ابنتي الغالية ؛
استوقفتني اليوم آية عظيمة من سورة الزخرف:
﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾
وكأن الله سبحانه وتعالى يقول:
هل لأنكم أخطأتم كثيرًا، أو ابتعدتم، أو فقدتم الأمل، سأترككم بلا تذكير ولا رحمة؟
أبدًا.
بل لعل الإنسان يكون في أشد الحاجة إلى رحمة الله وتذكيره حين يظن أن كل شيء قد انتهى.
فليست الآية عن المعاصي فقط، بل عن كل لحظة يأس يمر بها الإنسان.
حين تظنين أن النجاح أصبح مستحيلًا…
أو أن باب الرزق لن يُفتح…
أو أن حلمًا طال انتظاره لن يتحقق…
أو أن طريقًا أغلق إلى الأبد…
وكم من إنسان ظن أن قصة انتهت، فإذا بالأيام تكتب لها فصلًا جديدًا
وكم من أناس ظنوا أن الطريق انتهى، فإذا به يبدأ من جديد.
تذكري أن الله لا يترك عباده عند انكسارهم.
لذلك لا تجعلي كثرة التعثر سببًا لفقدان الأمل.
فمن معاني هذه الآية الجميلة أن:
رحمة الله لا تبتعد عنك لأنك تعثرت، بل قد تكون أقرب إليك في اللحظة التي تظن فيها أنها أبعد ما تكون.
ما ضَرّك لو لَم تنجز اليوم شيئًا؟
ألَستَ نَوَيت، صَلّيت، سَعَيت، ساعَدت، حاوَلت، دَرست، قرأت، رَتّبت، قَدَّمت، ذَكَرت، دَعَوت، سَجَدت، راجَعتَ، جَهّزت، لعلّك فعلت واحدًا منها، ولو كان صغيرًا، لستَ آلةً يا فَتىٰ، ما ضرّك القليل الصّادق، يبلغُ "المُحاول" ما لا يبلغه كثير الشكوى.
لقد وفّيتَ يا ساروتُ فانعَمْ
بما قدّمتَ، بعضُ الموتِ عِتقُ..
وداعاً، لم تَمُتْ إلا لتحيا
وقلبكَ لم يَزل فينا يَدقُّ
إذا الدنيا بكتهُ بكلّ عينٍ
فجنّاتُ النعيمِ بهِ أحقُّ..
ودعت غزة يوم ودعتها مريضةً قاصدة العلاج، وهي يومئذ والدة ناجي، أسير في سجون الاحتلال، ويودعها صالح، ابنها المشاغب الذي يهدده العدو دون هوادة، وعليّ، الفتى الصغير.
..
بعد عامين تعود إلى غزة، بعد رحلة علاج، وهي يومئذ والدة صالح، شهيد برصاص أعوان الاحتلال، ويستقبلها ناجي، ولدها الأسير الذي حررته دماء صالح وإخوته، وعليّ، الرجل الصغير.
..
كأن على الأم في غزة أن تبدل بين بلاءاتها، وأن تودع بيد غير التي تستقبلها، أما التي ودعتها فلم تستطع وداعها! تروح في بلاء وتغدو ببلاء غيره، وتسكب دمعًا غير الذي ذرفته من قبل، وقلبها يفتئد في هذه بجمرٍ جديد، كأن الفحم الأول لم يكن يكفي، ثمة جذوة جديدة تضاف دائمًا، وزيتٌ يصبُّ فلا يعتق.
..
في العناق الأول كانت تبحث عن ناجي في صدر صالح وعلي، وفي العناق الثاني تبحث عن صالح في صدر ناجي وعلي، وهي بين العناقين وبعدهما تبحث عن قطعةٍ منها؛ يقولون: "في الجنة".
لعلّها ليست أحسن أيّامك..
نعم، لعلّ التّحدّيات التي فيها قد زادت، وأحمالها كَثُرَت، لعلّك تُطيل التّفكير، تسهر اللّيل، تَسرَح بعيدًا، تَفصِلُ كثيرًا، تعيش بعقلك عالَمًا مختَلِفًا، تُحاول كلّ لحظة، تحبس دمعةً دافئة، تبتسم ثُقلًا، تجتهد فِعلًا، تَحمِلُ حِرصًا، تهرُبُ مِنكَ وتعودُ إلَيك، تشعر بمسؤوليّةٍ عالية، كأنّ في صدرك ألف قلب، بين ماضٍ لَم يَمضِ بعد، وحاضرٍ يحمِلُ الهَمّ والسَّعد، وقادم يُرَتَّبُ له ويُعَدّ، بين هذا كلّه يا فَتىٰ، أُذكّرك بك، لا أضاع الله تَعَبَك، لا بأس على قلبك مهما ثَقُل، فميزان الصابرين أثقل! لا حُرمنا هِمّتَك.
الجريمة التي ارتكبها النظام النصيري -نظام الأسد- في حق العائلة الشريفة: (رانيا العباسي وزوجها عبد الرحمن ياسين وأطفالهم الورود) تزيد المؤكد تأكيداً حول مقدار طغيان النظام البائد وعظيم النعمة على السوريين وعموم المسلمين بتحرير سوريا.
ونعزي عائلتهم الكريمة ونسأل الله أن يجبر مصابهم