في كل مرة تُنشر فيها صورة لفتاة ليبية، أو تُتداول قصة عن امرأة تجاوزت السلوك المتوقع منها، يصدر عنها أحكام جاهزة ورغبة في تحويل حياتها إلى محكمة تأديب عامة. يأتي هذا الهجوم من رجال ونساء، ويزداد قسوة حين تشارك فيه نساء يعرفن جيدًا شكل الخوف الذي يطارد النساء في الشارع والبيت والعائلة والفضاء العام.
المفارقة موجعة. فالنساء يعشن داخل القيود نفسها، ثم يشاركن في شدّها على نساء أخريات. امرأة تراقب امرأة وتدينها، وتدافع عن سلطة تضيق عليها هي أيضًا. هنا يحضر السؤال عن الآلية التي تجعل بعض النساء حارسات للنظام الذي يراقبهن، وعن الطريقة التي يتحول بها الخوف والضعف إلى قسوة ومشاركة فعّالة في هذا العقاب الجماعي. ويبتعد هذا السؤال عن عمل المرأة وخروجها إلى المجال العام. فالمرأة الليبية عرفت العمل منذ زمن طويل. عملت في الحقول، وجمعت الحطب، ورعت المواشي، وساهمت في إعالة الأسرة ماديًا. المشكلة أساسًا تقع في الحدود التي يرسمها المجتمع حول المرأة، ثم يدفعها إلى حراستها بنفسها.
يكفي النظر إلى خانة التعليقات تحت أي منشور يتناول فتاة ليبية، سواء من صورة لها أو جملة كتبتها، أو تصرفًا التقطته عدسة كاميرا أحدهم، حتى يبدأ الكلام عن الدين والأخلاق والتربية، وما يلبث حتى يصل إلى الشرف والعائلة. تتحول المرأة هنا إلى قضية رأي عام أمام جمهور غاضب، ويصير حضورها مادة لحملة التأديب. جزء مؤلم من هذا الهجوم يأتي من نساء. نساء يلعنّ امرأة أخرى ويطالبن بمعاقبتها، ويمنحن العنف غطاء الدين أو العيب أو أصالة المجتمع. تخرج المسألة من حدود التعليق الافتراضي إلى بنية أوسع تجعل المقهورة نفسها قادرة بدورها على إعادة إنتاج القهر، وتجعل المرأة التي عاشت تحت الرقابة شريكة في مراقبة غيرها.
تقول براءة، 22 سنة، إن الفتاة التي تهاجم فتاة أخرى تشاركها البيئة والانتماء تفعل ذلك أحيانًا لأنها تعلمت أن تستمد مكانتها من ازدراء غيرها. ففي مجتمع يراقب النساء باستمرار، قد تجد بعض النساء في إدانة امرأة أخرى وسيلة لإثبات الاستقامة، وفرصة للظهور في موقع آمن داخل الجماعة. تضيف براءة أن الهجوم قد يحمل عجزًا مكتومًا أيضًا. امرأة عاشت حرمانًا طويلًا، ثم رأت امرأة أخرى تفعل ما رغبت فيه يومًا، فتسخر منه وتدين صاحبته كي تحمي صورتها أمام نفسها وأمام الآخرين.
لقراءة المقال كاملًا: https://t.co/rGK4Lf0vey
قرر الحاج الزروق أن يصبح ليبراليًا. نصف قرن من التهكم اللاذع، والهجاء المقذع، دفعاه لأن يتخذ مسارًا مختلفًا في حياته.
ولم يكن الحاج الزروق يعرف معنى محددًا للتغيير الذي ينشده، لكنه أيقن أنه يعاني خطبًا ما، إذ لا يُعقل أن يكون الجميع مخطئين بشأنه. وأن تغييرًا ما، بطريقة ما، كفيل بأن يخلّصه من معاناته ومعاناة غيره، لتصبح الحياة أفضل له ولهم.
وبالطبع، لم يكن الحاج الزروق ليدرك أنه بصدد التحول نحو الليبرالية (كما تكشّفت الأمور لاحقًا). لقد بدا له المفهوم دومًا غامضًا، مُقلقًا. كان ثمة شيء في هذه الكلمة يحثه على النفور منها، مع أنه لم يذكرها بسوء أو بخير في أي من منشوراته أو تعليقاته (الحاج الزروق نشط جدًا على السوشال ميديا).
والحاج الزروق شخصية متوقعة، لا تحمل تساؤلات جادة، ولا حيرة مؤرّقة. الحياة عنده تسير وفق منطق واضح، لا يرقى إليه شك.. على الأقل حتى هذا اليوم. كان رأس السنة الجديدة، وعليه هو أيضًا أن يصبح “إنسانًا جديدًا”.
بدأ الأمر لديه بالتسامح. “هذا رأيي، هذه قناعتي، وجهة نظري، أختلف، أعترض..”، تكررت هذه العبارات على مسمعه وأمام عينيه كثيرًا في السنوات الأخيرة بعد الانفتاح الذي أصاب البلاد. لم يكن مباليًا، ولم يعلم لمَ يجب عليه الاكتراث بما يعتقده الآخرون. لكن يتوجّب عليه الآن أن يكون متسامحًا مع الجميع.
لقراءة النص كاملًا: https://t.co/BZOfgxLSQo
عندما أعلنت وزارة الاقتصاد والتجارة بحكومة الوحدة الوطنية في أغسطس 2025 أن ليبيا تصدّرت قائمة أسرع الاقتصادات العربية نموًّا بنسبة بلغت 17.3% وفق بيانات صندوق النقد الدولي، بدا الخبر للوهلة الأولى وكأنه مؤشر على دخول البلاد مرحلة جديدة من الازدهار الاقتصادي. فالدول التي تحقق مثل هذه المعدلات المرتفعة من النمو يُفترض أن تشهد تحسنًا في مستوى المعيشة، واستقرارًا أكبر في الأسعار، وتطورًا في الخدمات العامة. لكن السؤال الذي يطرحه كثير من الليبيين يبقى بسيطًا ومباشرًا: إذا كان الاقتصاد ينمو بهذه السرعة، فلماذا لا ينعكس ذلك بوضوح على حياتهم اليومية؟ هذا السؤال يعكس مفارقة واضحة في المشهد الاقتصادي الليبي؛ فبينما تتحدث المؤشرات الرسمية عن نمو مرتفع، لا يزال المواطن يواجه ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية واستمرار المشكلات الخدمية. ومن هنا يصبح من الضروري النظر إلى طبيعة هذا النمو ومصدره قبل الحكم على آثاره الفعلية.
في الواقع، يعود الجزء الأكبر من النمو الذي سجلته ليبيا خلال العامين الأخيرين إلى انتعاش قطاع النفط، الذي لا يزال يمثل المصدر الرئيس للإيرادات العامة والصادرات. فمع عودة عدد من الحقول والموانئ النفطية إلى العمل بوتيرة أعلى، ارتفع الإنتاج إلى أكثر من 1.37 مليون برميل يوميًّا، وتدفقت مليارات الدولارات إلى البلاد نتيجة زيادة الصادرات واستقرار أسعار النفط عند مستويات مرتفعة نسبيًّا. وقد انعكس ذلك على المؤشرات الاقتصادية، فارتفع الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 52.45 مليار دولار، كما ارتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي إلى ما يقارب 6962 دولارًا سنويًا. غير أن الأهم من حجم هذه الأرقام هو طبيعة النمو الذي تعكسه؛ إذ لم يكن نتيجة توسع حقيقي في قطاعات الاقتصاد المختلفة كالصناعة أو الزراعة أو الخدمات، بل جاء أساسًا نتيجة زيادة إنتاج النفط وعائداته. ولذلك كان هذا النمو أقرب إلى انتعاش مالي تقوده الإيرادات النفطية منه إلى تحول اقتصادي قائم على تنوع مصادر الدخل والإنتاج. وإذا كان النفط يفسر سبب ارتفاع معدلات النمو، فإنه لا يفسر وحده سبب ضعف انعكاس هذا النمو على حياة المواطنين، وهو ما يقود إلى سؤال آخر يتعلق بكيفية إدارة هذه الإيرادات وتوظيفها داخل الاقتصاد.
لقراءة المقال كاملا: https://t.co/krEk2dkTUI
تضع جريمة الطفل رواد أحمد خليفة القديري سؤال حماية الطفل في ليبيا في صدارة المشهد. فالحادثة التي هزت الرأي العام، بعد مقتل طفل في الثامنة من عمره وإخفاء الجريمة لأسابيع، تكشف بتفاصيلها المؤلمة عن خلل أعمق في علاقة الدولة والمجتمع بالطفل، وعن مأساة تتجاوز حدود التحقيق والعقوبة، حين يتحول البيت، بما يفترضه من حماية ورعاية واستقرار، إلى مصدر للخطر. ومن هذا الواقع المؤلم يبرز سؤال بالغ القسوة والأهمية: من يتدخل لحماية الطفل عندما تأتي التهديدات من داخل الأسرة نفسها؟
لطالما اعتُبرت الأسرة خط الدفاع الأول عن الأطفال. لكن هذا التصور، على أهميته، لا يمكن أن يكون بديلاً عن منظومة حماية عامة. فالطفل ليس تابعًا للأسرة فقط، ولا يجوز أن يُترك مصيره بالكامل لحدود البيت، خصوصًا حين تتعطل داخله معاني الأمان والرعاية. حماية الطفل لا تعني تفكيك الأسرة، بل تعني وضع حد فاصل عندما تتحول الأسرة نفسها إلى مصدر تهديد.
ومن هذه الزاوية، تتجاوز قضية رواد بعدها الجنائي المباشر إلى سؤال اجتماعي وقانوني أوسع، يتصل بقدرة النظام على التقاط إشارات الخطر داخل الأسرة قبل فوات الأوان. فحين يكون الطفل غير قادر على الدفاع عن نفسه، وحين تبقى صرخته محجوبة خلف جدران البيت، يصبح غياب الرصد والتدخل المبكر جزءًا من المأساة نفسها.
ولا تقف هذه الدلالة عند قضية رواد وحدها. فقد شهدت ليبيا خلال السنوات الماضية جرائم مشابهة بحق أطفال، وقع كثير منها داخل دوائر الأسرة أو بين الأقارب، من دون أن تتحول إلى ملفات دراسة أو مراجعة سياسات أو إصلاح مؤسسي. وفي كل مرة، تتصاعد موجة الغضب لأيام، ثم تُطوى الجريمة في الذاكرة العامة، بينما تبقى الأسباب التي أنتجتها قائمة، وتظل احتمالات تكرارها مفتوحة.
لقراءة المقال كاملًا: https://t.co/6142ZFZJQe
لم يكن في الصورة أكثر من عروسين من ذوي البشرة السمراء، يلتقطان صورًا تذكارية على ناصية كورنيش بنغازي. لحظة اعتيادية، وطقس مألوف، بل ومشروع تمامًا، حوّلته ألسنة الكراهية إلى مهرجان عنصري صاخب. فجأة صار وراء الأكمة ما وراءها. لماذا لم يحتمل الجمهور الليبي هذا المشهد الطبيعي؟ هل لأن العروسين أسودان؟ أم لأننا اعتدنا مشاهد العنف حتى صارت أهون علينا من صور الحب والحياة؟
كالشمس في رابعة النهار، يمكن رصد حملات التحريض التي تستهدف المهاجرين بصفة عامة، والسودانيين منهم بصفة خاصة. لا يحدث ذلك في ليبيا وحدها، بل في دول مجاورة أيضًا، شهدت موجات من التنكيل المعنوي بهؤلاء الفارين من حرب لا تبدو لها نهاية. السودانيون الذين عاشوا، وما زالوا يعيشون، واحدة من أقسى تجارب اللجوء والنزوح في المنطقة، تدفقت عائلات منهم إلى ليبيا بحثًا عن الأمان؛ إلى الكفرة أولًا، ثم صعودًا إلى مدن أخرى، على أمل النجاة أو الاستقرار أو العبور.
بدأت الحكاية بنشر إحدى الصفحات الليبية صورة للعروسين، مرفقة بمطالبة الجهات الأمنية بالتدخل. ومن هناك انطلقت أشكال مختلفة من العنف المعنوي، كأن حالة احتفال بسيطة يمكن أن تتحول، بمجرد حضور السواد فيها، إلى تهديد عام. يقودنا هذا السياق إلى سؤال جوهري: لماذا يعترينا كل هذا الغضب أمام مشهد لا يحمل أي إساءة لأحد؟
من يقف وراء ردة الفعل الحادة؟ هل هو عدم اعتيادنا، باعتبارنا "شعبًا محافظًا"، على تصوير مراسم الزفاف في الفضاء العام؟ أم هي العنصرية، وما يجاورها من خوف وتوجس ونظريات مؤامرة؟ منذ مدة، يحاول البعض حتى حرمان المسلمين من ذوي البشرة السمراء من حقهم البديهي في أداء الصلاة داخل المساجد، عبر تصوير مقاطع فيديو تظهر خروجهم من بعض الجوامع، في محاولة جلية لترسيخ سردية "الغزو الأسود" المزعوم. فهل وصل هذا التحول إلى حدّ التشكيك في أكثر المساحات التي يفترض أنها نجحت، منذ فجر الإسلام، في محو الفوارق بين العبد والسيد، والفقير والغني، والأبيض والأسود؟
من المسؤول عن تلاشي القدرة على تقبل الاختلافات الثقافية لدى طيف واسع من المجتمع الليبي؟ في الخلفية، تظهر تفسيرات جاهزة تكرس نظرية المؤامرة. أننا نحن ضحايا أيادٍ خفية، تتلاعب بالمفاهيم، وتضخم مخاطر وجود طالبي اللجوء والمهاجرين، وتحوّل كل وجه أسمر إلى نذير خطر.
لا يبدو كل ذلك عفويًا تمامًا. يمكن ملاحظة مصادفة غريبة، إذ تترافق مثل هذه "الترندات" غالبًا مع تداول أخبار أو وقائع قد تلطخ سمعة طرف سياسي ما، أو تفتح نقاشًا مزعجًا حول الفساد والعنف والفشل. حينها، يصبح جسد المهاجر، ووجه اللاجئ، ولون بشرته، مادة سهلة لصرف الانتباه وإعادة توجيه الغضب. تكشف هذه العدوانية، وبجلاء، عن حالة احتقان تجتاح منصات التواصل الاجتماعي الليبية، ضمن مدّ غير معزول من الأصوات التي تدعو إلى طرد المهاجرين وطالبي اللجوء، دون وعي كافٍ بأبعاد الأزمة. تأتي المطالبات مثل حمم بركانية، وكأن كل أزمات ليبيا توشحت باللون الأسود.
على النقيض من هذا الغضب، يتراجع المنطق إلى الوراء. فالاقتصاد الليبي، إن وُجد، يعتمد إلى حد بعيد على هؤلاء الذين يجري التحريض ضدهم. هم جزء محوري من عمالة رخيصة تغطي أغلب القطاعات العاملة في البلاد. نراهم في الأسواق الكبيرة، والورش، ومواقع البناء، والمزارع، وأعمال النظافة، والخدمات. إنهم، بشكل ما، "السقالة" التي ترفع هذه الدائرة الهشة التي نطلق عليها، مجاملةً، اسم الاقتصاد الوطني.
تفكيك هذا التجني الفيسبوكي، الذي حوّل أفرادًا كانوا يرون في ليبيا أرض عبور إلى "النعيم الأبيض"، إلى مستعمرين وغزاة، يقودنا إلى سؤال أعمق حول وعي المواطن الليبي وقدرته على الفصل بين الغث والسمين. فما أسهل اللعب على وتر القومية والتغيير الديموغرافي، وما أسهل فبركة الجرائم والممارسات الغريبة، من السحر والشعوذة إلى الخطف والانحلال، طالما أن الضحية بلا صوت، وبلا حماية، وبلا منصة تدافع عنها.
يمكن القول إن شريحة عريضة من المجتمع انخرطت في هذا العداء غير المبرر. واللافت أن كثيرين يتقبلون، أو يبررون، أي اعتداء يطال أرواحًا لا نتفوق عليها في شيء. بل إن شريحة واسعة من الليبيين تشترك مع هؤلاء المهاجرين في الحلم ذاته، أي الوصول إلى الضفة الأخرى من المتوسط، حيث تبدو أوروبا، في المخيلة الجماعية، أكثر أمانًا وعدلًا وتحضرًا.
القادمون من إفريقيا جنوب الصحراء، أو من السودان الغارق في الدماء، ليسوا غزاة ولا مستعمرين ولا خطرًا ديموغرافيًا داهمًا. هم ضحايا بالأقدمية؛ ضحايا لعقود من الاستعمار الأبيض تارة، ولحروب أهلية وانهيارات سياسية تارة أخرى، وللفوضى التي تحكم ليبيا وتحوّلها إلى ممر قاسٍ بين جحيمين. ومع ذلك، بدل أن يرى بعض الليبيين فيهم مرآة لهشاشتهم المشتركة، يفضلون تحويلهم إلى شماعة جاهزة لكل غضب وخوف وفشل.
نستمع في غنّاوة العَلَم إلى سردٍ ليبيٍّ خالص، فيغنّي الغنّايْ الغنّاوة من آخرها إلى أوّلها فوسطها، بينما يكتبها الرّاوي من بدايتها إلى نهايتها.
إذا تناولنا مثالًا هنا، فسنعالج الكلام في شكليْن. يقول عبد الكافي البرعصي:
عزيز قلتله وندمت * أنساني نْسيني ومانتسى
عزيزٌ قلتُ له وندِمتُ ... انساني، فنسِيَني ولم يُنسَ.
هكذا تُروى الغنّاوة، "من تكوين البيضة إلى فقسها"، كما أسّس الشاعر الروماني هوراس شكل السرد الذي يبدأ من البداية Ab ovo، بالاستناد إلى أسطورة خلق هيلين من البيضة إلى مآلات حرب طروادة، ضدًّا على الحكايات التي تبدأ من الوسط أو النهاية. على الضفة الأخرى، يغنّي الغنّاي مستهلًّا بالخاتمة، فيصيح بـ"مانتسى" أولًا، فيدمجها بما قبلها، فنسمع "نسيني ومانتسى".
تسير الغنّاوة في موكب التكرار، فينطق الغنّاي لأول مرة بفاتحة الغنّاوة حتّى يصل إلى "القفلة"، وهي اللفظة السّاكنة في وسط الغنّاوة، فتقفل الأهزوجة وتنهيها في شكلها الغنائي. ارتجاعًا، نسمع غنّاوتنا – كما نسمع غناوي العَلَم كافّةً – كالآتي:
مانتسى... نسيني ومانتسى
عزيز قلتله وندمت
أنساني
وتُقفل الدائرة بتكرار الفاتحة (وهي الخاتمة الكتابية/الروائية).
في السينما، قد يرى البعض حالات مشابهة لنهج غنّاوة العَلَم هذا. النموذج الأشهر فيلم Pulp Fiction لكوينتن تارنتينو، والنماذج الأبهى سبّاقة في أعمال جان لوك غودار ومريديه. امتزاج الثقافات في "اللاوعي الجمعي" أمر شائع. طرفا المعادلة ليسا مدركيْن لوجودهما؛ السينمائيون العرب نفسهم غير مدركين بتكنيك غناوة العلم، بطبائع الحال. أمّا شعراء الغنّاوةِ، فهم رجالٌ بدويّون، لا هم بدارسين لنظرية الفيلم ولا هم بوافدين على صالات السينما. لا وجود لصالاتٍ من هذا النوع بالأساس.
في التراث البصري الليبي، لم تُنتَج أعمال محمولة على سردٍ يحاكي الفن الشعبي، سواءً في فن المونتاج أو كتابة النص. لا ندعو، بالضرورة، إلى ضرورة إرساء سينما ليبية تحتكم إلى تكنيك غنّاوة العَلَم فقط لكونه تكنيك ليبي غير مستورد (وإن تكن أشكال السرد كافّةً هجينة وليست إصدارات حصرية لثقافة دون الأخرى)، وإنما لكونه أحد أساليب التعبير الخلّاق الجائز كشفها، كباقي أشكال التعبير.
يتراءى لي أن السّرد في السينما الليبية، إن وُجِدَت، يمرّ بأزمةٍ قد تفضي به إلى التخلّص من بلادة المونتاج/الإخراج المستورد:
- لقطات سريعة مكرّرة، كل همّها كشف الضوء المنعكس والألوان المعالجة وماكياج الممثلين (سينما ومسلسلات).
- استخدام إسهالي لتكنيك ال jump cuts لأسباب نجهلها (نمطٌ سائد يستخدمه "صنّاع المحتوى". الدّحيح مثالًا).
يتساءل البعض عن مضمون التكنيك. التساؤل مشروع. السيرة الذاتية للتكنيك ملغّمة بإسقاطات ذاتية من مؤلفٍ يرى في شكل حكايته بوتقةً يصب فيها مآلات فكره. إذًا، في المجمل، كما سبق الذكر في أعمال غودار وغيره، هي عملية ذهنية بامتياز، تحتوي الفكر لا العاطفة؛ التكنيك في درجة الصفر، لا العفوية السردية، الصور وتأثيرها، لا سير الأحداث. هي أفلام لا تبكينا ولا تغضبنا.. ولكن، أيشير هذا إلى شكلٍ جامدٍ "فكري" بحت؟ هل الفكري بالضرورة "جامد'"؟
نعيش اليوم في مجتمعات بليدة، مريضة باليقين، تمتهن الإقصاء، وتكفّر التجربة والتعلّم. جل الأفلام تصبو إلى العظة. النقد غائب، وإن وُجد فهو مرتد. السينما رهينة "الرسالة" و"المحتوى الهادف".
في المقابل، لنتخيّل معًا بذهنية الغنّاي الخلّاقة، لا بذهنيته الذكورية الصوابية، فيلمًا يبدأ بنهاية قصةِ ما، نهاية صورٍ يربطها زمن هلامي. تنتقل حكايتنا/صورنا إلى مستهل المشوار وتنتهي بـ"حدث" ينتصف هذا الخط. لا شيء "يحدث" بالضرورة (هذا، كما يراه "بيلا تار"، من علامات القص).
قد يحوّر هذا التشويش رؤيتنا للأشياء. ثمة قصص "تُروى" و"تبوح"، يقينًا. وعلى صعيدٍ آخر، ثمة قصص لا تُروى، وإنما تفيض بأصواتٍ مغايرة لتلك التي اعتدنا سماعها. تلك الأصوات هي ما لا نقدر مسّه بأيدينا، هي السينما نفسها التي حيّرت كوروساوا. هو عاجزٌ عن فهمها، كما جاء على لسانه في عامه الثمانين.
مع صدور الترجمة العربية لرواية “الماروني الشاب” لأليساندرو سبينا عن دار الفرجاني، وبترجمة معاوية عبد المجيد، تدخل المكتبة العربية إلى منطقة معتمة بين الذاكرة الليبية واللغة الإيطالية. فالرواية، التي تفتتح مشروع سبينا الملحمي “حدود الظل”، تعود اليوم إلى فضائها التاريخي والثقافي عبر العربية، بعد أن بقيت لعقود جزءًا من أدب مكتوب بلغة المستعمِر عن بلد عاشه الكاتب من الداخل، وكتب عنه بعين قلقة، تعرف المكان وتقرأه من مسافة تسمح بفهم تحوّلاته.
ألِسَّاندرو سبينا هو الاسم الأدبي لباسيلي شفيق خزام، الكاتب السوري الأصل، المولود في بنغازي عام 1927، والذي قضى شطرًا طويلًا من حياته في ليبيا، ثم اختار الإيطالية لغة لعمله الروائي. هذه السيرة تدخل إلى قلب النص، لأن “الماروني الشاب” نفسها تبدو مكتوبة من موضع مماثل. أي موضع من يعرف المكان، ويرى الاستعمار في أثره اليومي، ويقترب من الشخصيات بينما هي تتحرك في تاريخ يفوق قدرتها على فهمه أو مقاومته أو الإفلات من نتائجه.
تبدأ الرواية في بنغازي عام 1912، في اللحظة التي شرعت فيها إيطاليا في انتزاع برقة من العثمانيين. لكن سبينا يتعامل مع التاريخ كضغط خفي يدخل البيوت، والأسواق، والعلاقات، واللغة، ونظرة كل شخصية إلى نفسها. يصل إميل شباز، التاجر الماروني الشاب القادم من حلب عبر الإسكندرية، إلى المدينة محمّلًا بطموح تجاري وبموقع ثقافي ملتبس. فهو مسيحي مثل الأوروبيين، وعربي اللسان مثل الليبيين، قريب من الجميع بما يكفي كي يحاول كل طرف أن يجذبه إلى جانبه، وبعيد عن الجميع بما يكفي كي ينجو مؤقتًا من أي اصطفافات حادة.
هذا الموقع هو أحد مفاتيح الرواية. فإميل يظهر كائنًا يعثر على قوته في المسافة التي تفصله عن كل جماعة. الرواية تقترح، عبره، شكلًا من “اللاانتماء” يتحول إلى قدرة على العيش بين ولاءات متضاربة، مع احتفاظ الشخصية بحقها في المسافة والمراقبة والنجاة. هكذا يحمل وصف “الماروني” في العنوان معنى يتجاوز الانتماء الديني. فهو يشير إلى هوية دينية، لكنه يفتح أيضًا على موقع إميل بين العوالم التي يتمحور فيها. بين المسيحيين والمسلمين، وبين العرب والأوروبيين، بين التجارة والسياسة، وبين المدينة التي يصل إليها والبلاد التي جاء منها. وعبره يكشف سبينا هشاشة الحدود، حدود الظل، التي تصنعها الإمبراطوريات والجماعات حول نفسها.
لقراءة المقال كاملًا: https://t.co/VXSyldl2zd
في ذاكرة الطفولة، لا تأتي الوحوش دائمًا من الأساطير أو من خلف أبواب الغرباء، بل قد تسكن في تفاصيل الأمان ذاته، في المصافحات التي تبدو ودودة، وفي وجوه الأقارب التي يقدسها أهل البيت. هناك، خلف جدران الستر السميكة، تعلمتُ معنى الخوف لأول مرة، فلم يكن الوجع مجرد فعل معزول، بل كان انتهاكًا يمارسه شخص مألوف ويستمد حصانته من صلة الدم التي جعلت منه كائنًا فوق الشبهات. كانت جريمة التحرش تغلف بغطاء المودة الزائفة، وتقتحم عالمًا مليئًا البراءة ولا يملك لغة لتعريف ما يحدث، سوى ذلك الشعور الخانق بأن جسدي صار مساحة مستباحة، بينما يحتفي العالم من حولي بوقار و"رزانة" الفاعل، الذي كانت يده الثقيلة تربت على كتفي أمام الجميع كعلامة ود ظاهرية، بينما كانت تلك اللمسة نفسها تتحول خلف الأبواب المغلقة إلى حبل يخنق عالمي الصغير، مخلّفًا وراءه شعورًا بالاتساخ لا يمحوه صابون الأرض كله، نعم الاتساخ ولم أجد تعبيرًا أكثر بساطة ودلالة على شعوري حينها أكثر من ذلك.
بعد مرور 4 سنوات من الواقعة، وأنا بعمر الـ10 سنوات تحديدًا، استجمعتُ قواي، وقررت مشاركة أمي بكل ما أخفيه في ذهني ويثقل ذاكرتي، لكنني لم أجد في البيت الملاذ الذي انتظرته، فبمجرد أن خرجت الكلمات من فمي مبللة بالخوف، اصطدمت بصخرة العيب الصماء التي كانت أقسى من الفعل نفسه. لم تُقابل معاناتي بالتفهّم أو المواساة أو حتى القليل من التفكير، بل بذعر هستيري تجلّى في نظرة أمي التي جالت في أرجاء الصالة لتتأكد أن أحدًا لم يسمع "الفضيحة". لم يُسأل المعتدي عما فعل، بل سُئلتُ أنا: "لمني قلت ثاني؟"، وبعد الاطمئنان أن أحدًا لم يسمع، قررت العائلة عقد صفقة اجتماعية تحت بند "الستر"، تقضي بتغليف معاناتي بالصمت المطبق، مقابل الحفاظ على وقار زائف أمام المجتمع وصورة العائلة أمام الناس.
خلال سنوات، ووسط هذا الركام من الخذلان، كان ثمة خيط رفيع يربطني بالجانب الآخر من الحياة، تمثل في وجود قريب استطعتُ أن ألقي في حجره جمرة الحقيقة دون أن يرتجف خوفا من "السمعة" أو يوصمني بالعار. شاركته بقصتي وأنا في عمر الـ21، ولم يكن سماعه لي مجرد إصغاء، بل كان أشبه بطقس لاستعادة كرامتي، ففي لحظة ما، منحني الإذن لأكون "ضحية دون خجل"، وحمى هشاشتي من سياط اللوم. شاركني رحلة التواصل مع طبيبة نفسية والخضوع لجلسات دعم رأيتُ فيها نفسي إنسانا يستحق الدفاع عنه، لا عورة يجب مواراتها، وبدأت تدريجيا الخروج من دائرة سجين الصمت الذي يغذي الجريمة.
كان التواطؤ العائلي الذي واجهته هو التعدي الثاني على جسدي؛ إذ جُردتُ من حقي في الغضب، وصار عليّ أن أبتلع غثياني في كل مرة يربت فيها المتحرش على رأسي أمام والدي الذي لا يرى فيه إلا "الرجل الصالح". إنني اليوم، وأنا أرمم نفسي بمساندة يد واحدة امتدت إليّ، لا أشارك قصتي لأستجدي شفقة، بل لأكسر حلقة جديدة من الصمت تجاه تلك البنية الأخلاقية الهشة التي ترى العورة في جسد الضحية ولا تراها في فعل الجاني، خاصة إذا كان يتمتع بحصانة قرابة الدم. أشارك قصتي لأقول إن "الستر" الذي يحمي المتحرش هو مشاركة كاملة في الجريمة، وإن "العيب" الحقيقي هو تلك السمعة التي تُبنى على أنقاض طفل جُبر على الصمت لسنوات، كي لا ينزعج الكبار من ضجيج الحقيقة.
#دروج
في بيتنا، تفيض الصيدلية المنزلية بمسكنات الصداع وأدوية ضغط الدم، نراقب جرعاتها بدقة ونفزع لأي عارض عضوي يصيب أمي. لكن، عندما بدأت روحها تذبل ببطء أمام أعيننا، انطفأت لغة الكلام وتحولت الغرفة إلى ساحة إنكار جماعي. لم يكن ينقص أمي الإيمان ولا الرعاية الجسدية، كان ينقصها اعترافنا بأن عقلها يتألم. هذه ليست مجرد قراءة في ظاهرة مجتمعية، بل هي توثيق لمعركة خضتها بمفردي داخل جدران بيتنا، ضد إخوتي وضد الخوف من لافتة العيادة النفسية، لإنقاذ أمي قبل فوات الأوان.
لم تكن معاناة أمي حدثًا مفاجئا بلا مقدمات، بل كانت أزمة خلفتها فاجعة وفاة ابنتها قبل أشهر. رحيل أختي ترك في قلب أمي فجوة عميقة، ومع مرور الوقت، لم يكن الحزن يخف، بل كان يتضخم وينعكس على صحتها النفسية والعقلية. تحول الحزن الطبيعي على الفقد إلى شيء أكثر تدميرا، فانطفأ شغفها تماما، ودخلت في عزلة تامة في غرفتها المظلمة، مرافقا إياها بكاء مستمر بلا انقطاع، واضطرابات حادة في النوم والطعام. لكن المؤشر الأكثر قلقا، والذي أكد لنا أن وضعها انحدر إلى مرحلة خطيرة، هو بداية دخولها في حالة من الهلاوس، فبدأت أمي تتخيل أشياء وأشخاصا غير موجودين في الواقع، وتتحدث مع فراغ الغرفة وتعيش في أوهام بصرية وسمعية صنعتها صدمتها. كان كل شيء فيها يصرخ بأن عقلها لم يعد يحتمل ألم الفقد.
رغم وضوح الرابط بين وفاة أختي وتدهور حالة أمي وصولا للهلاوس، صُدمت بموقف إخوتي الرافض للتوجه بها إلى المستشفى النفسي لتلقي الرعاية اللازمة، ولم يكن عائقهم الخوف من كلام الناس فحسب، بل كان الأدهى أنهم رفضوا تصديق وجود مرض نفسي من الأساس. بالنسبة لهم، لا يوجد شيء اسمه مرض عقلي أو نفسي ناتج عن صدمة، وتخيلاتها للأشياء غير الموجودة فسرّوها بأنها "مس من الجن"، أو "سحر"، أو "حسد"، أو نتيجة طبيعية لقلة النوم والإرهاق التي ستزول بمجرد القراءة عليها أو تركها للوقت. كانوا يرون انهيارها وهلاوسها وينسبونها إلى أي غيبيات وخرافات، معتبرين أن الطب النفسي أكذوبة ومضيعة للمال، وأنه لا توجد أمراض طبية تسبب هذه التخيلات.
في مجتمعنا، يُنظر إلى الاضطراب النفسي وكأنه مجرد حالة عابرة يمكن للمرء أن يخرج منها بـ"قوة الإرادة" أو بالإنكار، متناسين أن الصدمات العاطفية الكبرى تسبب خللا كيميائيا حادا ومدمرا في الدماغ قد يتطلب تدخلا طبيا، تماما كأي نوبة قلبية.
وعلى وقع موقف إخوتي الرافض لتلقي والدتي العلاج النفسي اللازم، تحول بيتنا إلى ساحة معركة باردة ومستنزفة. من جهة، إخوتي الذين سخروا من فكرة عرضها على أخصائي، واعتبروا أن أخذ أم تتخيل أشياء غير موجودة لطبيب نفسي هو وصمة عار وإهانة لحزنها واعتراف بالجنون، ومن جهة أخرى، إصراري الذي كان يملي عليّ أن الحزن حق، لكن ترك عقل أمي يتآكل أمام الهلاوس والاستسلام للموت البطيء ليس قدرا محتوما.
حجزت الموعد، وتكفلت بالخطوة الأولى بمفردي. الذهاب إلى الطبيب النفسي كان المواجهة الحقيقية الأولى مع الحقيقة العلمية. شخّص الطبيب حالتها بدقة وشرح لنا كيف أثرت الصدمة على صحتها. بدأت أمي خطتها العلاجية وتكفلتُ بجميع مصاريفها المالية والأتعاب النفسية التي حُمِّلت على أكتافي من قبل إخوتي، الذين حمّلوني مسؤولية مستقبلها في حال لم تؤتي العلاجات النفسية ثمارها.
خلال 3 أشهر من العلاج المستمر، تغير المشهد تماما في بيتنا؛ تحسن وضع أمي بشكل ملحوظ، وبدأت التخيلات والهلاوس في الاختفاء قليلا، واستعادت صلتها بالواقع وبنا. لم تنسَ ابنتها الراحلة ولن تنساها، لكنها بدأت في استعادة سلامها الداخلي وقدرتها على النوم، وعادت إليها ضحكتها ووعيها لينير البيت من جديد. هذا التحسن لم يكن نجاة لأمي وحدها، بل كان صدمة إيجابية ودرسا لإخوتي والدائرة المحيطة بنا كعائلة، لقد عاينوا بأعينهم كيف نقلها العلاج الدوائي من الهلاوس والموت البطيء إلى العافية والوعي، وتأكدوا بالدليل القاطع أن المرض النفسي حقيقة ملموسة، وليس مجرد خرافات أو أوهام.
قادتني فترة بحثي عن برنامج علاجي لأمي للحديث مع عديد الحالات المشابهة، وعلمت أن قصتي مع أمي هي نسخة مكررة لآلاف القصص في البيوت الليبية، حيث يُترك الكثير من الأشخاص ليموتوا ببطء تحت وطأة الفقد أو الضغوطات وتنحدر عقولهم نحو الهلاوس، بحجة أن "الحزن عادي" أو اللجوء للمشعوذين لأن المرض النفسي لا وجود له في قناعاتهم. الصدمات النفسية حقيقية، والآثار التي تخلفها الضغوط والأزمات النفسية تحتاج إلى طبيب وعلاج تماما كالكسر الذي يصيب العظام.
#دروج
في ليلة صيفية سنة ألفين وخمسة شديدة الرتابة، لمّا كان الهروب إلى الهدرزة في البركيدجو لا يبدأ إلا باستدعاء رغبة السفر وضياع الأيام الزاهية والسباسي الرديئة، وفيما يصل الحديث على أعتاب ضاحية قارباتيلا في روما، حتى يقطعه سؤال رجل شرطة الآداب: شني ديروا هنا؟
هذه البقعة لم توجد لأجل الصيف والعكسات، ولا حتى الشتاء، فالسماء عصرت الغيوم حتى جفت، لكن ليبيا ظلت يابسة.
كان يجلس طوال الليل مع رفاقه في ذلك البركيدجو، وفي كل مرة يخبرهم بالقصة نفسها، التي تحكي عن الرجل صاحب طاقية الكاوبوي، الذي ترك إيطاليا وراءه وعاد ليهيم في الشوارع بلا جدوى. وعن لقائه الغريب مع عجوز ظل يخبره بأن يغادر وراء حلمه، لأن ليبيا توقفت منذ زمن الجرمنت عن تحقيق الأمنيات لأولادها، وتوقفت كذلك رحلاتها للتحليق في سماء الحلم منذ الحصار.
في أيام الغارة كان ولدًا صغيرًا لا يذكر منها شيئًا، لكنه كبر قليلًا بعدها ليعرف من أحوال محيطه ما تركته وراءها. بدأ يدرك الحياة في وقت الحصار، وهو يعيش في شبه مدينة. فهل كانت تلك هي الحياة؟
في عشيّات اللعب، وفي ساحة التراب أمام بيوت القرية، جلب له والده دراجة بإطارات بيضاء من السوق العام. كان قد شاهد قبلها الرسوم المتحركة فترة الظهيرة عبر القناة الوحيدة المتوفرة آنذاك. كان بطل الرسوم طفلًا يمتلك دراجة عجيبة، حتى إنه كان بإمكانه الطيران بها إلى أن يبلغ الشمس، فسأل الصغير والده: هل تطير دراجتي يا أبي؟
يأتي بعدها انتهاء السنة الدراسية، وعليه أن يختار ما بين الجامع أو الجامع، لأنهم أخبروه بأن مخيمات البراعم والأشبال ليست إلا تدويرًا مملًا لمسيرات الأسبوع المفتوح والكثير من الطُز.
كل ذلك اختفى وكأنه لم يكن. ذهبت به ريح القبلي وألقت به في فيافي الأحلام البايخة.
ظل يردد هذه الجملة وهو يمشي، حتى توقف أمام مبنى قديم يقف في منتصفه باب من الحديد، تظهر عليه بقايا من الطلاء الأخضر.
حضر الفلاش باك، وسافر به إلى أيام كان فيها هذا المكان دار سينما. بعد أن تعبر من الباب، يقابلك شباك التذاكر، وعلى اليسار شباك المطعم، حيث كانت فردة التن بانتظارك. ثم انتبه إلى أنه لم يشاهد فيلمًا في سينما داخل ربوع الوطن منذ زمن جيل الغضب والتاكسي بربع دينار. وتذكر آخر فيلم كاراتيه شاهده فيها؛ نفذ حركة بروس لي، أتبعها بصرخته الشهيرة، ومضى في طريقه.
كل هذا الحاصل، والخير لم يأتِ بعد، فما كل هذه النوستالجيا التي تغمرك؟ يسأل نفسه. أنت لم تكن تملك حتى هاتفًا أرضيًا في بيتكم، فتحنّ لضحكة تلك الفتاة التي كان يقلّها باص الثانوية، وأشارت لك بيدها: هل عندكم تليفون؟ ولم تعرف في حياتك شيئًا عن المرح في حديقة الحيوان والبوسكو وقت الأعياد، إلا عندما كبرت وزرت المدن الحقيقية.
لم تكن تعلم حينها أن العالم نزيك، وأنت لم تكن تملك إلا دراجتك التي لا تطير.
في مساء 18 مايو، استضاف مقر منظمة "تنمية 360" في بنغازي معرض "شمس" الفني، والذي نظمته منظمة الميزان للتنمية المستدامة بالتعاون مع مجموعة "هوامش"، في تجربة فنية امتدت لمساء واحد اشتغلت فيه على تحويل المواد المهملة والمعاد استخدامها إلى قطع فنية.
وقد جاء المعرض ضمن مشروع "شمس"، وهو مشروع مخصص للنساء، ركز على علاقة إعادة التدوير بالفن، وعلى إمكان تحويل المادة المستهلكة إلى وسيط بصري قادر على إنتاج معنى جديد. وقد سبق المعرض ورشة تدريبية استمرت خمسة أيام، عملت خلالها المشاركات على تطوير أفكارهن بإشراف قيّمين فنيين، قبل الانتقال إلى مرحلة الإرشاد الفني وإنتاج الأعمال، والتي بدورها عُرضت أمام زوار المعرض.
ويأتي مشروع "شمس" ضمن مبادرة أوسع تعمل عليها مجموعة "هوامش"، وهي مبادرة شبابية تسعى إلى دعم الفنانين والكتاب الشباب لخلق مساحات بديلة للتعلم والتجريب والإنتاج الفني خارج الأطر التقليدية. وكانت "هوامش" قد أطلقت قبل ذلك مشروع "دفاتر خارج الإطار"، المخصص للكتّاب الليبيين، والذي اختُتم بأمسية قراءة ومعرض نصّي بعنوان "الجريدة"، في محاولة لدمج الكتابة بالفنون البصرية وتقديم تجربة مختلفة للتلقي والتفاعل مع الأدب والفن.
وفي "شمس"، وفّر المعرض مساحة تفاعلية مكّنت المشاركات من تطوير مهاراتهن الإبداعية، وفتحت نقاشًا بصريًا حول الاستدامة، وتقليل النفايات، والمسؤولية البيئية، وعلاقة الفن بالحياة اليومية. كما طرح المعرض سؤالًا محوريًا عن كيف يمكن لما نعدّه مادة مستهلكة أو مهملة أن يتحول إلى عمل فني يحمل أثرًا جماليًا واجتماعيًا.
وقالت مديرة المشروع، نجاة المسماري، إن "التنوع في الوسائط والخامات كان جزءًا أساسيًا من فكرة المشروع، لأن شمس قائم بالكامل على إعادة استخدام المواد المهملة وتحويلها إلى أعمال فنية تحمل رسائل بيئية ومجتمعية". وأضافت أن الفنانات استخدمن خامات مختلفة، من بينها الكرتون، والورق، والمعادن، والأقمشة، والمواد البلاستيكية، والأدوات القديمة، لإبراز فكرة أن أي مادة مستهلكة يمكن إعادة إحيائها وإعطاؤها معنى جديدًا.
وأوضحت المسماري أن تنوع المواد المستخدمة يعكس أيضًا تنوع القضايا والتجارب الإنسانية والبيئية التي تناولها المعرض، مؤكدة أن الفن لا يرتبط بوسيط واحد، بل يمكن أن يولد من أي شيء حولنا. ورأت أن استخدام هذه المواد كان محاولة لخلق حوار بصري حول الاستهلاك والنفايات والذاكرة، وربط الفن مباشرة بالحياة اليومية والواقع المحلي.
شهدت منطقة تهالا في بلدية غات موجة سيول وفيضانات جديدة نتيجة عاصفة مطرية قوية أول أيام عيد الأضحى، مما أدى إلى غرق مناطق سكنية وإعادة فتح ملف غياب التخطيط العمراني بالمنطقة. هذه السيول لم تكن مفاجئة من الناحية العلمية، بل هي نتاج مباشر لتقاطع التقلبات الجوية مع التوسع البشري العشوائي داخل ممرات الأودية الجافة؛ وهي الأودية التي تظن السياسات الإغاثية الموسمية أنها ماتت، بينما هي تستعيد مجاريها بقوة عند أول اختبار مناخي.
المنطقة، من منظور علمي، ليست ضحية لصدفة جغرافية، بل هي محكومة ببنية تضاريسية صارمة تضعها في قلب الخطر. تشرح الباحثة الجيولوجية ياسمين الأحمر هذه الخلفية مشيرة إلى أن "ما يحدث في غات وضواحيها ليس حدثا عشوائيا أو مفاجئا بالكامل من الناحية الجيولوجية والطبيعية، لأن المنطقة تقع ضمن منخفض طبيعي على مسار وادي تنزفت بين مرتفعات جبال أكاكوس شرقا ومرتفعات الهوقار والأليزي من الغرب".
هذا التموضع ليس مجرد تفصيل جيوغرافي، بل هو محرك طبيعي للمياه، إذ تضيف الأحمر في تعليقها حول الأزمة أن هذه التضاريس "تساعد على اندفاع كميات كبيرة من مياه الأمطار بسرعة عالية نحو مجرى الوادي عند حدوث عواصف مطرية قوية".
الأزمة الجيولوجية لا تتوقف عند حدود الانحدار، بل تمتد إلى هوية الأرض نفسها وطبيعة تربتها التي ترفض استيعاب الفائض المائي. تصف الباحثة الأحمر هذا السلوك الجيولوجي بقولها: "طبيعة التربة في أجزاء واسعة من الوادي عامل مساعد في تفاقم المشكلة لأنه تغلب عليها التكوينات الطينية التي تحد من تسرب المياه لباطن الأرض، مما يؤدي إلى تجمع المياه وجريانها السطحي بشكل كثيف خلال فترة قصيرة فتتحول الأودية الجافة إلى مجاري سيول خطيرة خلال ساعات".
هنا تحديدا تتحول القضية من التفسير إلى المساءلة، فالأودية التي تبدو هامدة وميتة لعدة سنوات، غالبا ما يتم تجاهل سجلها الفيضاني عند تخطيط البناء، مما يدفع نحو توسع عمراني وبناء مساكن في حيز جغرافي يُفترض أنه ملك للطبيعة. وضمن هذا السياق، تلفت الأحمر الانتباه إلى أن "المشكلة الأكبر لا ترتبط بالأمطار فقط بل بالتوسع العمراني داخل مجاري الأودية والمناطق المنخفضة المعرضة بشكل طبيعي للغمر لأن الأودية التي تبدو جافة لعقود لا تزال تحتفظ بمساراتها الطبيعية، وعند عودة الأمطار الغزيرة تستعيد هذه المجاري نشاطها بعنف".
السماح بهذا الزحف العمراني، أو الاضطرار إليه نتيجة غياب المخططات السكنية البديلة والآمنة، يمثل جوهر هذه الأزمة المتكررة، وفي ظل الاضطرابات المناخية المتسارعة، لم تعد هذه السيول مجرد زائر موسمي عابر، بل تحولت إلى خطر وجودي مستدام يهدد بشكل مباشر الاستقرار السكني بمزيد من موجات النزوح المحتملة.
يثبت واقع الحال في غات وباقي مناطق الجنوب أن مشاريع الإعمار والتنمية التي تطلقها السلطتان المتنافستان غربا وشرقا ليست ذات أولوية حياتية، وتبقى مجرد أدوات لتسجيل النقاط السياسية والاستهلاك الإعلامي، فبينما تحاول الحكومتان استغلال أي أزمة تطفو على السطح لإظهار الكفاءة عبر غرف الطوارئ الافتراضية، تُترك خطط حماية سكان المنطقة دون تمويل أو رعاية علمية. ويصطدم هذا الواقع بتحولات مناخية وجيولوجية لا تنتظر البيانات الرسمية، ولا تعترف بالانفصام الحاصل بين الاستعراض الحكومي والواقع على الأرض.
#دروج
تحولت سلسلة وعود التحول الرقمي والشمول المالي التي أطلقها المصرف المركزي خلال الأشهر القليلة الماضية إلى صدمة قاسية للمواطنين عشية عيد الأضحى. فمع غياب "الكاش" وتحديد المصارف التجارية سقوف سحب متدنية لا تتماشى مع الغلاء الحاد في الأسواق، انهار البديل الرقمي تماما بسقوط شبكة السداد الإلكتروني ومنظومة نقاط البيع. هذا الشلل الفني المفاجئ ترك آلاف العائلات الليبية والتجار في عجز مالي تام وقبيل ساعات قليلة من العيد، لتتحول البطاقات المصرفية في جيوب المواطنين إلى مجرد قطع بلاستيكية لا قيمة لها، وتنكشف معها هشاشة الوعود الرسمية في اللحظات الحرجة.
وفي محاولة لامتصاص الغضب والتنصل من المسؤولية، برر المصرف المركزي هذا الانهيار بحدوث ضغط فني ناتج عن تنفيذ مليوني عملية مالية في يوم واحد. إلا أن لغة الأرقام تفكك هذه الرواية وتكشف زيف البروباغندا الرسمية، حيث تبين أن تلك العمليات التي شملت المحاولات الفاشلة والمكررة لا تمثل في الواقع سوى 36% فقط من أصل 5 ملايين ونصف مليون بطاقة مفعلة في البلاد، بحسب تحليل للصحفي المتخصص في الشأن الاقتصادي، محمد الحجاج. وتكتمل الصورة مع معرفة أن هذه العمليات جرت عبر 67 ألف نقطة بيع، وهو ما يعادل 39% فقط من إجمالي نقاط البيع المفعلة والموزعة في البلاد.
توضح هذه المؤشرات الفنية الفاضحة أن المنظومة الرقمية للدولة عجزت تماما عن الصمود أمام تشغيل أقل من نصف طاقتها المفترضة، ما يعني أن التوسع في توزيع ماكينات الدفع وإصدار البطاقات كان مجرد حملة تسويقية واستعراض إعلامي لم يرافقه أي استثمار حقيقي في البنية التحتية وتطوير الخوادم لتتحمل مواسم الذروة. ولم يتوقف التلاعب عند هذا الحد، بل حاول المركزي خلط الأوراق المالية عبر تضخيم الأرقام وإقحام رقم 20 مليار دينار تم ضخها كمرتبات، للإيحاء بأن السيولة المفرطة هي ما فجر الشبكة عشية يوم العيد، متناسيا أن مرتبات شهر أبريل صُرفت ونُفذت فعليا منذ الرابع من مايو وتم استهلاكها تدريجيا في الأسواق ولم تكن مكدسة في منظومة السداد اللحظي.
محطة فشل مؤسسي جديدة عمّقت أزمة الثقة بين المواطن والمنظومة المصرفية، ودفعت بالمواطنين خطوة واسعة إلى الوراء نحو التمسك بالكاش وطرق الدفع التقليدية والهروب من المصارف، مما يهدد بمضاعفة أزمة السيولة مستقبلا نتيجة سياسة الاستعراض الإعلامي التي يدار بها المصرف المركزي.
#دروج
كل عام، ومع حلول عيد الأضحى، تنتشر صور تُظهر محاولات التخلص من جلود الأغنام بما يكتسيها من صوف، حيث تعمل شركات النظافة العامة في بعض المناطق على تجميعها تمهيدًا للتخلص منها، فيما تبقى الجلود مكدسة على أطراف صناديق القمامة في مناطق أخرى.
محاولات تجميع الجلود للتخلص منها تثير كل عام موجة انتقادات عدة، حيث علّق الصحفي المتخصص في الشأن الاقتصادي محمد الحجاج في وقت سابق على هذه القضية قائلاً: "في عام 2022 صدّرنا صوف وجلود ومنتجات مرتبطة بيهم بقيمة 4 مليون دولار، وفي العام نفسه استوردنا ذات نوع المنتجات بقيمة 900 مليون دولار، استوردنا 220 ضعف اللي صدرناه في عام واحد فقط".
ويرى الحجاج أنه كان بالإمكان الاستفادة من جلود وصوف الأغنام بدل التخلص منها وتضييع فرصة استثمارها، مُذكِّرًا بالقرار الذي أصدرته وزارة الاقتصاد في سبتمبر 2021، لمنع تصدير الصوف، ما يعني أننا لم نستفد من القرار في استثمار ما لدينا من جلود وصوف، ولم نوفّر مصانع قادرة على استغلال هذه الثروة الحيوانية.
وللتخفيف من حدة هذه الفجوة تدريجيا، ينصح الحجاج بتشجيع القطاع الخاص وتوجّه مركز تنمية الصادرات للدول المتقدمة لإبرام تعاقدات تقضي بتصدير منتجات الجلود والصوف إليها، وتوطين هذه الصناعات في ليبيا.
على الرغم من تكرار هذه الظاهرة سنوياً، إلا أن الجهات المعنية في الدولة لم تبدِ أي اهتمام ولو بسيط باستثمار جلود وصوف الأغنام، ما يعني استمرار تحويلها من ثروة حيوانية قابلة للاستثمار إلى ثروة مُهدرة ومصدر للأعباء المادية والبيئية على الدولة، وبدل أن تكون مصدرًا لتحقيق اكتفاء ذاتي -ولو جزئي- من ناحية كل ما يتعلق بصناعات الجلود والصوف وتوفير فرص عمل، أصبحت مصدراً محتملاً للتلوث البيئي والاستنزاف المادي والبشري.
في منتصف عام 2024، عرضت دار المزادات العالمية بونامز "Bonhams" لوحة للفنان الراحل محمد البارودي. ويعتبر هذا العرض، الذي تم ضمن مزاد 'الفن الحديث والمعاصر في الشرق الأوسط' وبقيمة تقديرية بلغت آلاف الجنيهات الإسترلينية، خطوة نادرة وضعت إرث البارودي مرة في سوق الفن العالمي، وضمن تصنيف رواد الحداثة التشكيليين في المنطقة، ليسجل الفن التشكيلي الليبي حضوره في أحد أشهر المزادات الفنية.
ولد الفنان الراحل محمد البارودي عام 1931 في حي الظهرة بالعاصمة طرابلس، وتعود جذوره إلى مدينة يفرن "اتوغاسرو"، وقد رافقت موهبة الرسم البارودي منذ طفولته المبكرة، حيث شكلت البيئة الليبية وعاء ملهمًا لتجربته البصرية؛ فترجمت ريشته جمال الطبيعة، وأفراحها، ومعاناة الإنسان معها. وتأصل هذا التأثر بالبيئة المحلية نتيجة معايشته المباشرة لتفاصيل الحياة اليومية ومزاولته لمهنتي الزراعة والرعي في مدينة يفرن إبان الحرب العالمية الثانية، وهو ما انعكس بشكل جلي في مضامين لوحاته ورسوماته لاحقًا.
يرصد الدكتور فرج عبد الكريم، الأستاذ والفنان السوري الراحل، أسلوب البارودي المختلف عن أبناء جيله من التشكيليين الليبيين، فيقول في مقالة نشرت مطلع التسعينيات: "يختلف الفنان محمد البارودي عن سابقيه، فهو فنان واقعي حقًا لكنه هنا يمعن في دراسة التفاصيل في الشكل الإنساني على وجه الخصوص، ليعطي على شخوصه أو أجزاء من هذه الشخوص قيمة تعبيرية تنبع من واقعها التشكيلي، فنان متمكن جدًا من رسم الواقع، يهتم باللقطات الفلكلورية".
بعد تخرجه من كلية الفنون، استهل البارودي مسيرته المهنية بالعمل كرسام في عدة مواقع، من بينها عمله كرسام جيولوجي في إحدى شركات النفط، ومع بداية الستينات، اتخذ منعطفا حاسمًا في مسيرته بترك العمل الحكومي واحتراف الرسم كمهنة مستقلة، حيث أسس مرسمه الخاص الأول في منطقة جامع بن ناجي، قبل أن ينتقل في أواخر الستينات إلى مرسمه في منطقة جنزور، والذي استمر في الإنتاج والعطاء فيه حتى مطلع الثمانينات.
يُجسد البارودي في أعماله الأشخاص الذين يبدون عاديين في صورة روحانية محاطة بالغموض، كما يظهر في لوحته حيث يعزف رجل مسنّ على الكمان على ضوء الشموع، محاطًا بأغراض يومية. وفي جل أعماله، نجح البارودي في صياغة هوية بصرية متفردة تنطلق من تفاصيل الحياة اليومية لتصل إلى ذروة التعبير الفني، إنه يمنح الهامشيين والأنشطة البسيطة هالة من القدسية والجمال، الأمر الذي يفسر لماذا بقيت أعماله محتفظة بدهشتها وأصالتها طوال عقود.
"وُلد داود موسى حمد حلاق في مدينة شحات “منطقة صنبّر” عام (1942)، والتحق بكلية الآداب في الجامعة الليبية بمدينة بنغازي، وفي أبريل (1973)، تعرّض للسجن خلال الأحداث التي شهدتها ليبيا فيما عُرف بـ”الثورة الثقافية”، كما صودرت مكتبته الخاصة. وبرغم ذلك، برز بوصفه أحد أهم الأصوات القصصية في ليبيا خلال النصف الأول من سبعينيات القرن الماضي، عبر قصتين لفتتا الأنظار مبكرًا هما “ذات ليلة ممطرة” و”الموت في الملاذ”. وبعد سنوات من الانقطاع عن كتابة القصة، عاد لاحقًا ليصدر مجموعته القصصية “قناص هرم” عام (2007)، في تجربة جاءت متأخرة نسبيًا بعد انشغاله الطويل بالبحث التاريخي والأثري."
——-
"ورغم الأثر الذي تركه داود حلاق في الثقافة الليبية، فإن جزءًا مهمًا من مشروعه الفكري بقي حبيس الإهمال والتغييب. فحتى اليوم، لم يُنشر كتابه “بذور ليبيا الخالدة” (2008) وظلّ بعيدًا عن التداول، كما ضاعت نسخ مطبوعة منه نتيجة الإهمال. وإلى جانب ذلك، ترك حلاق عدة أعمال لم ترَ النور بعد، من بينها المجموعة القصصية “صمت الأجراف” و”جدر الموت” دراسة حول القلاع في برقة، إضافة إلى “مقّه” الذي تناول فيه الإله “مقّه” وتتبع حضوره وامتداداته في ليبيا.
ويبدو مؤسفًا أن يظل هذا الإرث، بعد كل تلك السنوات، خارج دائرة العناية الثقافية الحقيقية، في وقت تعاني فيه الذاكرة الليبية من ضياع كثير من نتاج روادها. ولعل أكثر ما يثير الأسى أن كاتبًا كرّس حياته للبحث في الذاكرة الليبية، انتهى جزء من إرثه نفسه مهددًا أيضًا بالنسيان والضياع. لذلك، فإن أقل ما يمكن أن يُقدَّم اليوم لتجربة داود حلاق ليس الرثاء أو إحياء ذكرى رحيله بصورة خجولة، بل مشروع جاد تتبناه المؤسسات الثقافية لجمع أعماله المتبقية، وإعادة نشرها، بوصفها جزءًا أصيلًا من الذاكرة الأدبية والتاريخية والفكرية الحديثة في ليبيا."
لقراءة المقال كاملًا: https://t.co/E75dpn7Src
في ليبيا، لم تعد أزمة الإفراجات المالية مجرد تأخرٍ في المرتبات أو تعثرٍ إداري عابر، بل تحولت إلى أزمة تمسّ حياة الشباب واستقرارهم وكرامتهم معًا. آلاف الخريجين والموظفين التحقوا بأعمالهم وهم يعتقدون أن الوظيفة العامة ستكون بداية لحياة مستقرة، لكنهم وجدوا أنفسهم داخل دائرة طويلة من الإجراءات والتأجيلات، يعملون داخل مؤسسات الدولة من دون أن يحصلوا على حقهم الطبيعي في الراتب. ومع مرور الوقت، تغيّر معنى “الإفراج المالي” في الوعي العام؛ فلم يعد يشير إلى إجراء إداري لتفعيل المرتبات، بل أصبح رمزًا لمستقبل معلّق وحياة مؤجلة.
لا يمكن فهم هذه الأزمة بمعزل عن حالة التشتت المؤسسي التي تعيشها الدولة الليبية. فالمسؤولية عن الإفراجات تتوزع بين جهات متعددة، في ظل بطء إداري مزمن وغياب ميزانيات مستقرة لسنوات طويلة، الأمر الذي جعل المرتبات تخضع للاختناقات الإجرائية والتجاذبات السياسية أكثر مما تخضع لمعايير واضحة وثابتة. كما ساهمت البيروقراطية المعقدة وضعف التنسيق بين المؤسسات في تحويل الإجراءات الإدارية إلى مسار طويل من الانتظار، حيث تبقى بعض الملفات معلقة لسنوات، بينما تُنجز ملفات أخرى بسرعة. ومع تكرار هذا التفاوت، بدأت الأزمة تتحول تدريجيًا من مجرد خلل إداري إلى أزمة عدالة وثقة داخل مؤسسات الدولة.
وحين تغيب الشفافية وتفقد المؤسسات قدرتها على إدارة الحقوق بصورة عادلة، يصبح النفوذ الطريق الأسرع للحصول عليها. وهذا ما يشعر به كثير من الشباب الليبي اليوم؛ إذ لم تعد الكفاءة وحدها كافية لبناء مستقبل مستقر، بل أصبح القرب من دوائر التأثير عاملًا حاسمًا في تحريك الملفات وتسريع الإجراءات. ومع الوقت، تحولت بعض الحقوق إلى امتيازات لا تُنال إلا بالرشوة أو العلاقات، بينما يبقى الموظف الحقيقي عالقًا داخل الإجراءات المعقدة. وقد ترك هذا الواقع أثرًا عميقًا على وعي الشباب، لأن الموظف الذي يكتشف أن مستقبله قد يتحدد بعلاقاته أكثر مما يتحدد بكفاءته، يفقد تدريجيًا ثقته بقيمة العلم والعمل. وهكذا لم تعد الواسطة مجرد تجاوز استثنائي، بل تحولت إلى تعبير عن تراجع الثقة بالمؤسسات وبفكرة العدالة نفسها، حيث تبدأ الروابط القبلية والجهوية بأخذ مكان الدولة بوصفها وسيلة غير رسمية لضمان الحقوق وتحصيل المصالح.
النتيجة الأخطر لهذه الأزمة ليست فقط تأخر المرتبات، بل صناعة جيل يعيش داخل حالة دائمة من الهشاشة وعدم اليقين. فالكثير من الشباب الليبي لم يعودوا قادرين على التخطيط لحياتهم بصورة طبيعية، بسبب غياب دخل مستقر ومستقبل اقتصادي واضح. وهكذا تحولت سنوات الشباب، التي يفترض أن تكون مرحلة للبناء والاستقرار، إلى فترة طويلة من الانتظار والقلق وتعليق القرارات المصيرية كالزواج وتكوين الأسرة والاستقلال المعيشي.
ومع استمرار هذا الواقع، بدأ كثير من الشباب بالبحث عن بدائل خارج الوظيفة العامة، سواء في الاقتصاد غير الرسمي أو في أعمال بعيدة عن تخصصاتهم، بينما انسحب آخرون نفسيًا من فكرة العمل المؤسسي نفسها. فالإنسان الذي يعيش طويلًا داخل حالة من اللايقين يفقد تدريجيًا شعوره بالأمان والسيطرة على مستقبله، ويبدأ بالنظر إلى الحياة بوصفها مساحة مؤجلة لا يمكن الوثوق باستقرارها.
وهكذا أصبحت قضية المرتبات تدفع جيلًا كاملًا إلى العيش على هامش المستقبل بدل المشاركة في صناعته. وتحولت إلى ارتباك بنيوي يمسّ العلاقة بين المواطن والدولة نفسها. فالدولة لا تقوم فقط على وجود المؤسسات، بل على شعور الناس بأن حقوقهم تُدار بصورة عادلة ومتساوية. لكن حين يتحول الراتب إلى ملف معلق بين البيروقراطية والوساطات، تتراجع هيبة القانون ويضعف الإيمان بالمؤسسات، ويبدأ الأفراد بالبحث عن الحماية داخل روابط بدائية وأكثر فاعلية (القبلية – الجهوية) بدل الاحتماء بالدولة.
ومع استمرار هذا الواقع، تغدو المسألة أعمق من مجرد خلل مالي أو إداري، لأنها تضعف فكرة المواطنة نفسها، وتعيد تشكيل العلاقة بين المجتمع والدولة على أساس النفوذ والتحايل لا القانون. ولهذا فإن استمرار أزمة الإفراجات المالية لا يعني فقط تعطيل المرتبات، بل يعني أيضًا إنتاج بيئة اجتماعية هشة تتآكل فيها الثقة العامة تدريجيًا، وهو ما يجعل بناء مؤسسات مستقرة وعادلة أكثر صعوبة وتعقيدًا مع مرور الوقت.
هل أحببنا فلسطين بالفعل؟ من “القدس زهرة المدائن” إلى الجنوب اللبناني و”قانا الجرح”، كبر جيل كامل على مبدأ “بلاد العرب أوطاني”. أتذكر جيدًا عملًا فنيًا في ممر المدرسة يصوّر سناء المحيدلي شامخة، فتاة بروح قديسة. كانت التعبئة المكثفة ترفع فلسطين إلى قمة اهتمامات الجميع. كانت دومًا قضية أبدية لا تتحمل التشكيك أو المساومة.
ظلت أغلب نشاطات الأسبوع المفتوح متمحورة حول الغضب والثأر للعروبة. كل الأناشيد كانت بلون الحلم العربي، تسأل عن الملايين، وترسم لنا بستانًا وشجرة على أمل أن ينام أطفال القدس بسلام، وأن يذهبوا صباحًا إلى مدارسهم مثلنا. كانت سردية عادلة، ساهمت في تكوين وجدان قومي يتبنى اللاءات العربية، وينتقد الحكام العرب وبرود مواقفهم في القمم، وجامعة عربية بدت لنا مرادفًا للخنوع والتخاذل.
شكّل دخول رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون إلى الحرم القدسي عام 2000 لحظة مفصلية، عمّقت حضور فلسطين في قلوب الليبيين. حنظلة، ألوان العلم الفلسطيني، مشاهد أطفال الحجارة، وصورة محمد الدرة التي حملناها وعدًا صادقًا على حقائبنا المدرسية؛ كلها صارت جزءًا من قاموس أخلاقي واضح. في ذلك الوقت، كانت مفردة “التطبيع”، وإمكانية جلوس عربي مع “قتلة الأطفال”، تمثل خيانة لا تغتفر.
لكن الفكرة هنا لا تتعلق بعدالة القضية الفلسطينية، بل بمعنى القضايا العادلة نفسها: من يغرس بذور الإيمان بقضية ما؟ ومن يختار لنا القضايا التي نعتنقها وتلك التي نتجاهلها؟ هل أحببنا فلسطين، أم تكوّنت عقيدتنا حولها عبر توجيه طويل، بدأ من المدرسة وخطاب الدولة وامتد إلى الوجدان العام؟
لقراءة المقال كاملًا: https://t.co/PK2eBksQHi
بين الخوف والوصم وضعف الحماية، يتحول العنف الجنسي في ليبيا من اعتداء على فرد إلى أزمة أوسع، تمتد آثارها إلى الأسرة والشارع والمؤسسات، وإلى اللغة نفسها التي تُستقبل بها شهادات الضحايا أو تُدفع بها إلى الاختفاء. فالصمت نتيجة مباشرة لغياب الحماية، وهو ما يترتب عليه ضعف الثقة، والخشية من أن يتحول الإفصاح نفسه إلى أذى إضافي للناجيات.
من هذه الزاوية، تأتي هذه الوثيقة البحثية المستقلة، التي أعدّتها الدكتورة عائشة شادي عام 2026، تحت عنوان: "التقرير الوطني الموحّد حول العنف الجنسي، الصمت المجتمعي، وأزمة الحماية في ليبيا"، والذي يقرأ العنف الجنسي كأزمة نفسية واجتماعية ومؤسسية متداخلة.
تعتمد الدراسة على منهج وصفي–تحليلي متعدد المصادر، يجمع بين التحليل النفسي، وعلم نفس الصدمة، وعلم النفس العصبي، والتحليل الاجتماعي–المؤسسي، مستندةً إلى استبيانات رقمية مفتوحة على فيسبوك وتيك توك، مركّزةً في أسئلتها على الشعور بالأمان، والثقة بالمؤسسات، والموقف من الإفصاح، بالإضافة إلى تصورات المجتمع حول العنف الجنسي. لا يقدّم التقرير نفسه كإحصاء وطني شامل، بل قراءة لاتجاهات نفسية واجتماعية حول قضية نادرًا ما تجد في ليبيا مساحة آمنة للظهور.
وأبرز ما يطرحه التقرير هو قلب المعادلة السائدة. فالصمت، في قراءته، ليس قبولًا بالعنف ولا تواطؤًا معه، بل غالبًا استجابة عقلانية في بيئة لا تضمن السرية ولا الحماية ولا الإنصاف. فحين يعرف الضحية أن الإفصاح قد يهدد سمعته أو علاقاته أو أمنه الاقتصادي والاجتماعي، يصبح الصمت آلية نجاة. ينتقل التقرير من خطاب الوعظ، الذي يطالب الضحايا بالكلام، إلى خطاب الحماية، الذي يسأل عن الشروط المتوفرة التي تجعل الكلام ممكنًا وآمنًا.
تظهر أهمية هذه النقلة كونها في مجتمع لا يزال يميل في كثير من الحالات إلى تحويل مسؤولية العنف من الجاني إلى الضحية. فالتقرير يقرأ لوم الضحية كاعتداء نفسي وليس مجرد موقف اجتماعي. واللوم، وفق هذه القراءة، يعيد تشكيل علاقة الضحية بذاتها، ويزرع الشك والذنب ويعطل التعافي، كما يدفع إلى مزيد من الانسحاب والصمت. لهذا تبدو أزمة العنف الجنسي في ليبيا، كما يصوغها التقرير، أزمة مزدوجة بين عنف يقع، ثم نظام اجتماعي ومؤسسي يجعل الاعتراف به مُكلفًا.
ولا يتوقف التقرير عند النساء، رغم أنهن في قلب هذه الأزمة بسبب ارتباط أجسادهن اجتماعيًا بمفاهيم السمعة والشرف والعائلة. فهو يفتح أيضًا ملف صدمة الرجال، وهي مساحة نادرة في النقاش الليبي حول العنف الجنسي. يشير التقرير إلى أن أكثر من 90 في المئة من المشاركين يدركون صعوبة حديث الرجال عن الأذى بسبب الوصم ونماذج الرجولة السائدة. تصبح الرجولة، كما يفهمها المجتمع، قيدًا نفسيًا آخر مختزلًا في كبت إظهار أي شكل من أشكال الهشاشة باعتبارها ضعفًا. وبهذا يتحول الألم غير المعالج إلى غضب أو عدوان أو تعاطي مواد أو انسحاب اجتماعي، بدل أن يُعامل كأثر صدمة يحتاج إلى دعم.
وفي ملخصه التنفيذي الموجه لصنّاع القرار، يعرض التقرير أن أكثر من 90 في المئة يرون أن الصمت يعرّض آخرين للخطر، وأكثر من 90 في المئة يرفضون استخدام الدين أو مفهوم "الستر" لإسكات الضحايا، وما بين 60 و70 في المئة يرون أن المرأة تُلام أو يُشكك بها عند الإفصاح، بينما تتراوح نسبة المطالبين بتشديد العقوبات بين 96 و100 في المئة. وتشير النتائج إلى ضعف الثقة في قدرة المؤسسات الصحية على حفظ السرية، وإلى شعور واسع بأن النظام التعليمي لا يوفر حماية وقائية للأطفال.
هذه الأرقام، رغم أنها لا تمثل إحصاءً وطنيًا بالمعنى الرسمي، إلاّ أنها تكشف مفارقة مهمة. فالمشكلة في الأصل ليست غياب الوعي وحده. إذ أن هناك وعي مجتمعي واسع بخطورة الصمت، ورفض واضح لتبرير الإسكات. لكن هذا الوعي لن يتحول تلقائيًا إلى حماية، لأن الثقة بالمؤسسات ضعيفة، والخوف من الوصم حاضر، ومسارات الدعم غير واضحة أو غير مأمونة. ولهذا يقترح التقرير نموذجًا وطنيًا للتعافي والحماية يقوم على مبادئ أهمها الأمان قبل الإفصاح، وعدم لوم الضحية، والدمج بين العلاج والحماية النفسية والقانونية والاجتماعية.
والقيمة الأهم لهذا التقرير في لغته النفسية التي نقلت النقاش من خانة الفضيحة والسمعة إلى خانة الصدمة والحماية والتعافي. وهذا التحول تغيير في زاوية الطرح السائدة. فحين يُنظر إلى الضحية باعتبارها شخصًا مصابًا بصدمة، لا متهمًا محتملًا بالكذب أو التسبب فيما حدث له، يصبح الإصغاء جزءًا من العدالة، وتصبح السرية جزءًا من العلاج، ويصبح عدم اللوم شرطًا أخلاقيًا ومؤسسيًا.