لازم تشع ان قالها الله امانيك
مهما غفت في ليل الأقدار شمسك
-
لا يشغلك عن فرحة الجاي ماضيك
ولا يسرقك من واقعك صوت هجسك
-
ولا تيأس ان يبست منابت مساعيك
بكرة يسيل الغيم ويطول غرسك
من وحيّ قرآن الفجر (فجر #٥٦)
الثلاثاء ٨ ربيع الثاني ١٤٤٧ هـ
٣٠ سبتمبر ٢٠٢٥ م
﴿وَإِن تُطِعۡ أَكۡثَرَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١١٦]
أوّلاً: التشريع
هذه الآية قاعدة أبدية: الكثرة ليست معيار الحق.
فالتشريع لا يقوم على رغبات الأغلبية، ولا على ما تستحسنه الجماهير أو تميل إليه الأهواء، بل على ما أنزله الله من هدى ونور. يقول الشنقيطي: اتباع الأكثرية قد يكون سببًا في الانحراف، لأن أكثر الناس لا يعلمون، فلا حجة في كثرتهم.
وهنا فارق جوهري بين مناهج الوحي ومناهج البشر:
•البشر يبنون قوانينهم على استطلاع الرأي، الإحصاءات، والميول العامة.
•أما الوحي فيؤسس التشريع على العلم المطلق والحكمة الكاملة، لأنه صادر عن العليم الحكيم.
ثانياً: الفلسفة القرآنية
تكشف الآية مفارقة وجودية: الإنسان بطبعه ينجذب إلى ما يفعله الأكثرون، فيتوهم أن الكثرة برهان. لكن القرآن يهدم هذا الوهم: الحق لا يُعرف بالرجال، بل الرجال يُعرفون بالحق.
قال الكشاف: “أكثر الأرض على الضلال، فلا تغترّ بكثرتهم، ولا تستوحش من قلة المهتدين”.
في منطق البشر: ما أجمع عليه الناس أقرب للصواب.
وفي منطق الوحي: ما وافق الحق المنزل هو الصواب، وإن خالفه الناس جميعًا.
ثالثاً: البعد النفسي
علم النفس الحديث يسميه انحياز القطيع (herd bias):
•الإنسان يبحث عن الأمان في تقليد الأكثرية.
•ويظن أن الكثرة ضمانة ضد الخطأ، وأن الاختلاف عزلة وخطر.
لكن القرآن يواجه هذه الغريزة: أن تكون وحيدًا على الحق خير من أن تكون مع الجماهير على الباطل.
قال الشعراوي: الحق لا يصير حقًا بالكثرة، ولا الباطل باطلاً بالقلّة، فالمعيار هو الوحي لا العدد.
رابعاً: هدم الأصنام الاجتماعية
من أعظم مقاصد الإسلام تحطيم الأصنام، لا المادية فحسب، بل الأصنام الاجتماعية أيضًا: وفي مقدمتها صنم القبيلة.
في الجاهلية كان الحق ما رأته القبيلة، والولاء للدم مقدمًا على الولاء للحق. فجاء الإسلام ليكسر هذا القيد، ويربط الإنسان بالحق المجرد، ولو خالف عشيرته كلها. قال تعالى: ﴿إِذۡ جَعَلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٦].
ومن صور ذلك في شعرهم:
•«أنا من غَزِيّةَ إن غوت غويتُ، وإن ترشد غَزِيّةُ أرشدْ»: تبعية عمياء.
•«وإذا بلغ الرضيعُ منّا فِطامًا… خرّت له الجبابرةُ ساجدين»: غلوّ القوة والبطش.
•«ونشربُ إن وردنا الماءَ صفوًا… ويشرب غيرُنا كدرًا وطينًا»: استعلاء طبقي وتمييز.
هذه هي الحمية التي جاء الإسلام ليقوّضها، معلنًا أن معيار التفاضل هو التقوى، لا العصبية ولا الكثرة.
خامساً: معنى “الظن” و”الخرص”
•الظن: معرفة ناقصة قائمة على التخمين.
•الخرص: تقدير كاذب وادعاء بلا علم.
جمع الله بينهما ليرسم حال البشرية حين تعرض عن الوحي: تعيش على أوهام وظنون، وتبني حياتها على فرضيات كاذبة.
وهذا ما نراه في عصرنا: علوم هائلة، لكنها حين تتجاوز حدودها تنقلب إلى ظنون وتخرصات.
سادساً: إسقاطات معاصرة
اليوم صارت استطلاعات الرأي، الترندات، والإعلام معيارًا للحقيقة. لكن الآية تقول: قد تكون الأكثريات سبب الضلال الأكبر.
•ملايين المتابعين لا تعني صحة الفكرة.
•شيوع السلوك لا يعني أنه أخلاقي.
•كثرة الممارسين لا تعني أنه مشروع عند الله.
وفي التاريخ درس خالد: الإمام أحمد بن حنبل في فتنة القول بخلق القرآن، حين اجتمع أكثر علماء عصره على قول باطل، فثبت وحده، فصحح الله به خطأ الجميع.
سابعاً: تصحيح المفاهيم
شاع بين الناس قول: «الموت مع الجماعة رحمة». لكنه يُستعمل لتبرير السير مع الكثرة ولو على باطل. بينما الآية تقرر العكس: الجماعة قد تكون سبب الهلاك.
ولهذا قال النبي ﷺ:
«لا تكونوا إمّعة تقولون: إن أحسن الناس أحسنا، وإن أساؤوا أسأنا، ولكن وطّنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا فلا تظلموا» (رواه الترمذي).
الخلاصة
•الحق مصدره الوحي، لأنه من عند العليم الحكيم.
•الكثرة ليست معيارًا، بل قد تكون علامة الانحراف.
•الإسلام هدم صنم القبيلة وصنم الأغلبية، وحرر الإنسان من التبعية العمياء.
•معيار النجاة: الحق المنزل، لا ضغط المجتمع.
قال ابن مسعود رضي الله عنه:
«الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك».
فالحق ثقيل، وحملُه ثقيل، وحملته قليل.
وليد أحمد حسن فتيحي
الثلاثاء ٨ ربيع الثاني ١٤٤٧ هـ
٣٠ سبتمبر ٢٠٢٥ م
"وإذا نظرتَ إلى السماءِ مُناجِيًا
ورجوتَ ربّكَ أن يُحقّقَ مأملَكْ
فرأيتَ مالم ترتجيهِ مع الدعا
وظننتَ أنّ الحُزن أطفأ مِشعلَكْ
لا تجزَعنّ من الحياةِ وضيقها
حاشاهُ رحمن السما أن يخذُلكْ
ولو اطّلعتَ على الغيوبِ ولُطفِها
لعلِمتَ أنّ الخيرَ فيمَ اختار لكْ"
"من هيبةِ الشمس أنَ الليل يرقُبها ..
عند الأُفولِ ، ويخفي خطوه حذرا
وينزوي عجلاً قبل الشروق لكي ..
لا تبصر الشمسُ من خطواته أثرا
كذلك الفألُ في آفاقِ أنفسنا ..✨
إذا رآهُ الأسى كالظلمةِ انحسرا
ما كُل من أدركَ الإصباح أدركه
حتى يرى صبحهُ في القلب قد ظهرا"
حرصًا على صحة وسلامة أطفالكم #تجمع_الاحساء_الصحي يتيح عيادة الطفل السليم في كافة المراكز الصحية لمتابعة نمو وتطور الطفل منذُ ولادته وحتى الخامسة من عمره.