-الأهل-
البيت حاضنة مؤثثة بمحفزات الذاكرة الحسية؛ رائحة المطبخ، ضوء الشمس الساقط على الأرضية، البلاطات المشروخة. كل هذه الأشياء مؤثرات على جهازنا النفسي. من يزور بيت أهله، بعد أن كان قد شبّ وخرج منه، تستجيب مستقبلاته الحسية لهذه المحفزات فيعيش حالة من النكوص المكاني-النفسي، إذ ينفصل جزئيا عن ذاته الحاضرة، لتستدعي ذاكرته الجسد-عاطفية نسخة أقدم من نفسه، ربما ليست أصيلة لكنها طبيعية وحقيقية.
-الجنة-
آدم وحواء لم يُطردا من الجنة، لقد نضجا فخرجا منها بملء إرادتيهما. نحن أيضاً خرجنا من جنّتنا الأولى، بيت الأهل، لأننا ابتغينا الاستقلال وبناء الذات. نحن أيضا أكلنا التفاحة فتجاسرنا على الهجرة من قلعة الأمان وركبنا سفينة الحرية، تعصف بها أمواج الحيرة في بحر اللامضمون. وكما أن المغادرة ليست غدرا، كذلك المعاودة ليست عَودا. حين نعود مشتاقين لبيت أهلنا فنحن لا نحِنّ للأب والأمّ فقط، بل نحِنّ كذلك للأنا التي تعيش في جنّتها الدافئة وسط الدلال واللامسؤولية.
-الرحم-
في رحم أمهاتنا كنا عراة، وحين وُلدنا أثقلونا باللباس. كذلك آدم وحواء كانا عاريين في الجنّة، وحين غادراها، تغطيّا. حين نعبر باب بيت أهلنا إلى الداخل، نتعرّى، نخلع عنا لباس النضج، نتخفف من عبء القرارات، من قلق المنافسة، من صراع المكانة، من تمثيل الأدوار. بيت الأهل هو الرحم الذي نذوق فيه طعم البراءة مرة أخرى، إنه حِجر الإطمئنان الذي تكتمل فردانيتنا بهجره، وتكتمل إنسانيتنا بالإشتياق إليه.
-الكهف-
في كهف أفلاطون، كبُر الشاب فكسر قيود الراحة والخوف، وغادر رفاقه. وبعد أن استكشف العالم الخارجي بدروبه وخياراته، واختبر حذره وقوته، أرهقت أشعة الشمس عينيه، فعاد إلى كهفه طمعا في الظل والبرودة والسكون، ليجد أحضان الرفاق مشرعة لاستقباله. بعد أن استراح، تحلّقوا حوله فغازل خيالهم بحكاياه عن مغامراته ومشاهداته. وحين ناموا تلك الليلة، كان كل واحد منهم يحلم بقصص بطولاته التي سيحققها في عالم النور والتعب.
-الطفل-
عندما نلِج بيت الأهل نعود إلى وضعية نفسية شبه جنينية؛ نجد أنفسنا محاطين بمن يطهو لنا، من يهتم بنا، من يسأل عنا، من يعرفنا قبل أن نعرف أنفسنا. لذا نجد جزء من وعينا وسلوكنا يرتدّ إلى الطفولة، لأن نفوسنا الموتورة تركن إلى الاسترخاء قليلا من جهد التسلق نحو الأمجاد المنتظرة. النكوص هنا ارتياحي وليس مَرَضي، تنطفئ فيه الجدية وتتعطل الشجاعة وتتقوّض العقلانية، وحتى اللهجة يتكسر بياضها.
-الشعر-
العرب تسمي الشطر الشعري ”بيت“، ربما لأننا نجد في الشعر محطة راحة من نفعية اللغة وفعاليتها، فحين نقول شعرا نحن نمارس طفولة لغوية، نتلاعب بالكلمات ونشاغب المعاني، وكأننا صِبْية مستهترون اطمأنوا أن هذه اللغة هي أمّ رؤوم تحتوي تعابثهم وتتفهم استخفافهم. في البيت الشعري نتعرّى من ثياب التقرير والتنوير واليقين، لنعيش الهشاشة والقلق والتوهم، بحريّة وأمان.
-العش-
محمود درويش إنتبه لهذا الحنين النكوصي، فعبّر عنه بلكنة طفولية تقلب بيت الأهل إلى عُشّ عصافير. تقول أبياته (أو ربما أعشاشه):
-أحنّ إلى خبز أمي
وقهوة أمي
ولمسة أمي
وتكبر فيّ الطفولة
يوما على صدر يومِ
-هرمت، فرُدّي نجوم الطفولة
حتى أُشاركْ
صغار العصافير
درب الرجوع..
لعُشّ انتظاركْ!