يا كلّ الإخوةِ يا بدرُ..
بدر العباسي، ذلك النور الذي انطفأ من بيننا، فترك في النفوس عتمة وفي العيون دمعاً لا يجف. هو رجلٌ محبّ للحياة، طيب المعشر، خفيف الروح، يسير بين الناس وكأنه يحمل في قلبه واحة من السلام والبهجة.
لم يكن يرى وجهاً شاحباً إلا وحاول أن يبث فيه الفرح، ولم يعلم بضائقة إلا وكان الأسبق إلى مساعدة المحتاجين وجبر خواطرهم، صادقاً، قريباً من النفس، شهماً مع أصحابه ومع كل من وضع القدر في طريقه عابراً كان أو مقيماً.
عاش بدر العباسي بسيطاً، يبتعد بنفسه عن كبرياء المظاهر، خفيفاً على الروح، حتى وهو يثقله المرض كان قريباً من الوجدان كأنه أخٌ للجميع، رحل بذات الطريقة التي عاش بها؛ هادئاً, نقياً، كالغيث الذي يروي الأرض ويرحل قبل أن يبصر الناس أثره. نسأل الله العلي القدير أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يثبته عند السؤال، ويكرم نزله في أعلى جنات الخلد.
يُعدّ الراحل أحد الرواد المخلصين في تنمية صناعة الإعلان في السعودية، حيث أمضى شطراً من عمره في صحيفتي "عكاظ" و"المدينة" كصحفي وكمدير للإعلانات. ساهم بجهده وعرقه في تأسيس بنود هذه المهنة وتنميتها وتطوير قطاع الإعلانات الصحفية عندما كانت غريبة نوعاً ما على عالم الصحافة المحلية، فترك بصمة رائدة تظل شاهدة على أمانته ووفائه لمهنته.
يمثّل الفقيد مدرسة في الوفاء الأصيل؛ ولعلّ من أبرز شواهد هذا النبل، هو ذلك الكتاب التوثيقي الذي سطّره بمداد من التقدير عن مسيرة معالي الوزير الراحل أحمد صلاح جمجوم. ولم يقف وفاؤه عند هذا الحد، بل سجلتُ معه عشرات المقاطع المرئية كتوثيق تاريخي لوقائع بعض تاريخنا الصحفي والثقافي والمعرفي، فقد تميّز بحرصه الشديد على نشر المعلومات الصحيحة التي يحتاج إليها الناس من خلال الرجال الذين عاصرهم أو عمل معهم.
حمل بدر قلباً يتّسع للدنيا بأسرها، فقد كان حريصاً على زرع الطمأنينة وإدخال السرور على كل نفس يقابلها. ارتبط اسمه بالخير والأيام المباركة، فكانت ذكريات رمضان تزدان بوجوده وعطائه، وكان سبّاقاً لزيارة دار الأيتام، يمسح على رؤوس الأطفال، يقاسمهم الابتسامة، ويصنع لهم من حنانه عيداً، مؤمناً بأن جبر الخواطر من أعظم القربات إلى الله.
كان الراحل، يرحمه الله، مثالاً في التواضع والرقي الإنساني؛ فكان كريماً وجوداً ونفساً، ملتفتاً إلى الصغير والكبير، معاملاً الناس كلهم بدرجة واحدة من الأدب والأخلاق العالية. لم يميّز يوماً بين البشر بناءً على منصب أو جاه؛ بل إن حديثه مع العامل البسيط كان يفيض بذات الاحترام والتقدير الذي يلقى به المسؤول الكبير، متسلّحاً بنبل سريرته التي لم تتغير يوماً.
كنا نحن أصحابه قد نخجل أو نتحاشى المزاح مع بعضنا البعض حياءً أو تهيباً، ولكننا كنا كلنا نحب المزاح مع بدر ونقبل عليه؛ لأنه صاحب قلب كبير، ونثق تماماً بنضج عقله وسعة صدره التي تستوعب كل جوانب المزاح والقفشات والدعابات دون أي كدر. فوق خفة ظلّه، كان بدراً مرجعاً ومستودعاً للمعلومات التاريخية، فقد عاصر الكثير من الأحداث العميقة والقصص الشائقة التي كنا نتشوق دائماً إلى سماعها وتأملها منه.
إن رحيل بدر يترك خلفه فراغاً في كل الميادين التي ألِفت خطاه؛ فقد كان صاحب الواجب الذي لا تغيب شمسه، فلا تفوته جنازة ولا يغيب عن عزاء لأحد من أصحابه.
ها هي الجموع اليوم تصطفّ وعيونها تفيض بالدمع لتشييعه والعزاء فيه، وكأن المجتمع يرد له الجميل؛ فبدرٌ لا يسدّ مكانه إلا بدر، ولن يقوى أحدٌ من أصحابنا على ملء هذا الفراغ الكبير الذي تركه برحيله.
لقد تأكّد إيمان بدر الصادق في السنتين الأخيرتين من حياته حين حاصرته الأمراض وداهمت "الغرغرينا" رجله، فكان مثالاً يُحتذى في الصبر والاحتساب. لم يتبرم ولم يشكُ، بل ظلّ يردد دوماً بيقين المؤمن: "الحمد لله، أنا بنعمة وخير". رغم الأوجاع الشديدة، إلا أنه كان أكثرنا ابتسامة وأشدنا إشراقاً، يطلّ في مقاطع وسائل التواصل الاجتماعي كقدوة حية نتعلم منها الرضا بالقضاء والقدر.
بعد أيام قليلة، سأعود إلى جدة، ولكن كيف أتصور وجه المدينة بدون ملامح بدر؟ كيف أتصور شوارعها ومجالسها وقد غاب عنها أحد أوتادها؟ سيكون المطعم الذي نلتقي فيه بارداً، والطرقات موحشة، فجدة التي عهدناها بك لم تعد هي ذاتها بعد غيابك.
اليوم، نذكر بدراً بكل طهر ونقاء، رجلٌ لم يعرف الغلّ إلى قلبه سبيلاً. قَدَّمَ بدرٌ إلى ما قَدَّمَ وفارق الدنيا، فللهِ ما أخذ، وللهِ ما أعطى، وكلّ شيءٍ عنده بأجلٍ مسمّى. إنا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله حمداً كثيراً أنه ذهب إلى ربٍّ رحيم ودود، هو أرحم به من الأمهات بأولادهنّ. أما نحن أصحابه وأهله ومحبوه فالله يرزقنا الصبر والسلوان ويجعلها آخر الأحزان .
اللهم اغفر لبدر وارفع درجته واجعل ما أصابه كفارةً له ورفعةً في درجاته، واغفر لجميع موتانا، وارحمنا جميعاً إذا صرنا إلى ما صاروا إليه، قولوا آمين.
طويت صفحة غرامك وانتهى المشوار
وصحيت من حلمٍ أعمى كنت أداريه
غديت مثل الذي طال الرجاء ب أسوار
لين استوعب إن السراب ما يرويه
ما عاد لي في رجا وصلك ولا تكرار
قلبٍ عطيته وفاء ما تستحق تشريْه
رح بمان الكريم ولا تسوق أعذار
الطيب فيك ضاع والوقت يمحيه