد وحروب شاملة، فقد لا يكون هدفه الحقيقي حل مشكلة لبنان، بل إعادة ترتيب المنطقة وإشغال العالم عن القضية الفلسطينية. كلما أصبحت الأنظار متجهة إلى لبنان أو إيران أو حزب الله، تراجعت فلسطين إلى الخلف، وكأن المطلوب أن ينسى العالم القضية الأساسية وسط سلسلة من الحروب والأزمات.
ولهذا يجب ألا نسمح بأن تتحول المنطقة إلى صراع دائم بين إيران وإسرائيل وحزب الله، بينما تختفي القضية الفلسطينية من المشهد. لا يجوز أن تتحول كل أزمة إلى ذريعة لتدمير دولة جديدة. وإذا كانت هناك مشكلة مع السلاح خارج سلطة الدولة، فالحل يجب أن يكون عبر بناء الدولة وتقويتها، وليس عبر تدميرها.
نحن لا نحتاج إلى حرب جديدة تدمر لبنان. نحن نحتاج إلى دولة لبنانية قوية تملك قرارها، وإلى حل سياسي حقيقي للقضية الفلسطينية، وإلى وقف استخدام شعوب المنطقة كأدوات في صراعات القوى الكبرى.
المشكلة أنكم تتعاملون مع تسليم السلاح وكأنه شرط لإنهاء الحرب فقط. طيب، إذا انتهت الحرب، ماذا بعد؟ هل ستنسحب القوات الإسرائيلية فعلا؟ هل ستعود الأراضي إلى أصحابها؟ هل سينتهي الاحتلال؟ أم أن المطلوب أن يتوقف الطرف الفلسطيني عن القتال، بينما يبقى الاحتلال موجودا على الأرض؟
إذا كنت تقول إنك تريد إنهاء الحرب، فالحرب لا تنتهي بمجرد أن يسلم الطرف الأضعف سلاحه. الحرب تنتهي عندما ينتهي سببها. وإذا كان السبب هو الاحتلال والسيطرة على الأرض وتهجير الناس وتدمير بيوتهم، فالحل هو إنهاء الاحتلال وإعادة الحقوق إلى أصحابها.
الأمر واضح أمام العالم كله في فلسطين. هناك شعب يعيش تحت الاحتلال، وأراض محتلة، وبيوت تهدم، وأناس يهجرون من أرضهم. ثم يأتي من يقول لهم: اتركوا سلاحكم أولا. طيب، ماذا سيحدث بعد ذلك؟ هل سيعود الاحتلال؟ هل سيبقى الجيش الإسرائيلي في الأرض؟ هل ستستمر السيطرة على الفلسطينيين؟
إذا كان الهدف فعلا هو السلام، فالحل واضح: إنهاء الاحتلال، إعادة الحقوق، إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وضمان أمن الشعبين. أما أن تطلب من الفلسطينيين التخلي عن كل وسائل المقاومة، بينما يبقى الاحتلال قائما، فهذا ليس إنهاء للحرب، بل تجريد طرف واحد من القدرة على الدفاع عن نفسه.
وإذا كانت إسرائيل تريد فعلا أن تنهي الحرب، فلتبدأ من أصل المشكلة. أوقفي الاحتلال، أوقفي تدمير البيوت، أوقفي التهجير، وأعيدي للشعب الفلسطيني حقه في أرضه ودولته. عندها يمكن أن نتحدث عن سلام حقيقي.
أما أن تقولوا: سلموا السلاح ثم نرى ماذا سيحدث، فهذا لا يبني الثقة ولا ينهي الصراع. لأن الفلسطينيين رأوا أمام أعينهم ماذا يحدث عندما تترك الأرض بلا حماية، ورأوا كيف يمكن أن تهدم البيوت ويهجر الناس.
السلام الحقيقي ليس أن تسلم طرفا سلاحه بينما يبقى الطرف الآخر محتلا ومسيطرا. السلام الحقيقي هو أن ينتهي الاحتلال، وتقام دولة فلسطينية مستقلة، ويعطى الشعب الفلسطيني حقوقه كاملة. عندها فقط يمكن أن نتحدث عن نهاية حقيقية للحرب، لا عن هدنة مؤقتة تمهد لجولة جديدة من الصراع.
ما يفعلونه الآن يبدو وكأنه مجرد تسويف وكسب للوقت. السؤال هنا: لماذا يتم إشغال دول العالم كلها عن القضية الأساسية، وهي إسرائيل وفلسطين؟ ولماذا يتم تحويل التركيز إلى حزب الله ولبنان؟
القضية الأهم الآن هي وضع الدولة اللبنانية وعلاقتها بحزب الله. حزب الله قوة كبيرة ومسلحة داخل لبنان، وإذا كانت الحكومة اللبنانية غير قادرة على فرض سيطرتها عليه، فالمفترض أن يكون هناك ضغط دولي وإقليمي لمساعدة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها، وليس ترك لبنان يتحول إلى ساحة حرب مفتوحة.
لكن المشكلة أن أي حرب واسعة في لبنان ستكون كارثية. إذا اندلعت مواجهة شاملة، فقد تتعرض مناطق وبيوت كثيرة للدمار خلال وقت قصير، وقد تتحول الحرب إلى تدمير واسع للدولة اللبنانية نفسها. لذلك يجب التفكير في طريقة تنهي الأزمة، لا في طريقة تزيدها اشتعالا.
وفي الوقت نفسه، يبدو أن ملف إيران النووي والحرب معها قد دخل مرحلة مختلفة، وربما بدأت إيران تدرك أن استمرار المواجهة بهذا الشكل لن يكون في مصلحتها. لذلك قد تكون هناك محاولات للمناورة وكسب الوقت وإعادة ترتيب الأوراق.
لكن السؤال الأهم: لماذا يتم التعامل مع حزب الله وكأنه المشكلة الوحيدة؟ إذا كانت الدولة اللبنانية تريد أن تكون صاحبة القرار، فعليها أن تفرض سيطرتها على السلاح داخل أراضيها. لا يمكن أن تكون هناك دولة حقيقية بينما توجد قوة مسلحة مستقلة عنها، تملك السلاح والعتاد وتخوض الحروب وتقرر متى تصعد ومتى تهدأ.
تخيل أن الشرطة جاءت لتقبض على شخص مسلح، ثم اكتشفت أن هذا الشخص يملك سلاحا وعتادا أقوى من الدولة نفسها ويستطيع مهاجمة الدولة متى شاء. هنا لا يمكن أن نقول ببساطة: اتركوه يحتفظ بسلاحه. الدولة هي التي يجب أن تمتلك القرار والسلاح، وإلا فلن تكون هناك دولة بالمعنى الحقيقي.
لكن في المقابل، لا يجوز أن تتحول معالجة هذه المشكلة إلى تدمير لبنان أو إلى حرب شاملة تخدم إسرائيل. المطلوب هو دعم الدولة اللبنانية لتفرض سيادتها تدريجيا، مع الضغط السياسي والدبلوماسي، وليس دفع المنطقة إلى حرب جديدة تؤدي إلى تدمير بلد كامل.
لكن السؤال الأهم الآن هو: ما هي بنود هذه المذكرة أو خطة السلام؟ وما هي آليات تنفيذها؟ ومن يضمن تطبيقها؟ وهل ستكون الدول العربية طرفا حقيقيا في صياغتها، أم أنها ستفرض عليها من الخارج؟
هذه هي النقطة التي يجب التركيز عليها الآن. أما ملف إيران، فيجب التعامل معه بوضوح وإنهاؤه بطريقة تضمن حقوقها وأمنها، ثم الانتقال إلى الملفات الأخرى بدل إبقاء المنطقة كلها عالقة في دائرة الحروب والتهديدات المستمرة.
الدول العربية ليست بالضرورة غبية أو غير واعية، بل قد تكون مدركة تماما لما يجري، بينما إيران تتعامل بحذر ولا تكشف كل أوراقها حتى لا تتحول سياستها المعلنة إلى مواجهة مباشرة مع دول المنطقة، وليس فقط مع إسرائيل.
الدول العربية، في رأيي، ليست غبية كما يعتقد البعض، بل قد تكون ذكية جدا وتفهم ما يجري، لكنها تتحرك بحذر شديد. أما إيران، فهي لا تريد أن تكشف كل أوراقها أو أن توضح سياستها بالكامل، لأنها تعرف أن إعلان بعض الأمور بشكل صريح قد يفتح عليها مواجهة أكبر، ليس فقط مع إسرائيل، بل ربما مع بعض دول المنطقة أيضا.
إيران تعرف منذ فترة طويلة طبيعة إسرائيل وكيف تفكر. وهي تدرك أن إسرائيل دولة قوية، وأنها استطاعت عبر السنوات أن تجمع معلومات واسعة عن دول المنطقة، وأن تتصرف على أساس هذه المعلومات. كما أن إسرائيل حاولت، ولا تزال تحاول، فرض نفوذها وسيطرتها على مناطق مختلفة، والتدخل في شؤون دول المنطقة بما يخدم مصالحها.
لكن المشكلة أن إسرائيل لا تكتفي بالمنافسة السياسية أو بمحاولة توسيع نفوذها، بل تلجأ أحيانا إلى أساليب غير مشروعة، مثل شن الحروب الشاملة، وتدمير المنشآت الأساسية التي تقوم عليها حياة المدنيين، واستهداف البنية التحتية، ثم الاعتماد على الولايات المتحدة باعتبارها القوة الكبرى التي توفر لها الغطاء والدعم في الحرب.
وهنا يجب أن نفرق بين أهداف الحرب المعلنة والأهداف غير المعلنة. فبعض الأهداف قد تطرح تحت عناوين أمنية أو سياسية، لكن قد تكون هناك أهداف أخرى تتجاوز ذلك، وربما تكون لها أبعاد غير إنسانية وغير مشروعة.
أما تبرير الحرب ضد إيران، فالمشكلة أن الادعاءات وحدها لا تكفي. لا توجد، بحسب ما أُعلن، أدلة قاطعة تثبت أن إيران كانت على وشك امتلاك قنبلة نووية، أو أنها صنعت سلاحا نوويا بالفعل، أو أنها قررت استخدامه. لذلك لا يمكن تحويل مجرد المخاوف أو الاتهامات إلى مبرر تلقائي لشن حرب شاملة وتدمير دولة بأكملها.
إذا كانت هناك اتهامات حقيقية، فيجب تقديم الأدلة ومناقشتها عبر القنوات الدولية والقانونية. أما أن تشن حرب مدمرة، وتستهدف منشآت حيوية، ثم يقال إن السبب هو مجرد احتمال أو ادعاء غير مثبت، فهذا يفتح سؤالا كبيرا حول الأهداف الحقيقية للحرب ومدى توافقها مع القانون الدولي.
وبالتالي، فإن القضية ليست مجرد خلاف بين إسرائيل وإيران، ولا مجرد صراع على النفوذ. هناك أيضا سؤال أكبر: هل يحق لأي دولة أن تستخدم قوتها العسكرية، مدعومة بقوة عظمى، لفرض إرادتها على دولة أخرى وتدمير بنيتها التحتية، من دون تقديم أدلة واضحة ومقنعة على وجود خطر وشيك؟ هنا تحديدا يجب أن يكون النقاش، بعيدا عن الدعاية والشعارات.
إن من يهدد بالتدمير والإبادة لا يمكن أن ينظر إليه باعتباره طرفا صادقا في التفاوض، وأنه يجب ترتيب الملفات وعدم السماح باستمرار التهديدات.
أما فكرة وجود اتفاق سري، فأنا لا أعتقد أن القضية تفهم بهذه البساطة. الطرف الذي يهدد بالتدمير والإبادة، ثم يشن الحرب، لا يمكن في الوقت نفسه أن يقدم نفسه باعتباره طرفا يريد التفاوض بصدق. فإذا كانت إسرائيل تضرب إيران، ثم تدخل أمريكا في مفاوضات معها، فمن الطبيعي أن تتساءل إيران: هل الطرف الذي يفاوضني يريد فعلا الوصول إلى السلام، أم أنه يحاول فقط كسب الوقت وتحقيق أهدافه بطريقة أخرى؟
إذا كان الهدف الحقيقي هو تدمير إيران أو إضعافها، فلماذا التفاوض معها؟ وإذا كان هناك استعداد حقيقي للسلام، فلماذا تستمر التهديدات والحروب؟ لذلك لا يمكن أن تكون هناك ثقة حقيقية ما لم تتوقف سياسة الخداع والتهديد.
ومن وجهة نظري، إذا كانت أمريكا وإسرائيل تريدان إنهاء هذا الملف، فالأفضل أن يغلق ملف إيران بطريقة واضحة، وأن تعطى إيران حقوقها وضماناتها، ثم بعد ذلك يمكن الانتقال إلى بقية الملفات في المنطقة. كما أن على الدول العربية أن تعيد النظر في علاقاتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وأن تبحث عن مصالحها بشكل مستقل، خصوصا إذا كان وجود النفوذ الأمريكي والإسرائيلي في المنطقة يؤدي إلى مزيد من التوتر وعدم الاستقرار.
وبعد ذلك يجب أن يكون التركيز على القضية الفلسطينية. فلسطين ليست مجرد ملف إنساني، بل هي أيضا قضية سياسية يمكن أن تمنح الدول العربية قوة أكبر في موقفها. فإذا اتحدت الدول العربية حول موقف واضح تجاه فلسطين، فإن ذلك سيقوي موقفها، ويضعف قدرة إسرائيل والولايات المتحدة على استخدام الانقسام العربي لمصلحتهما.
أما بالنسبة إلى ترامب، فإذا كان هناك مشروع أو اتفاق للسلام، فمن المفترض أن تكون له بنود واضحة وآليات تنفيذ حقيقية. لا يكفي الإعلان عن خطة أو مذكرة ثم تركها دون تنفيذ. وإذا اعترض أي طرف على السلام أو رفض الالتزام ببنوده، فيجب أن تكون هناك آليات واضحة للتعامل مع ذلك.
الربط بين مفهوم المفاوضات، الصمود الإيراني، وورقة الضغط الاقتصادي/البحري.
وتوضيح المقصود بـ "السيطرة على المضيق والاقتصاد العالمي".
(صمود استراتيجي، طاولة المفاوضات، أوراق الضغط)
يرى البعض أن خوض إيران لمفاوضات مع الولايات المتحدة يعد مؤشرا على الضعف، لكنني أختلف مع هذا الطرح تماما. فالمفاوضات لا تعني الاستسلام، بل قد تكون أداة تستخدمها واشنطن للحد من استعراض القوة الإيراني، وسعيا لضمان أمنها وتجنب اندلاع صراع جديد في المنطقة.
في المقابل، تملك إيران الحق الكامل في فرض شروطها، فهي ليست طرفا خاضعا ولا مخدوعا، بل طرف صمد في وجه الحرب وضغوطها. وهذا الصبر والاستمرار بحد ذاته يعتبر نصرات استراتيجيا، خاصة عندما تجد العدو يضطر للجلوس إلى طاولة المفاوضات لضمان سلامته بعد انتهاء المواجهة.
أما عن كيفية فرض الشروط، فإن ورقة الضغط الأقوى تكمن في السيطرة على المضائق البحرية مثل مضيق هرمز. فلو تخلت الولايات المتحدة عن تواجدها هناك، أو تمكن الحرس الثوري من فرض سيطرته الكاملة عليه، ستتحول هذه السيطرة إلى أداة تحكم رئيسية في الاقتصاد العالمي والتجارة الدولية، مما يمنح إيران نفوذا كبيرا ونقطة قوة قاطعة على طاولة المفاوضات.
إذا كان أحد يحاول إقناعكم بأن إسرائيل تستطيع اتخاذ قرار كبير مثل إنهاء مشروع أو احتلال جزء من لبنان، ثم تنتظر موافقة ترامب قبل أن تتحرك، سواء بسبب ترتيبات معينة أو خطط مرتبطة بملف آخر متشابك مع الخليج أو غيره، فهذا الكلام يحتاج إلى مراجعة.
بالعكس، من المنطقي أن نفترض أن إسرائيل لا تحتاج إلى موافقة ترامب على كل خطوة عسكرية. فهل كانت إيران، عندما دخلت في مواجهة مع إسرائيل، تنتظر موافقة ترامب على كل ضربة؟ بالطبع لا. قد يكون هناك تنسيق أو تفاهمات سياسية، لكن القول إن إسرائيل لا تستطيع التحرك إلا بعد الحصول على موافقة ترامب على كل قرار عسكري هو تبسيط مبالغ فيه.
ثم إننا نرى أحيانا مشهدا متناقضا: طرف يضرب، ثم يبدأ طرف آخر بالتفاوض أو الاتفاق، وكأنهما لا علاقة لهما ببعضهما. لكن إذا كانت الحرب منذ البداية مشتركة أو مترابطة، فلماذا يتم الآن تصوير الأمر وكأن كل طرف يعمل بشكل منفصل تماما؟
أنا أرى أن هناك سياسة تقوم على فصل الملفات: إيران تدخل في اتفاق أو تفاوض، وأمريكا تريد ذلك، وفي الوقت نفسه يجري التعامل مع إسرائيل بطريقة مختلفة. والهدف، في رأيي، هو محاولة إدارة المنطقة ومنع الأمور من الانفجار بشكل أكبر.
لو كنت مكان أصحاب القرار، فسأفهم أن هناك محاولات لإنقاذ المنطقة من الانهيار، لأنهم يدركون أن إسرائيل أصبحت عبئا متزايدا على الجميع. لكن المشكلة أن إسرائيل لا تكتفي بالدعم، بل تريد أن تفرض شروطها أيضا. وهنا يصبح السؤال: إلى متى ستستمر الدول في التعامل معها وكأنها صاحبة القرار؟ وهل ستبقى المنطقة تدفع الثمن بينما يواصل كل طرف فرض أجندته على الآخرين؟
وبعدما رأينا الحرب الوحشية والمدمرة على غزة، ثم ما حدث مع إيران، أصبح الوقت مناسبا لأن تتحد دول المنطقة، وأن تتفق، ولو ظاهريا في البداية، وأن تبحث عن مصالحها المشتركة. ليس المطلوب أن تصبح كل الدول متطابقة أو أن تتفق في كل شيء، بل المطلوب أن تتعاون عندما تتقاطع مصالحها، وأن تتعامل مع بعضها بمحبة واحترام، ثم بعد ذلك يمكن لكل دولة أن تسلك طريقها الخاص.
في النهاية، من الذي سيعوضنا عن كل ما خسرناه؟ ومن سيعيد لنا ما دمر؟ لذلك لا بد أن نفهم أن مصالحنا يجب أن تكون في مقدمة أولوياتنا، وأن نتفق في القضايا التي تجمعنا، بدلا من أن نترك أنفسنا فريسة للخلافات والنفوذ الخارجي.
أما هذه التصريحات المتناقضة، التي لا تستقر على موقف واضح، وتنتقل من التهديد إلى التهديد، فبصراحة لم أر مثل هذا المستوى من التناقض في عالم السياسة من قبل. كل يوم تصريح مختلف، وكل تصريح يحمل تهديدا جديدا، وكأن الموقف لا يستقر على بر.
تحليل لموقف سياسي يتعلق بالصراع بالمنطقة (إيراني-إسرائيلي، حزب الله، وغزة).
لقد أصبحت هذه الورقة مكشوفة تماما ولم تعد مجدية بعد استغلالها طوال العام الماضي، فالمرحلة الحالية تتطلب أدوات وصراعات أكبر على مستوى الدول، بعيدا عن الأوراق المستهلكة.
السياسة اليوم تعتمد على أساليب وتكتيكات معقدة، فبينما يشتعل الصراع بالضربات المتبادلة مع إسرائيل في غزة ولبنان، تسعى إيران لامتلاك القنبلة النووية والتجهيز لحرب أكبر من خلال تخطيط وتجهيز عسكري أوسع.
وفي الوقت نفسه، يدار التفاوض من موقع قوة. فاقتراح التهدئة والتفاوض على جبهة لبنان يهدف لإبقاء حزب الله تحت الضغط وتجريده من المناورة أثناء سريان المفاوضات بحجة فصل الجبهات. وهنا يبرز التناقض: كيف يمكن التفاوض على وقف إطلاق النار مع حزب الله بينما تطالب إيران بضبط أوراقها العسكرية واستخدامها للتهديد والتفاوض في الوقت ذاته؟
ملخص الفكرة في نقاط:
•استهلاك الأوراق القديمة: الأساليب السابقة أصبحت مكشوفة للجميع، واللعبة الآن انتقلت لمستوى مواجهة أكبر بين الدول.
•التكتيك العسكري والنووي: استمرار التصعيد في غزة ولبنان بالتوازي مع السعي الإيراني للوصول إلى ردع نووي وتجهيز لمواجهة أوسع.
•إستراتيجية التفاوض تحت النار: استغلال المفاوضات وفصل الجبهات لإضعاف موقف حزب الله ميدانيا، بينما تمسك إيران بالملف العسكري للضغط والتفاوض.
الفكرة تدور حول التحليل السياسي والاقتصادي للتصعيد بين إيران والأطراف الغربية (أمريكا)، وكيف تستخدم الأوراق الاقتصادية مثل الأموال المجمدة والحصار البحري كأدوات الضغط، وما هي ردود الأفعال المتبادلة.
1. استراتيجية التصعيد في الممرات البحرية
تستغل إيران أوراق الضغط في البحر مثل تهديد السفن أو فرض رسوم وإغلاق الممرات لإحراج الأطراف الأخرى ودفعهم للتصعيد، تمهيدا لإلقاء اللوم عليهم مستقبلا وإظهارهم كمن يعطل حركة الملاحة. هذا التصعيد القوي يهدف أساسا لمخاطبة الإدارة الأمريكية والمجتمع الدولي.
2. معضلة الأموال المجمدة والحصار
•تساؤل الشارع/الدولة: الحرب دمرت الكثير، ولدينا أموال ضخمة مجمدة في الخارج، فلماذا لا تفكك هذه التجميدات لإنقاذ الاقتصاد وإعادة الإعمار؟
•الواقع السياسي: العقوبات وتجميد الأموال ليسا مجرد إجراء إداري، بل هما أداة عقاب اقتصادي وحصار تمارس للضغط على الدولة ومنعها من استغلال أصولها حتى لو كانت أضرار الحرب تتطلب تلك الأموال بشدة.
3. المنطق الإيراني في الرد والتصعيد
بما أن الأموال مجمدة، والدولة خاضعة للعقوبات والحصار البحري، فإن المنطق الذي تتعامل به إيران يتلخص في الآتي:
طالما أنكم تحاصروننا وتمنعون عنا أموالنا واقتصادنا، فلن نترك السفن والملاحة الدولية تمر عبر مناطق نفوذنا مجانا ودون مقابل. سنفرض قواعدنا ونرفع التكلفة على الجميع لنحصل على مكاسب بديلة.
الخلاصة
النص يعكس دائرة الفعل ورد الفعل: فالغرب يستخدم الأموال المجمدة والحصار للضغط والعقاب، وإيران ترد بالتصعيد البحري وفرض الأمر الواقع، لتتحول الأوراق الاقتصادية والممرات المائية إلى ساحة صراع واشتباك سياسي بديل.
طبعا، شوفوا، هؤلاء أشخاص أذكياء، ولذلك لم يقولوا ذلك بشكل مباشر، لأنهم يعرفون طبيعة هذا الشخص جيدا. هو لم يكن يقصد الخليج تحديدا، بل كان يقصد دولة أكبر وأقوى، وهي أمريكا. أما الخليج، فهو في النهاية متضرر من هذا النفوذ، والآن أصبحت عواقب هذا النفوذ تطال الجميع، وأصبحنا نرى كيف تتضرر دول المنطقة وتدفع إلى الصدام فيما بينها.
وجهة نظر تحمل أبعادا فلسفية وسياسية عميقة، وتعكس رغبة إنسانية نبيلة في رؤية عالم يسوده السلام والحوار بدلا من لغة الرصاص. برؤية متوازنة تجمع بين الواقعية السياسية و الطموح الحضاري:
1. الحوار مقابل السلاح: صراع الحضارة والتخلف
2. النموذج الأوروبي والأمريكي: مفارقة القوة
حول الفرق بين أوروبا والولايات المتحدة مثير للاهتمام:
• الولايات المتحدة: يرى الكثير من المحللين أن أمريكا اعتمدت لعقود على سياسة الشرطي العالمي، وهو دور جلب لها نفوذا واسعا لكنه كلفها أيضا سمعتها الأخلاقية وأرهق ميزانيتها، مما أدى إلى تزايد الأصوات حتى داخل أمريكا نفسها التي تطالب بالانكفاء للداخل وترك الشعوب لتقرير مصيرها.
3. هل أمريكا وإسرائيل في طريق التراجع؟
• الانتقاد الموجه لأمريكا وإسرائيل غالبا ما يتمحور حول فكرة أن فرض الإرادة بالقوة يولد مقاومة مستمرة ويمنع الاستقرار الحقيقي.
• الديمقراطية: كما أشرت، العودة لمبادئ الديمقراطية الحقيقية التي تحترم حقوق الشعوب قد تكون هي المخرج الوحيد لاستمرار أي دولة كقوة محترمة في العالم.
4. فكرة العالم متعدد الأقطاب
الكلام حول ضرورة عدم جعل العالم يدور حول محور واحد (أمريكا) هو جوهر ما يحدث الآن في السياسة الدولية.
خلاصة الرأي:
هل الكلام صحيح؟
من الناحية الأخلاقية والإنسانية، الكلام يلمس الحقيقة، فالبناء والتحضر لا يستقيمان مع آلات الدمار. أما من الناحية السياسية، فالواقع معقد، لأن القوة العسكرية لا تزال للأسف أداة تستخدمها الدول لحماية مصالحها في غياب ثقة كاملة بين الشعوب.
الرؤية لتهميش سياسة القوة والتركيز على البناء هي البوصلة التي يحتاجها العالم ليتجاوز حقبة الصراعات. لكن التغيير يحتاج إلى وقت، ويبدأ من وعي الشعوب بضرورة الحوار المفتوح كما تفضلت.
ما رأيك، هل تعتقد أن القوى الصاعدة الجديدة مثل الصين أو كتل دولية أخرى ستكون أكثر ميلا للحوار، أم أنها قد تقع في نفس فخ سياسة القوة الذي وقعت فيه القوى السابقة؟
أرى أن من بين أهداف أي تصعيد عسكري بين إسرائيل وإيران هو إشغال العرب والمسلمين عن القضية الفلسطينية، وخاصة موضوع إقامة الدولة الفلسطينية. فرفض قيام دولة فلسطينية يعد من الثوابت لدى الحكومة الإسرائيلية الحالية، وأي توتر إقليمي واسع قد يصرف الأنظار عن هذا الملف ويؤجل الضغوط الدولية المتعلقة به.
كما أعتقد أن المصالح الاستراتيجية، وعلى رأسها النفوذ الإقليمي وموارد الطاقة، تلعب دورا مهما في الصراعات الكبرى. فالولايات المتحدة، باعتبارها قوة عظمى، تسعى دائما إلى حماية مصالحها حول العالم، وإسرائيل تعد حليفا رئيسيا لها في الشرق الأوسط، ما يجعل سياساتهما في كثير من الأحيان متقاطعة أو متكاملة.
من وجهة نظري، يتم أحيانا تضخيم بعض الملفات مثل البرنامج النووي الإيراني لتبرير الضغوط أو المواجهات، بينما جوهر الصراع قد يكون متعلقا بتوازن القوى والنفوذ في المنطقة. فإيران دولة إقليمية مؤثرة، وأي إضعاف لها سيؤدي إلى تغير كبير في موازين القوى، ما قد ينعكس على بقية دول المنطقة.
كذلك أرى أن الانقسامات داخل العالم الإسلامي، سواء كانت مذهبية أو سياسية، ساهمت عبر الزمن في إضعاف الموقف الجماعي، وأتاحت المجال لتدخلات خارجية. فالخلافات عندما تغذى وتستثمر سياسيا تصبح أداة لإدامة الصراع بدلا من حله.
الحروب في النهاية تعني الدمار والخسائر البشرية، ولا يستفيد منها سوى من يعزز نفوذه أو يحقق مكاسب استراتيجية. أما الشعوب فهي التي تدفع الثمن الأكبر. لذلك يبقى السؤال: هل التصعيد العسكري يخدم استقرار المنطقة، أم أنه يزيدها هشاشة ويجعلها أكثر عرضة لصراعات أوسع؟
هذه رؤية تنتقد السياسات والصراعات الجارية، وتدعو إلى وعي أعمق بما يجري، وإلى تغليب الحلول السياسية على الحروب، لأن استمرار النزاعات لن يجلب إلا مزيدا من المعاناة لشعوب المنطقة.
شهدت الساحة الإقليمية في السنوات الأخيرة تباينات في المواقف بين بعض دول الخليج، ومنها السعودية والإمارات، خصوصا فيما يتعلق بالملف اليمني. وينظر إلى هذه التباينات بوصفها نتيجة طبيعية لاختلاف المصالح وتقديرات المواقف، رغم الروابط العميقة التي تجمع دول الخليج من وحدة اللغة والدين والمصير المشترك، إضافة إلى عضويتها في مجلس واحد وتاريخ طويل من التعاون.
وفي سياق أوسع، يرى البعض أن مسألة التطبيع مع إسرائيل أثرت على وحدة الموقف الخليجي والعربي، إذ يطرح تساؤل حول كيفية إقامة علاقات سياسية واقتصادية مع كيان ينظر إليه من قبل قطاعات واسعة في العالم العربي والإسلامي باعتباره طرفا في نزاع مستمر مع الشعب الفلسطيني، وباعتبار أن القضية الفلسطينية ترتبط لدى الكثيرين ببعد ديني وتاريخي وجغرافي عميق.
ويعتقد أن فتح قنوات العلاقات مع إسرائيل جاء في ظل تدخلات إقليمية معقدة، وأن هذا الانفتاح قد يترتب عليه تحديات مستقبلية، خصوصا إذا لم يقابل بتقدم حقيقي في مسار إقامة الدولة الفلسطينية. ويرى أصحاب هذا الطرح أن غياب التقدم في هذا الملف يثير تساؤلات حول أسباب استمرار التعطيل، رغم أن إقامة الدولة الفلسطينية تعد مطلبا عربيا ثابتا منذ عقود.
كما يشير هذا الرأي إلى أن أي دولة تقيم علاقة مع إسرائيل ينبغي أن تدرك أن مصالح إسرائيل تبنى على اعتبارات أمنية وسياسية خاصة بها، وأنها تسعى إلى تعزيز نفوذها الإقليمي. ويستشهد في هذا السياق بالعلاقة المعقدة بين إسرائيل وإيران، حيث شهدت مراحل من التعاون غير المباشر في بعض الفترات، ثم تحولت لاحقا إلى صراع مفتوح، ما يعكس وفق هذا التحليل أن إسرائيل تتحرك وفق مصالحها الاستراتيجية البحتة، وليس وفق تحالفات دائمة.
ويخلص هذا الطرح إلى أن إسرائيل، في نهاية المطاف، تسعى إلى الحفاظ على موقع متقدم في الشرق الأوسط، وأنها قد تستفيد من التوترات الإقليمية لتعزيز نفوذها، مما يستدعي من الدول العربية التعامل بحذر مع أي مسار سياسي جديد، لضمان حماية مصالحها واستقرارها الداخلي والإقليمي.
ينظر إلى أن التطبيع مع إسرائيل لا يمثل شرفا أو مكسبا حقيقيا للدول العربية ما لم يكن قائما على الندية وحماية المصالح الوطنية. فالتطبيع وفق هذا التصور يعني الخضوع لشروط إسرائيل والقبول بأن تكون لها اليد العليا في المنطقة، وكأنها تسعى لفرض نفسها كقوة مركزية تتحكم في محيطها.
ويقال إن بعض الخطابات الإسرائيلية تحمل نظرة دينية أو تاريخية تعتبر المسلمين مصدر تهديد، مما يجعل الثقة في نواياها أمرا صعبا. ومن هذا المنطلق، يرى البعض أن أي دولة عربية تهتم فعليا بقضايا الأمة، وخاصة قضية غزة، لم تكن لتتخذ خطوات تطبيع دون مراعاة آثارها على الشعب الفلسطيني.
ويعتقد أن أقل ما يمكن فعله هو وقف العلاقات مع هذا الكيان، أو على الأقل منع تحقيق مصالحه في المنطقة، وعدم التعامل معه إلا في أضيق الحدود. فلو أن الحكومات العربية أدخلت المساعدات إلى غزة بطرق مختلفة، مستندة إلى رابطة الدين والإنسانية، لكان الوضع مختلفا تماما.
ويرى أصحاب هذا الرأي أن إسرائيل دولة صغيرة الحجم، وأن الولايات المتحدة لا تهتم إلا بمصالحها، وأن قوة العرب الحقيقية تكمن في وحدتهم ومواقفهم المشتركة، لا في الارتهان لأي قوة خارجية.
تظهر السياسات الأمريكية أنها تركز على مصالحها أولا، ولا تعطي أهمية كبيرة للعلاقات مع الدول إلا بقدر ما تخدم أهدافها. ومع صعود قوى عالمية أخرى مثل الصين، واحتمال تقاربها مع روسيا، قد تجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة لإعادة حساباتها. ويرى البعض أن الصمت العربي تجاه السياسات الإسرائيلية ساهم في تقوية نفوذها في المنطقة.
وفي الوقت نفسه، تعمل إسرائيل على منع أي دولة في المنطقة من امتلاك قدرات نووية، ما دامت تلك الدولة لم تشكل تهديدا مباشرا لها. وبالنسبة لإيران، يرى البعض أنه لا يوجد مبرر لشن حرب عليها ما دامت لم تقم بعمل عسكري مفاجئ ضد دول الجوار.
أما الانقسام الطائفي بين السنة والشيعة، فيُعتقد أنه من أكثر الملفات التي استغلت لإضعاف العالم العربي، إذ استمرت القوى الخارجية في تغذيته لسنوات طويلة، مما أدى إلى تجدد الصراعات الداخلية. وهذا ما يجعل البعض ينظر إلى إيران من زاوية مختلفة، باعتبار أن الصراع الطائفي كان أداة لتفتيت المنطقة أكثر من كونه خلافا دينيا حقيقيا.
ينظر إلى أن التطبيع الذي قامت به الإمارات جاء في إطار مصالح متبادلة، لكنه أثار تساؤلات حول حجم المكاسب التي حصلت عليها إسرائيل، وحول مدى صدق نواياها تجاه الإمارات على المدى البعيد. فهناك من يرى أن إسرائيل قد تستفيد من موارد الإمارات ونفوذها، ثم تتخلى عنها إذا تغيرت الظروف، خاصة إذا بقيت الإمارات خارج إطار وحدة خليجية متماسكة.
وفي السياق الإقليمي، يرى البعض أن إسرائيل لا تظهر ودا حقيقيا للعرب، وأن الدول التي تطبع معها قد تتعرض لضغوط سياسية أو اقتصادية بطرق غير مباشرة. ويقال إن السعودية تواجه الآن محاولات لإضعافها من خلال ملفات إقليمية معقدة، بالتوازي مع سياسات أمريكية يعتقد أنها لا ترغب بصعود قوة عربية مستقلة.
أما بالنسبة لإيران، فيعتقد أن الولايات المتحدة وإسرائيل تسعيان إلى الحد من قوتها، خشية أن يؤدي أي تقارب بينها وبين دول عربية كالسعودية أو مصر أو سوريا إلى تشكيل محور قوي قد يغير موازين القوى في المنطقة. فإسرائيل وفق هذا التصور لا ترغب بوجود أي دولة قوية في محيطها، سواء كانت عربية أو إسلامية، لأنها ترى في ذلك تهديدا مباشرا لها، خصوصا إذا كانت تلك الدولة داعمة للمقاومة في غزة أو غيرها.
ورغم أن الخطاب الإسرائيلي الرسمي يتحدث عن احترام الأديان وحقوق الإنسان، إلا أن الممارسات على الأرض كما يرى البعض تعكس سياسات قاسية، مثل ما حدث في غزة أو في التعامل مع اللاجئين السوريين. ويقال إن الولايات المتحدة تغطي هذه السياسات بحجج جاهزة، وتستخدم خطاب الرأي الآخر لتبرير تدخلاتها.
ويعتقد أيضا أن بعض القيادات السياسية في الغرب تعمل على إشعال الأزمات في عدة مناطق حول العالم، سواء في أمريكا الجنوبية أو أوروبا أو آسيا، بهدف إعادة تشكيل النفوذ الدولي. وتطرح تساؤلات حول سبب توقف الولايات المتحدة مؤخرا عن التصعيد المباشر مع إيران، وما إذا كان ذلك مرتبطا بحسابات إسرائيلية أو بمصالح استراتيجية أوسع في المنطقة.
إيران مقابل الولايات المتحدة تاريخيا:
اللي يقول إن إيران ما تسمع كلام الولايات المتحدة لأنها دولة متمردة، ما يفهم أساس المعادلة. كيف تتوقع دولة تمتد جذورها لآلاف السنين، وحضارة ضاربة في التاريخ منذ العصور القديمة، أنها تخضع لتوجيهات دولة لم يظهر نفوذها العالمي إلا قبل بضعة قرون؟
إيران ككيان تاريخي أقدم من الولايات المتحدة بحوالي ٢٣٢٦ سنة، وهذا الفارق الحضاري وحده يفسر ليه إيران ما تتعامل مع أمريكا بمنطق التابع والمتبوع، بل بمنطق الند التاريخي مهما كان ميزان القوة الحالي.
مقارنة تعريفات الإرهاب في القانون الدولي، أو تحليل كيف يستخدم المصطلح في الإعلام والسياسة.
مفهوم الإرهاب معقد ومثير للجدل، لأنه لا يوجد تعريف عالمي موحد له، لكن يمكن تلخيص أبرز الجوانب كما يلي:
التعريف اللغوي
• كلمة “إرهاب” مشتقة من الفعل الثلاثي “رَهَبَ” ويعني الخوف أو الفزع.
• في اللغة، الإرهاب يعني التخويف أو الإفزاع المتعمد.
التعريف القانوني والسياسي
• الإرهاب هو استخدام العنف أو التهديد به لتحقيق أهداف سياسية أو دينية أو أيديولوجية، وغالبا ما يرتكب من قبل جهات غير حكومية أو جماعات مغلقة.
• الأمم المتحدة وصفته بأنه: أفعال إجرامية تهدف إلى إثارة الذعر بين الناس لتحقيق أهداف سياسية، وهي غير مبررة تحت أي ظرف.
الخصائص المشتركة في التعريفات
وفقا لدراسة أكاديمية شملت أكثر من 100 تعريف، تبين أن:
• 83.5% من التعريفات تتضمن العنف.
• 65% تشير إلى أهداف سياسية.
• 51% تؤكد على إثارة الرعب والخوف.
• 21% تعتبره عشوائيا في الاستهداف.
• 17.5% تشير إلى أن الضحايا غالبا من المدنيين.
لماذا لا يوجد تعريف موحد؟
• لأن بعض الدول تعتبر أعمال المقاومة إرهابا، بينما يراها آخرون نضالا من أجل الحرية.
• المصطلح أصبح مشحونا سياسيا، ويستخدم أحيانا لتبرير سياسات معينة أو تشويه خصوم.
السلاح والسيادة: قراءة في مفهوم الكرامة والوجود
جوهر الرسالة حول الكرامة، السيادة، ومنطق المقاومة
أولا: السلاح كركيزة للدولة والكرامة
إن الدعوة لنزع السلاح في السياق الحالي ليست مجرد مطلب سياسي، بل هي دعوة صريحة للارتهان والاستسلام. فالتاريخ والواقع يؤكدان أن الدولة بلا سلاح هي كيان بلا أنياب، ولا يمكن تصور سيادة حقيقية لأي أمة وهي مجردة من وسائل حمايتها. تسليم السلاح في المفهوم العربي والوطني لا يعني السلام، بل يعني القبول بالإذلال وضياع الهيبة.
ثانيا: غزة والمقاومة.. رد فعل على غياب البديل
ما يشهده قطاع غزة اليوم تجاوز حدود الحزن ليصل إلى مرحلة القهر الإنساني العميق. وفي ظل غياب المؤسسات الحكومية القادرة على حماية المواطن في فلسطين ولبنان، كان من الطبيعي أن تبرز حركات المقاومة كضرورة وجودية.
• الدفاع عن الأرض: المقاومة تشكلت لأن الإنسان بطبعه لا يقبل برؤية منزله يهدم أو عائلته تشرد وهو يقف مكتوف الأيدي.
• الشرعية الشعبية: هذه الحركات هي التي تملأ الفراغ الدفاعي في مواجهة أطماع الاحتلال.
ثالثا: رفض الإملاءات والتدخل الخارجي
إن الإصرار الإسرائيلي على نزع سلاح المقاومة ينبع من رغبة في فرض الاحتلال الناعم وتمرير الأوامر دون معارضة.
• السيادة اللبنانية: القبول بنزع السلاح تحت الضغط هو تسليم غير مباشر بالاحتلال، فالدول العربية ليست مجبرة على الانصياع لأوامر إسرائيل التي تحاول فرض وصايتها على المنطقة.
• منطق القوة: من غير المقبول أن تتدخل إسرائيل في الشؤون السيادية للبنان أو سوريا، أو أن تحاول تسويق خرافات وأضاليل لتبرير غطرستها العسكرية، وكأنها القوة الوحيدة التي تملك الحق في الوجود والتحكم في مصائر الشعوب.
خلاصة القول:
الرسالة واضحة: السلاح هنا ليس غاية للحروب، بل هو وسيلة لمنع التغول الإسرائيلي، وضمان ألا تملى الإرادات الخارجية على شعوب ترفض المذلة.
هل ترى أن تقوية الجيوش الوطنية الرسمية مستقبلا يمكن أن يكون هو الضمانة البديلة التي تحقق توازن القوى؟!