أنا سافرت ٦ زيارات سياحية للسعودية من سنة ٢٠٢٢، وحزين إن اللي بيكتشفها دلوقتي الأوروبيين مش العرب!
أقدر أقول إنها رحلة لفهم الذات والهوية أنصح بيها أي عربي مرة على الأقل في العمر، ودي أسبابي:
١. الناس.. الناس.. الناس..
دايما كنت بغير من الأوروبيين إن شعوبهم بينها كل التوافق والحب ده وهما كانوا لسه بيدبحوا في بعض من ٨٠ سنة، وكان نفسي أحس بنفس الألفة وسط عرب شبهي. أنا زرت ٧ بلاد أوروبية، كلها في غاية الجمال لكن فيها كلها كنت بحس إني دخيل وكل مكان/شخص بيفكرني إن ده مش مكاني.
السعوديين فيهم طيب نفس ونُبل أنا مشفتوش في شعب قبل كده، ويحضرني صديقي القصيمي اللي أهداني من تمر مزرعتهم وقالي إن دي أغلى حا��ة يحب يقدمهالي لأنها ثمرة اجتهاده هو وعيلته في الزراعة. والله العظيم فضلت حاسس إني شايل في إيدي جوهرة من صدق المحبة اللي شفتها منه!
الناس هما السبب اللي كان بيخلي أرجع تاني وتالت، علشان حسيت إن ليا صحاب وأهل مينفعش أغيب عنهم، وبستنى زيارتهم في القاهرة.
٢. الإرث المشترك
برغم إنها معلومة بديهية بس استيعابها كان شيء صادم بالنسبالي: السعودية أكتر بلد أنا حافظ تاريخه وأفكاره؛ التاريخ الإسلامي والشعري والأدبي اللي أنا عارفه وبحبه حصل هناك. علشان أزور هولندا بذلت مجهود علشان يبقى عندي ١٪ فهم للبلد، لكن مع السعودية أنا في مكان مألوف وعارف قصصه ومدنه من قبل حتى ما أزوره. فيه ناس قابلتهم أنا حافظ أشعار أجدادهم، وناس من نسل صحابة ليهم في قلبي حب وتقدير. مفيش بقعة تانية في العالم أنا عارفها وعارف أهلها للدرجادي!
٣. رحلة مع الهوية
اكتشفت قد إيه مفهوم "العروبة-الإسلام" قريب وبعيد.
كنت فاكر إن شخص زيي مهتم باللغة وحياة العرب هيبقى سهل عليه الاندماج، لكن لما اتعاملت مع اللهجات والعادات أدركت إني معرفش غير قشور وتصوراتي عن عهد الرسول تكاد تكون كرتونية.
الجميل إني لما قضيت وقت مع أهل البلد اتفتحتلي معاني في فهم القرآن والأدب والسُنة مكنتش أتصور حتى إنها موجودة، وبقى ليها حلاوة في قلبي مش هعرف أوصفها؛ بقيت فاهم أبعاد هويتي العربية/الإسلامية بشكل واقعي نابع من بيئته.
٤. اتعلّمت أحب مصر أكتر
لما سافرت كان عندي التص��ر البسيط بتاع النيل والخُضرة حلوة، والصحرا والجِمال بدائية ووحشة. لحد ما بدأت أخرج مع الشباب للبَر والصحرا وأشوف اعتزازهم بيها و��نها مكوّن مهم من شخصيتهم، ولما قارنت نفسي بيهم لم أجد عندي نفس الانتماء ده للزرع والغيط، ولقيت جواهم حب للإبل يصل لأسمى درجات الصداقة، ولم أجد عندي نفس الحب لكائن غير الإنسان.
للحظة حسيت إني اتعريت وكنت مستخبي ورا فكرة ساذجة أنا نفسي مش ممتثل بيها، بس خلاني برضو أراجع كتير من مفاهيمي عن يعني إيه أنا مصري، وإيه اللي بيحبه المصري، وليه بيحبه؟ اكتشفت جوايا حب مهول لحاجات في مصر كانت غايبة عن عيني لأني كنت واخدها مُسلمات مُتوارثة. لما بتشوف المختلف عنك بتفهم نفسك أفضل.
٥- السعودية مش دولة، دي قارة مُصغرة.
فيه سوء فهم أدركته مع الوقت، وهو إن السعودية مش بس المنطق�� اللي حصلت فيها أحداث السيرة النبوية، دي مساحة شاسعة من الأراضي والقبائل والأفكار اللي متقدرش تلخّصها في زيارة ولا عشرة. طيب ليه ده جميل؟
لأنك بدل ما هتكون بتزور بلد واحدة، هتبقى كأنك بتتنقل بين بلاد كتير.
ولو أنت محب للعربية هتكتشف قد إيه هي لغة عبقرية ومرنة وقادرة تاخد أشكال مختلفة للمناطق المختلفة، ومع ذلك محافظة على جمالها وفصاحتها.
٦- فهمت دوري تجاه تراثي
الملفت في الشباب السعودي اللي قابلتهم إنهم منفتحين وبيمارسوا حياة معاصرة زينا، وبجانب ده محافظين على تراثهم وبيحترموه ومش بيفصلوا بين الفكرتين. ده خلاني أواجه نفسي بسؤال: هل أقدر أنا كمان أحافظ على تراثي خارج إطار "الفلكلور"؟ أقدر أروح فرح فخم بجلابية، ولا أعرف حتى أجدادي كانوا جايين منين وإيه أخلاقهم وأفكارهم؟
اهتمامي بحاجات زي تفصيل الجلابية المصري، وزيارة المعابد الفرعوني، وتعلم التحطيب كلها بدأت من بعدما أدركت إني أقدر أكون مُعاصر مُعتز بتراثه.
------
مع إنه بوست مش بيإذي حد لكن متأكد إني فيه ناس هتاخده في غير سياقه وهدفه، بس عموما أنا مُصر أكتبه لأني كان نفس حد يعرفني ��فس الكلام ده من سنين.
السعودية من البلاد اللي مكنش عندي أي اهتمام لزيارتها لدرجة النفور، لكن حصلت صدفة خلتني أزورها وأتعرف على شعبها وأصحح كتير من المفاهيم الساذجة اللي كانت عندي.
دي رسالة لأي حد عاقل بيقرا كلامي..
سيبك من الحماقات اللي على الانترنت ومتفوتش على نفسك زيارة السعودية، ومقصدش مكة والمدينة فقط، لكن المملكة كلها تجربة فريدة لأي عربي.
"أعوذ بالله من أعِين تترقب حياتنا و كأن��ا تنتظر تدميرها ومن أنفس تحزّن لتوفيقنا و كأنها تسعى لمنعها ، أعوذ بالله من قلوب يملؤها مرض الحسد وينقصها ما عندنا رغم ما عندها ، اللهم أكفنا إياهم اللهم أكفنا شر خلقك و أشغلهم في