القانون الخامس والأربعون: أحيانًا تُعرف قيمة المرء عند الآخرين حين يرى كيف يعتنون بما يحبون. فبعض الأعذار لا تصمد طويلًا أمام مشاعرٍ تتقد حماسًا واهتمامًا في مكان آخر، بينما لا يصلك منها إلا الكلام.
هناك من ينتقد اكتئابك ويطالبك بالتغيّر، وهناك من يجلس إلى جوارك، يفهمك دون أن يحاكمك، يحتضنك برفق، ويُريك الجمال المختبئ في كل شيء. هناك من يُبدّل عالمك دون أن يُشعرك أنك عبء، ينزع عن قلبك القبور، ويزرع مكانها أزهارًا. لا تشكّ لحظةً في استحقاقك ولا تستسلم لضيق ما يجود به القدر.
كان هناك وقتٌ ما أصبح فيه الخيط الفاصل بين الحقيقة والوهم ضبابيًا لا يُرى. لم تعد أفعال البشر وكلماتهم تتفق على إيصال المعنى ذاته، وأصبحت مصداقية الرسائل أمرًا ملتبسًا ومعقّدًا، لا سيّما حين تُوضع النقطة الأخيرة وتُعاد قراءة القصة من جديد. بعد ذلك الوقت، لم أعد أُكترث كثيرًا لمسألة التصديق. تعلّمت أن الإيمان بالبشر لا يجلب فائدة، وأن عدم التصديق درعٌ صلب يحميني من الأذى. لهذا، في هذه الحياة، أتظاهر أحيانًا بالتصديق، وأُظهر أحيانًا أخرى عدم تصديقي، وأُبدي الشك متى شئت. لربما كانت الأمور أفضل لو كان الجميع مثلي، بإمكانهم تأدية دورهم البشري بإتقانٍ واتساق، متى ما أرادوا.
أعتقد أن تظاهرنا بالحياة مجهودٌ مرهقٌ بحدّ ذاته. لذا لا حاجة لافتعال الاهتمام بأشياء نرجو أن تهبنا التغيير والرضا. ولا ضرورة للمضيّ في طرقٍ شاقّة أو خوض قتالٍ طويل، ولا للحزن على نتائج لم تُرضِنا رغم ما بذلناه.
ثم اعتقد أن الحياة قد ابتسمت له أخيرًا؛ فقد أنهى كل الدروس، وتخلّى حتى عن الرغبة في أي شيء. لم يعد هناك سبب يدفع الحياة لمحاولة خداعه. لا بدّ أن يكون للفرج يومٌ قد أتى. لكن ما حدث هو أنه طُعِن مجددًا، وأُلقي بدموعه اللامتناهية إلى هاوية اليأس التام.
على خلاف الآخرين، يبدو له أن السعادة لا تُنال إلا لو وُلد من جديد وعاش حياة أخرى مغايرة. لذلك، حين تجتاحه الرغبة بأمرٍ ما ويُقابل بالرفض، يهمس له بروده: لا عليك؛ لا شيء يستحق انفعالك، لن تكون سعيدًا على أيّ حال.
لا أطمع بالكثير يا الله، أرجو فقط أن تبارك في جهدي وتعبِي، وتُريني ثمرة سعيي، لأطمئنَّ أنَّك ما زلتَ معي، توفقني وتعينني. فبرحمتك أستمدّ سكينتي وثقتي، وبك أستقوي إذا خذلني العالم من حولي.
ليس لأن التسامح طبعُه، ولا لأن تلك الأماكن استثناءً، بل لأن الذاكرة لا تُحيي الألم، ولأن للنهايات أحيانًا مواعيد لا يرغب بتقديمها. لكن حين يُقابل الوضوح بالصمت، وتُجاب المشاعر بادّعاء المظلوميّة، ويصبح الحضور بلا جدوى، حينها لا بدّ أن يسأم... ويرحل.
ليست الطيبة ما يميّز ذلك القلب، بل قدرته على نسيان ما يؤذيه. إنه لا يجيد تخزين الذكريات المؤلمة؛ كلما حاول أن يحقد، أن يتذكّر، أن لا يسامح، استيقظ في اليوم التالي خفيفًا، يحمل فقط بقايا شعورٍ غامضٍ بأن هناك ما كان يؤلمه. يظلّ أحيانًا في أماكن لم تعد تستحق وجوده؛