الوصول إلى القمة الخطأ
أ.د. فراس محمد
شرق وغرب
سنوات طويلة وكلٌ منا يرتقي سلماً للوصول إلى القمة، وكثير منا عندما يبلغها – بالحصول على ترقية طاردها عشر سنوات، أو بيتا لطالما حلم به فاشتراه، أو جائزة خطط لها طويلاً وأخيراً حصل عليها ـ يراوده شعور باهت، وصمت يلوح بعده سؤال يقول: ثم ماذا؟ وهل يستحق هذا كل ما مضى؟
هذا الصمت الذي يعقب الانتصار ليس خللاً وعيباً في صاحبه، بل إشارة لابد من الانتباه لها، وقد صورها الكاتب ستيفن كوفي في مشهد مؤلم، حين شبّه النجاح بصعود سلم، ثم سأل: «ما قيمة أن تتسلقه بسرعةٍ وبراعة، إن كان مسنداً إلى الجدار الخطأ؟ فكل درجة تقطعها حينئذ لا تقربك من حلمك، بل تسرع بك نحو المكان الذي لم ترده قط».
ما يجعلنا نفكر في كلامه أن كثيراً منا لم يضع السلم على الجدار بنفسه، فكثير من أحلامنا هي ليست أحلامنا في الأساس، فهي بين أمنيات أب لم يحققها وأراد من ابنه تحقيقها، أو في أحيان كثيرة عبارة عن تطلعات تفرضها بيئة تقيس الإنسان بوظيفته أو بما بقدر ما يملكه من مال، أو في أحيان تكون عبارة عن صورة نسجها غيرنا عنا، فصدقناها وبدأنا نسعى لاستكمالها، نختار تخصصات دراسية لأنها مضمونة النجاح، أو وظائف لأنها محترمة اجتماعياً، أو مسار لا نعرف شيئاً عنه، لكن الجميع يسلكه، لنبدأ بوضع أرجلنا على أول درجات السلم، وما أن نقضي ربع قرن من الزمن نرتقي الدرجات واحدة تلو الأخرى، ونتقن الصعود، نتفاجأ بأننا نصعد في اتجاه لم يكن اتجاهنا، ولأن كلفة الصعود كانت باهظة، نتشبث بالسلم – مع علمنا أننا نصعد به إلى غير اتجاهنا – لكننا بذلنا العمر والتضحيات فيه، وبذلك وبسبب تكلفة الصعود الغالية، لا يمكننا أن نعترف أن بداية الطريق كانت خاطئة، فعلماء النفس يسمون هذه الحالة بـ «مغالطة التكلفة الغارقة»، أي لابد أن نكمل السير في الطريق الخطأ لمجرد أننا قطعنا فيه شوطاً، وبذلك نضيف خسارة إلى الخسارة، ونعتقد أن الثبات على الطريق شجاعة وهو في حقيقته خوف من إعادة الحساب والتراجع.
الأفضل من هذا الحال، لو يقف كل منا مع نفسه وقفة ويسأل نفسه سؤالاً واحداً: «ماذا لو كنت أصعد السلم الخطأ؟» قد يبدو أنه سؤال خطر لأننا قد نكتشف أن الإجابة هي «نعم» لكن في حقيقة الأمر هو أصدق وأهم سؤال، وحتى لو كانت الإجابة نعم، وتسببت في ترك السلم والبحث عن السلم المناسب، فإننا لن نلغي ما أنجزناه سابقاً، لأننا عندما صعدنا في أول سلم اكتسبنا مهارة الصعود، وهي مهارة لم تكن لدينا سابقاً ويمكننا استخدامها الآن لصعود سلم آخر، ومن يطرح على نفسه هذا السؤال وهو في الأربعين من عمره، هو أفضل ممن يطرحه في الخمسين، ومن يطرحه في الخمسين هو أوفر حظاً ممن يطرحه في السبعين حين لا يبقى المزيد من الوقت.
عندما يداهمك ذلك السؤال الثقيل في بداية الصباح أو منتصف الليل، لا تطرده، بل اجلس معه، فهو ليس مصدر تهديد، بل دليل أمين جاء متأخراً لينقذ ما تبقى، فالإجابة مهما كانت مؤلمة، ستكون أقل ألماً بكثير من ألم وصولك إلى القمة فتكتشف أنها القمة الخطأ.
اقتصاد تمرير الألم
أ.د. فراس محمد
شرق وغرب
«لا أريد أكثر من حماية نفسي» عبارة يقولها أكثر الناس لآخرين، قد تبدو مقبولة ومشروعة، لكن خلفها يختبئ مفهوم قاسٍ، فيه نوع من العنف غير الصريح، وقسوة لا تصدر ضجيجاً، لكنها كفيلة بتحويل المجتمع إلى ساحة صراع، يحاول فيها كل فرد النجاة على حساب الآخر.
في الظاهر يبدو الأمر طبيعياً، كل إنسان يواجه أعباء الحياة المتزايدة، يرفع سقف طلباته، أو يظهر شدة في الحصول على حقه، وقد يظهر رحمة أقل، ليغطي نفقاته، وهنا لا يشعر أحد أنه مارس ظلماً، فهو لا يريد أكثر من البقاء. إلا أن الجميع يفعلون الشيء نفسه في الوقت نفسه، فيتضخم الأمر ويتزايد، فما يفرضه على الآخرين ويحمله إياهم ليتخلص منه، الآخرون أنفسهم يحملونه شيئاً آخر أُلقي عليه ومن باب آخر، ليعود ويشتكي من ضائقة أخرى ولا يدرك أنه أحد صانعيها بشكل غير مباشر. وهكذا تتشكل دائرة مغلقة، كل فرد فيها يمرر أزمته لآخر، فتتحرك أزمته في دائرة تعود إلى نقطة انطلاقها، وبذلك لا أحد يربح، والكل يتبادل الأذى، في الوقت الذي يحسبون جميعاً أنهم يفعلون ذلك للنجاة. هذا السلوك الاقتصادي بين أفراد المجتمع شبيه جداً بـ»اقتصاد تمرير الألم» وهو تعبير وصفي يستخدم في عالم الاقتصاد والسياسة للدلالة على أن جهة ما تتجنب تحمل تكلفة الأزمة، فتنقلها إلى جهة أضعف منها، بمعنى أن كل طرف يمرر أزمته إلى الطرف الذي يليه بدلاً من أن يتحمل هو الأزمة. وهكذا الطرف التالي يحمل أزمته لمن يليه. هذا السلوك يختلف ظهوره وقوته في المجتمعات تبعاً لإدراك المجتمع نفسه لأفعاله، ولتدخل الدولة والسيطرة عليه، لكنه موجود في كل المجتمعات بدون استثناء، فنجده اليوم ظاهراً بقوة في الدول التي ينهار اقتصادها، والدول التي يسيطر عليها الفاسدون ويديرها اللصوص، بينما هو أضعف في الدول التي تراقب أنشطتها الاقتصادية وتتدخل وتحاسب.
القضية لا تتعلق في إنسان يسعى للربح، ليحسن حياته، لأن هذا حق لا يختلف عليه أحد، لكن القضية في معرفة الفاصل بين الربح والجشع، وبين أن تأخذ حقك وتستنزف المقابل. ومع ممارسة السلوك المذموم، تتحول الرحمة إلى ضعف، والقناعة إلى سذاجة، ويصبح النجاح يقاس بمقدار ما ينتزع من المقابل، فيتحول المجتمع ببطء إلى ما يمكن أن نطلق عليه التوحش، ويظهر هنا سؤال: هل الظروف الصعبة تبرر قسوة بعضنا على بعض؟ الجواب علينا أن ندرك أن المجتمع لا ينجو أفراده إلا إذا أدركوا أن مصالحهم متشابكة، وأن النجاة لا تكون فردية، بل جماعية، ولا أدعو هنا أن يتنازل كل فرد عن حقوقه، ولا إلى أن يخسر، ولكن أدعو كل فرد ليعي أن للطمع كلفة لا تسقط على فراغ، بل تدور بيننا في دائرة تعود بها إليه.
حياة مؤجلة إلى إشعار آخر
أ.د. فراس محمد
شرق وغرب
قطعة ثياب اشتريتها بعد أن جذبتني وهي معروضة في أحد محلات الملابس، وبعد أن وصلت إلى البيت علقتها بانتظار مناسبة تستحق أن تلبس لها هذه القطعة، فمرت الأيام والقطعة معلقة كما هي تنتظر اليوم الذي لم يأتِ بَعد، إنها ليست قطعة قماش، بل هي صورة مصغرة لحياتنا وطريقة عيشها، نحتفظ بأفضل ما لدينا للحظة نظنها أجمل وأرقى من حاضرنا، فيمر حاضرنا دون أن نستمتع بما لدينا، بينما ما لدينا يذوب ويذبل في مخبئه دون أن نلمسه.
كم مرة قلنا لأنفسنا عبارات مثل: سأفعل ذلك بمجرد أن تهدأ الظروف، وأزور فلاناً وفلانة بمجرد أن يخف ضغط العمل، وسأسافر بعد أن يتخرج ابني، إلا أن الظروف لم تهدأ، وضغط العمل لم يخف، وتخرج الابن، لكن ظهرت التزامات أخرى، فصارت حياتنا مؤجلة، حتى وصلنا إلى مرحلة لا تهمنا فيها الظروف العامة، لأن ظروفنا أشد وأصعب، وضغط العمل انتهى؛ لأننا خرجنا من العمل بسبب عدم قدرتنا عليه، والالتزامات انتهت وأصبحنا نحن التزاماً على آخرين، وبقي ما أجلناه مؤجلاً إلى موعد مجهول، وسبب كل ذلك أن كل واحد منا في داخله قناعة لا يجرؤ على التصريح بها، وهي أن الحياة الحقيقية لم تبدأ بعد، وأن ما نعيشه الآن هو مجرد مرحلة مؤقتة سنجتازها على عجل، لتبدأ بعدها الحياة الحقيقية، والمراحل عبارة عن منعطفات، سداد القرض، شراء البيت، تخرج الأولاد، زواج الأولاد، وكلما اقتربنا من نهاية منعطف تحرك إلى الأمام، وبعد أن نجتازه يظهر منعطف آخر، ولا نشعر إلا ونحن في آخر الطريق، فنكتشف أن الحياة الحقيقية هي الحياة التي مضت ولم نعشها، وما كنا نؤمل النفس فيها، هي وهم، هذا ليس ضرباً من ضروب الفلسفة، إنما هو واقعنا، نشعر في داخلنا أن السعادة والفرح يحتاجان إلى موافقة وإذن، وأن الراحة لا نستحقها إلا بعد تحقيق كل الالتزامات، نشعر أننا نؤجل؛ لأننا ندير أمورنا بشكل جيد وبحسابات دقيقة - وربما يصدق ذلك – لكن التأجيل يتكرر فيتحول إلى عادة نفسية، فإذا فرحنا وسعدنا قليلاً نشعر بتأنيب الضمير، وكأننا سرقنا هذه اللحظات.
لا أقول علينا التحرر من الالتزامات والأعباء، لأن هذا غير ممكن، لكن علينا أن نعرف أن ما نعيشه هو الحياة الحقيقية، وهي مليئة بالمشكلات، وانتظارنا لحياة خالية منها، أمر من الخيال، وعلينا أن نعيش حياتنا بمشكلاتها كما هي، ونصنع لأنفسنا مساحات للحياة داخل المشكلة نفسها، وألا ننتظر نهايتنا لنعيش، فيمكن أن نلبس الجديد في يوم عادي بدون مناسبة، فكل يوم نعيشه هو مناسبة.
*عميد كلية القانون - الجامعة الخليجية
لحظةٌ تحمل معنى خاصاً بالنسبة لي، وأنا أطلب من رئيس الجامعة الموقر منح درجة البكالوريوس في القانون لخريجي كلية القانون.
تمثل هذه المجموعة أول دورة لخريجي كلية القانون بعد إعادة افتتاحها في الجامعة الخليجية @gulf_university ضمن برنامج البكالوريوس الجديد، الذي تشرفت بأن أكون جزءاً من فريق إعداده منذ عام 2020، وصولاً إلى اعتماد البرنامج وإطلاقه عام 2022.
واليوم نرى ثمرة هذا العمل في خريجين نعتز بهم، ونأمل أن يكونوا إضافة متميزة إلى المهنة القانونية وخدمة المجتمع.
مبارك لخريجينا، ولأسرهم، ولكل من ساهم في هذه المسيرة.
مقالي اليوم في الوطن البحرينية
صامد اضطرارياً!
أ.د. فراس محمد
شرق وغرب
كم مرة جلست في سيارتك، بعد أن وصلت إلى بيتك، عائداً من عملك، وبقيت جالساً فيها دقائق، لا لأنك لا تريد لقاء أهل بيتك المنتظرين وصولك، بل لأنك تحتاج هذه الدقائق، لإعادة جمع ما تبقى منك، وترتيب ملامحك، لتنزل بعدها من سيارتك، وكأن شيئا لم يكن، وكم مرة رأيت شخصاً يفعل ذلك وأنت تراقب ما يفعله غيرك؟ وكم مرة تجهزت في الصباح الباكر لتذهب إلى عملك فاستغرقت وقتاً طويلاً في ارتداء حذائك، أكثر من وقتك الطبيعي بعشر مرات.
نحن أو غيرنا -إن كان ذلك الوصف لا ينطبق علينا- نظن خطأ أننا بخير، فقط لأننا لم نسقط، لكن ما تعلمناه متأخراً؛ ليس كل الذين يواصلون السير أقوياء، وليس من نراهم متأنقين واقفين بطريقة مستقيمة مشدودة، مرتاحين، نحن نواصل المسير، ونظهر بأفضل صورة، لأننا لا نملك رفاهية التوقف، وهذا هو الفارق بين من يصمد مختاراً الصمود، ومن يصمد لأن خلفه بيتاً كاملاً بكل أفراده ومتعلقاتهم، فإن وقع هو سيقع البيت بعده، لأنه يعرف جيداً أنه إذا توقف يوماً واحداً، سيؤثر ذلك على إيجار البيت، والكهرباء، وأقساط المدارس، وغيرها الكثير، لذا نحن لسنا أبطالاً، بل محاصرون بالمسؤوليات، نبتسم للآخرين، ونرد بلطف، وربما نبدو هادئين، لكن في داخلنا نجري حسابات مستمرة، الراتب، السوق المفاجئات، الأمراض والأدوية، وكل ما من شأنه أن يربك الميزانية أو يعيد تشكيلها، المتعب أكثر هو المحافظة على ألا يكتشف من حولنا أننا متعبون، لأننا الحل الدائم بالنسبة لهم، والسند الذي لا يتزحزح، ولا يمكن أن نحتمل شعورهم بالقلق، فسيكون ذلك حملاً فوق الحمل.
نحن لسنا دوماً آباء، قد نكون أماً وزوجة، لا تملك رفاهية التوقف لمرض، فمن سيطبخ ومن ينظف، ومن يرعى الصغار، فتطمئن الجميع وتأكل من جسدها لتصمد، وقد نكون ابناً صغيراً صار رجلاً قبل أوانه، لأن البيت يحتاج رجلاً، وقد نكون بنتاً وجدت نفسها تؤجل أحلامها إلى أجل غير مسمى، لتعيش الفترة التي تكبرها بسنين، لذا أكثرنا لا يكبر مع الأيام، بل مع المسؤوليات، ما يزيد الأمر سوءاً، أن صمودنا وما يبدو أنها قوتنا، تجعل الناس يثقلون علينا دون قصد، فمن لا يشتكي لا يسأله أحد، ومن يدبر أموره لا يعرض عليه أحد المساعدة، بل يقال له «أنت ما عليك خوف» مديح يسحب حقنا في أن نكون ضعفاء ولو لفترة بسيطة، فيكون ثمن الصمود الطويل غالياً، فالجسد ليس له صبر كما نصبر نحن.
ليس هذا الكلام دعوة للتذمر والتهرب من المسؤولية، فالمسؤولية شرف، وسعادة العطاء ترافق هذا التعب، لكن هناك خيطاً رفيعاً بين المسؤولية والاستنزاف، لابد من معرفته، فمن يشعر بك ويشكرك على عطائك، ينسيك ما مر بك، ويجعلك تستعيد طاقتك، ومن يرى أن بذلك وعطاءك واجب طبيعي لا يستحق أن يلتفت إليه، فهو يستنزفك، وإن فعل ذلك بدون قصد، كما أن هذا الكلام ليس دعوة لمن يبدون صامدين لينهاروا، لكنه دعوة لمن حولهم ليسألوا عن أحوالهم الحقيقة، لا أحوالهم الظاهرة، فمن يسند الجميع يحتاج بين الحين والآخر لمن يسنده، فليس كل صامد قوياً، هناك صامدون صموداً اضطرارياً.
* عميد كلية القانون – الجامعة الخليجية
مقالي اليوم في الوطن البحرينية
لم نعد نملك طاقةً للآخرين
أ.د. فراس محمد
شرق وغرب
ليس منا من أحد إلا وترك رسالة معلقة على واتساب لم يرد عليها، لساعات أو ربما لأيام، أو حتى مكالمة فائتة لم يرد عليها، أو مكالمة لابد من إجرائها أجلها، لا لأنه لا يحب مرسلها، بل لأنه يعرف مسبقاً أن الرد لن يكون قصيراً، أو أن المكالمة ستستغرق وقتاً طويلاً، لعتاب أو لاستقبال وإرسال مشاعر، في تلك اللحظات يعرف الإنسان جيداً أنه يود الطرف الآخر، لكنه لا يملك «الرصيد» النفسي للرد عليه الآن.
هذا باختصار وصف دقيق لحال العلاقات في زماننا الحالي، أما في السابق فكانت مقاييسنا بعيدة عن قضية طاقتنا النفسية، وكانت العلاقات تقاس بالمحبة والقرابة وعدد سنوات المعرفة، وكنا نسأل أنفسنا سؤالاً بسيطاً: هل نحب هذا الشخص؟
أما اليوم فقد تسلل إلى حساباتنا معيار آخر، لا نعلنه، ولا نجرؤ على التصريح به، وهو: كم تستهلك هذه العلاقة من طاقتنا النفسية؟
الغريب أن هذا المعيار لا علاقة له بقيمة الشخص المقابل ولا بجودته ولا بأخلاقه، بل بطريقة التعامل معه، وتحديداً هل يحتاج إلى ردود طويلة ومستمرة، هل يجب أن يكون الحوار معه مطولاً ومفسراً؟
هل «يزعل» بسرعة؟ هل الصمت معه تهمة؟ وبالتالي هل التواصل معه واجب أم متعة؟ وبذلك دخلت العلاقات بهدوء إلى عصر تدار فيه بالطاقة لا بالود، وأوضح دليل على ذلك أن الرسالة فيما مضى من زمن، كانت مجرد رسالة، في حين تحولت الآن إلى اختبار، لماذا تأخر في الرد، هل لديه ما هو أهم مني ليشغله، هل رأى الرسالة ولم يرد؟
فالتأخر في الرد الذي قد يكون سببه مجرد التعب أو الانشغال، صار يُقرأ على أنه تغيّر في المشاعر وفتور في العلاقة، وعدم اهتمام، ففقد التواصل عفويته، وأصبح الرد ضرورة لإثبات الاهتمام، ومن يضطر لإثبات الاهتمام ستتحول المحبة عنده إلى فاتورة يجب سدادها، ومجاملة اجتماعية مكلفة، تهنئة هنا، وتعليق هناك، وزيارة في مكان آخر، تجتمع مع بعضها لتشكل عبئاً خفياً يستنزف الإنسان، ويجعله يعيش في شبكة من الالتزامات التي تطالبه بحضور شبه دائم في مجموعات لا تنام، وفي مناسبات يحسب علينا غيابنا عنها، والمشكلة ليس في التزام واحد إنما في تراكمات علينا مع أن ساعاتنا محدودة ومعدودة، ولهذا صرنا نبحث عن مساحة لا نحاسب فيها على صمتنا، فنحن لا نريد قطع علاقاتنا، كل ما نريده ألا نحاسب على التأخر في الرد، وأن نعتذر عن حضور مناسبة دون أن نحاكم، وأن نصمت دون أن نفسر صمتنا، فترات نلتقط فيها أنفاسنا، لا أن نهرب فيها من الود والحب، بل لنحافظ عليه.
لكن مع ذلك علينا أن نحذر من أن نحول ذلك إلى عذر دائم لإهمال الناس، فليس كل انسحاب صحة للنفس، لأن العلاقات تستوجب أيضاً أن نتجاوز التعب من أجل من نحب، والفرق بين رعاية أنفسنا والأنانية، لا يقاس بعدد المرات التي نقول فيها «لا أملك طاقة» بل بصدق هذا الشعور وبعدالة توزيعه، فالطاقة التي نوفرها هل نوجهها للأهم، أم للراحة فقط؟
وربما يكون السؤال الذي يجب أن نسأله لأنفسنا هو: كيف نحافظ على من نحب دون أن نحولهم إلى عبء ودون أن نحوّل أنفسنا إلى بطاريةٍ فارغة؟
فالعلاقات في النهاية تشبه التطبيقات المفتوحة في خلفية هواتفنا، لا نريد حذفها لكنها تستنزف البطارية بصمت، والحكمة ليست في إغلاقها جميعاً ولا في تركها جميعاً تعمل بلا توقف، بل في أن نعرف بوعيٍ ورحمة أيّها يستحق أن يبقى مفتوحاً.
* عميد كلية القانون – الجامعة الخليجية
مقالي اليوم في الوطن البحرينية
أعظم فوائد المال وسر القوة
أ.د. فراس محمد
في زحمة المحتوى الرقمي، وما يتلاطم فيه من صخب وسطحية، تظهر أحياناً أصوات تستوقفك، وتلزمك بإعادة تشغيلها والاستماع مرةً ومرتين، ليس لأنها كلمات أغنية بلحن عذب، بل لأنك تريد استيعابها، بعدما أيقنت من المرة الأولى أنها حقيقة. صادفت قبل أيام قليلة مقطعاً في تيك توك، لا أعرف صاحبه، ولم تظهر صورته، لكن كلامه كان من تلك النوعية النادرة التي تختصر لك سنواتٍ من التجربة في جملٍ قليلة بليغة، وهذا المقال ليس أكثر من محاولة للتأمل فيما قاله ذلك الفصيح.
قال من بين ما قال صاحبنا: «الحاجة تهينك عند من لا يعرفك، وترخّصك عند من يعرفك» وقفتُ عند هذه الجملة طويلاً، فالإنسان حين يبتلى في حاجة الآخرين، يدخل معهم في علاقة غير متكافئة؛ الغريب منهم يراه ضعيفاً، والقريب يراه تحت أمره في أي وقت، وفي كلتا الحالتين، ثمن حاجته للآخرين هو الكرامة، لكن الأهم من ذلك ما أضافه، «أن تسعين بالمئة من الاحترام والهيبة والتقدير مصدرها شيءٌ واحد وهو الاستغناء»، بالتأكيد ليس هناك إحصائية علمية حددت نسبة الـ90%، ولكن في الوقت نفسه النسبة التي ذكرها ليست مبالغة خطابية؛ إنما هي ملاحظة دقيقة لطبيعة البشر وسلوكياتهم، فنحن نرى دوماً أن البشر يكرمون المستغني ليس لأنه أفضل من غيره، بل لأنه لا يحتاج إليهم، وهذا ما يجعل منه نِدّاً لهم لا طالباً منهم. ثم أكمل كلامه عن المال بفلسفة ليست معتادة، فكلنا يعرف أن فوائد المال تتجلى في المتعة، والراحة، والرفاهية، والمكانة الاجتماعية، والعطاء، وهي فوائد حقيقية لا تُنكر، لكن أكبرها وأهمها ما أشار إليه، وهو أمر لا يُلفت إليه أحد، المال يمنح صاحبه الاستغناء، ما يعني القدرة على عدم الاحتياج، وهذه وحدها أعظم من كل ما سواها من فوائد ولو جاءت مجتمعة كلها.
ثم تساءل صاحبنا عما هو أسوأ ما في الفقر؟ فأجاب بأنها الحاجة للآخرين، وكلامه دقيق أيضاً، فالفقر ربما يرافقه الجوع، والحرمان، لكنْ كلاهما لا يكسر كبرياءه، طالما لم يجبر على مد يده والحاجة للآخرين، فالحاجة نوع من الإذلال، وهي أشد على النفس من الجوع والحرمان، العجيب أن البشر يشتهون الصد والإعراض عمن لا يستغني عنهم، بينما يشتهون القرب من المستغني عنهم، وإن لم تكن لهم عنده حاجة، المستغني يكسب اهتمام الآخرين، لا لذكائه أو سخائه عليهم، إنما لشعورهم أنه لا يحتاج إليهم، وهذا وحده يجعلهم يتقربون منه، هذه تبدو معادلة مقلوبة تكشف شيئاً عميقاً في النفس البشرية، وهو أن البشر يقدّرون من لا يحتاجهم، لذا الاستغناء جاذب لأنه في حقيقته يمثل قوة، والمستغني قويٌ لأنه محصّن، لا تحركه أمزجة الآخرين، ولا يُقلقه جفاؤهم، يعيش في سلام داخلي لأنه مكتفٍ بنفسه، وهذا الاكتفاء هو أنصع صور الحرية.
وأخيراً، وكما ختم صاحبنا بعبارة ذهبية عندما قال: «الاستغناء يُكسِب الإنسان صلابةً نفسية تنعكس على لغته وثقته ونظراته» وهذا صحيح؛ فاللغة تخضع لمن يتكلم بها، فإن كان صاحبها قوياً جاءت عباراته حاسمة، وإن كان محتاجاً جاءت مهزوزة بسبب الطلب، في النهاية ليس كل ما يُنشر في منصات التواصل سطحياً، فأحياناً يجلس شخصٌ أمام كاميرا هاتفه، ويقول في نصف دقيقة ما يعجز عنه كتاب ضخم، وصاحبنا الفصيح كان واحداً من هؤلاء.
* عميد كلية القانون - الجامعة الخليجية
إذا أراد الإيرانيون تغيير نظامهم فعليا، أي الأدوات أكثر فعالية تاريخيا: الضغط الاقتصادي المتراكم، أم الاحتجاج الشعبي، أم الانقسام داخل النخبة الحاكمة، أم الضغط الخارجي؟ والسؤال الأصعب: هل هذه الأدوات تعمل في تزامن أم تتعارض؟
حين يطرح سؤال "لماذا لا يُصلح الإيرانيون نظامهم من الداخل؟" فالجواب ليس ضعف الإرادة، بل قوة أدوات القمع.
النظام الإيراني بنى منظومة متكاملة لتفتيت المعارضة وتقطيع تواصلها وقطع مصادر تمويلها.
الانتقال السلمي للسلطة في مثل هذه الأنظمة لا ينجز بالشجاعة الفردية وحدها
هل #إيران خطر وجودي على دول الخليج العربي بالمعنى العسكري المباشر، الجواب: لا، إيران لا تملك قدرة على غزو دول شبه الجزيرة العربية، الخطر الحقيقي هو زعزعة الاستقرار الداخلي عبر الوكلاء وتقديم خدمات تتعلق بأعمال عسكرية محدودة كما حصل في الأسابيع الماضية، لذا التخلص من الوكلاء ضرورة قصوى.
سؤال لا يطرح كثيرا، هل تريد النخبة الإيرانية الحاكمة (الحرس الثوري) رفع العقوبات فعلا؟ وهم مستفيدون من الاقتصاد المغلق واحتكارات التهريب والمشاريع الموازية، العقوبات أوجدت فئة مستفيدة داخل النظام ترفض أي انفتاح يهدد امتيازاتها
البرنامج النووي الإيراني وإن لم يصل إلى عتبة التنفيذ، يُقدّم للنظام الإيراني فائدة إضافية تفوق السلاح، فهو يجعل بأيديهم ورقةً دائمة للتفاوض، "التهديد الأبدي" أكثر قيمةً أحياناً من "التنفيذ الفعلي".
تهريب النفط الإيراني تحت العقوبات - قبل الحرب - حوّل شبكة الحرس الثوري إلى شركة ضخمة متعددة الأنشطة، صادرات نفط غير رسمية لدول آسيوية بأسعار مخفضة، استيراد بضائع عبر شركات وهمية، وعمليات صرف عملات موازية، العقوبات - في السابق - لم تُوقف الاقتصاد، بل أعادت هيكلته لصالح من يملك الشبكات
النظام الإيراني لم يصمد كل هذه العقود لأنه محبوب، بل لأنه يملك أدوات القمع الفعّال وخطاباً وطنياً يستثمر العداء الخارجي، الضغط الأمريكي في "السابق" كان أداة في يد النظام قبل أن يكون تهديداً له، فهل سيوصله الآن إلى نتيجة مختلفة؟
#إيران تُصدّر نموذجاً تنظيمياً أكثر مما تُصدّر أيديولوجيا، على سبيل المثال حزب الله في لبنان نموذج إيراني ناجح لا من حيث التشيع بل من حيث بناء حركة مسلحة تملك ذراعاً اجتماعية وسياسية في آنٍ واحد، هذا النموذج يُصدّره الحرس الثوري في كل حركة يبنيها، وهو أخطر من الأيديولوجيا لأنه تقني وقابل للتكيّف
#إيران ليست دولة تحكمها أيديولوجيا صرفة، هي دولة لها مصالح براغماتية مغلفة بخطاب ديني، الفارق بين ما تقوله طهران وما تفعله في الساحة الإقليمية يكشف أن المصلحة السياسية تتقدم دائماً على الأيديولوجيا حين يتعارضان