من النادر أن ترى مؤرخا يسخر من قومه ويُبدي مساوئهم وخصوصا اذا كان محسوبا على القدماء ولكن الجبرتي، هذا المؤرخ الطريف والممتع، لا يفتأ في كل مرة يأتينا بنادرة كهذه ويُتبعها بالبيت الشهير
وكم ذا بمصر من المضحكات
ولكنه ضحكٌ كالبكا
يتقدم الإنسان في العمر ويكبر ويتذكر أياما قديمة كان فيها النسخة الأجمل والأكمل وكان فيها الأسعد والأبهج ثم يعنّ له أن يعيد تلك الأمجاد فيكبو ويتعثّر "فتعلم ألّا أنت مدرك ما مضى.. ولا أنت مما تحذر النفس وائلُ"
التفاتة صغيرة نحو الساحة السياسية ومشاهدة ما يحدث فيها من صراخ وعويل وتشنّج وهستيريا، تُدرك تماما المقولة الخالدة التي نحتها القصيمي "العرب ظاهرة صوتية" ابتداء من جمال عبدالناصر الذي هو كبيرهم الذي علمهم الصراخ مرورا بالقذافي وصدام حسين وانتهاء بالحوثي
قال فيلسوف قديم بأن الإنسان يحمل في داخله كل يمكنه تعلّمه ومعرفته، فلن تزيدك التجارب والقراءة سوى ما كان في داخلك من قبل ولعل المتنبي فطن إلى هذا فقال
عرفتُ الليالي قبل ما صنعت بنا
فلمّا دهتني لم تزدني بها علما
إحدى متعي المفضلة أن نتسكع في هذه القوايل بينما العالم رقود حتى إنك لترى السراب في طرقات الرياض من قبل أن كنت لا ترى حتى الإسفلت، وفي هذه المكتبة الغنّاء البهيجة تجد كل ما يخطر على بالك من كتاب الا انها لا تبيع
تقرأ في ديوان المتنبي فترى قصيدة مدح في كافور الإخشيدي حتى ليجعله أعظم مخلوق على وجه الأرض وما هي الا أن تفتح الصفحة الأخرى حتى تقرأ قصيدة هجاء في كافور حتى ليجعله أرذل مخلوقات الله وأنت في كلا الحالتين مبهوت مسحور بالألفاظ والعبارات فاغرا فاك
لا يروي الغليل ولا يشفي النفس ولا يبرئ القلب من أوصاب البشر وأدرانهم سوى المتنبي حين ينشد، كقوله
فمالي وللدنيا طلابي نجومها
ومسعاي منها في شدوق الأراقم
ثم يقول وفي قوله حكم وفلسفات ومواعظ
ومن عرف الأيام معرفتي بها
وبالناس، روّى رمحه غير راحم !
أما الأشعار والقصائد فهي ثقيلة ومتقعّرة وملويّة الأعناق وبعضها لا تفهم منه شيئا وذلك لالتزامه بما لا يلزم في الشعر، وكان الكتاب كما قيل في المثل: تسمع بالمعيدي خيرٌ من أن تراه !
افتتان الكثير من القراء والمثقفين بكتاب لزوم ما لا يلزم يعود الى كونه يحتوي على أفكار ورؤى خارجة عن المألوف وفي بعض منها سابق على عصره رغم التناقضات الكثيرة، فنرى أبا العلاء تارة مؤمن متديّن وتارة زنديق منكر للأديان وتارة يبتهل ويدعو وتارة يدعو بالويل والثبور
صحيح أنه عيد والأجواء من حولي مشعّة برّاقة ومع ذلك أقرأ لأبي العلاء المعرّي الذي يشتم الحياة في كل بيت وشطر ويسب الدنيا ويسمّيها أم دِفْر ويدعوا البشرية للانقراض والفناء لو كانوا ذوي شجاعة وعقل ! ثم يسرد جميع الأسباب العقلانية واللاعقلانية في أبياته ليثبت أن الفناء هو الحل !
لنردد معا دالية المتنبي الخالدة التي قالها ليلة عيد الأضحى لما هرب من كافور ونقول
عيدٌ بأية حالٍ عدت يا عيدُ
بما مضى أم بأمر فيك تجديدُ
أما الأحبة فالبيداء دونهم
فليتك دونك بيدا دونها بيدُ
لكم هو مخزٍ وشنيع ما تقوم به الدار المصرية اللبنانية من بتر وحذف وتغيير في نصوص ألف ليلة وليلة ! فليس الكتاب كتابها وليس المحتوى من إنشائها فلماذا تقوم بكل هذه التغييرات ؟ولماذا تُعيد نشره اذا كانت ترى أن نصوصه فيها فحش ومجون ؟ولماذا لا تنص على انهم حذفوا كل ما يرونه خادشا للحياء
في أحد قصص ألف ليلة وليلة تقرأ فيها أن البطل خرّ مغشيا عليه أكثر من عشرين مرة ! واذا ما صحا فإنه فورا ينشد قصائد الحب والغرام والوله والهيام، فيا لها من عوالم متشنّجة وهستيرية وتعاني من ضروب الهوس، فالحب المرضي يتبدّى في ألف ليلة وليلة كالمثال والنموذج لما يجب ان يكون عليه الحب !
صباح السبت دوما يبقيك أمام ذاتك وجها لوجها ! فلا عمل هناك ولا أحد من حولك فتبقى تعالج أزمتك الوجودية بحالتها الأنقى والأصفى ويعود السؤال الكبير مرة أخرى: ماذا أريد من هذه الحياة ؟