لحظة إدراك إنك مش بتطارد الهدف (شغل، بيت، عربية، فلوس) انت بتطارد الشعور اللي انت فاكر إن الهدف هيجيبه، وإنك انت اللي ربطت بينهم، لسببٍ ما، ولكن الحقيقة إن مفيش رابط قد يأتي الهدف بلا شعور، وقد يأتي الشعور بلا هدف. وإن قلوبنا في النهاية بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء
رواية واحدة تكفي
#مقالي :
زعمت أنني، على مدى سنواتي القرائية، وقبل أن أكتب «أغنية قادمة من الغيم»، قرأت ما يزيد على مئة رواية؛ محلية وعربية وعالمية. وكأنني أخذت، من حيث لا أشعر، بنصيحة أديبنا الكبير الدكتور عبدالله بن سليم الرشيد قبل أن أقرأها:
«إن آنست في نفسك رغبة في الكتابة الروائية، فاقرأ، قبل أن تشرع فيها، مئة رواية جيدة. هذا إن كنت تحترم الإبداع، وتبحث عن الإضافة الممتازة.
وقل مثل ذلك عن الشعر.
طريق الإبداع شائكة.»
لكن المفارقة أنني، منذ صدور روايتي عام 2023م، لا أظن أنني قرأت أكثر من ست روايات، ثلاث منها لم أكملها لطولها. ولاحظت أنني لم أعد حريصًا على اقتناء الروايات بالشغف الذي كنت أقتنيها به. ولعل من أسباب ذلك شعوري بالتشبع من هذا الفن،إضافة إلى أنني، حتى هذه اللحظة، لا أفكر في طرق باب الرواية مرة أخرى
وليقل من شاء إنني من أصحاب الرواية الواحدة.
وبالمناسبة، تتباين الآراء حول ظاهرة كتابة «الرواية الواحدة». وفي رأيي أن أفضل من كتب عنها هو الروائي السوداني المبدع أمير تاج السر في كتابه الممتع «ذاكرة الحكائين»؛ إذ استشهد برواية «الفهد» للإيطالي لومبيدوزا، ورواية «تحت البركان» للأمريكي مالكولم لاوري، مبينًا أنهما وضعتا صاحبيهما في مكانة متقدمة في سماء الأدب، رغم أنهما لم يكتبا غيرهما.
كما استشهد برواية الكاتب المكسيكي خوان رولفو الوحيدة «بدرو بارامو»، التي ترجمها ��الح علماني، ووصفها بالرواية الرائعة. وأشاد كذلك برواية الشاعر أمجد ناصر «حيث لا تسقط الأمطار»، وبرواية «الشمندر» للكاتب المصري النوبي محمد خليل قاسم.
أتذكر أنني بعد الصدى الجميل لرواية «أغنية قادمة من الغيم»، جلست مع ناقد روائي فسألني عن جديدي الروائي، فقلت: لا أنوي طرق باب الرواية مرة أخرى.
فقال لي: "انتبه.. رواية واحدة لا تبقيك في أذهان القراء روائياً مهما بلغت روايتك من نجاح".
فقلت: المهم أنني وضعت في سلتي التأليفية وردة لا تذبل، تُغنيني عن ألف وردة.
أما لقب «الروائي» الذي يقدمه بعض أصدقائي على اسمي أحيانًا، فما زلت أستغربه. وسبق أن قلت في تغريدة:
"أكره كلمة “الإعلامي”، وأستغرب كلمة “الروائي”؛ لأنها جديدة علي. أما “كاتب” و”شاعر” فلا أكرههما ولا أستغربهما؛ فهما توصيفان قيلَا لي في زمن كنت أتفاخر فيه بالألقاب."
بعد أن قلّ اهتمامي بقراءة الرواية، أصبحت أجد متعة خاصة في الكتب التي تدور حول القراءة نفسها، مثل «تاريخ القراءة» لألبرتو مانغويل، و«هوس القراءة» لجو كوينن، و«تباريح القراء» لنعيم الفارسي، و«العلاج بالقراءة» لبيجال شاه، و«قوة القراءة: من سقراط إلى تويتر» لفرانك فوريدي، و«غوايات القراءة» لعلي حسين، و«فتنة القراءة» لعلي فايع.
وملت إلى السير الأدبية الممتعة، مثل «أثر عنايات الزيات» لإيمان مرسال، و«إبراهيم ناجي.. زيارة حميمة تأخرت كثيرًا» لسامية محرز،و « صفحات من مذكرات نجيب محفوظ»لرجاء النقاش
و « إلى أين أيتها القصيدة » لعلي جعفر العلاق، و « واستقرت بها النوى» لحمزة المزيني ،و«أصبحت أنت »لأحلام مستغانمي…
كما اتجهت إلى الكتب التي تناولت سير الأدباء، مثل كتب عبدالعزيز الهجين: «مودة الغرباء»، و«الأنس بالراحلين»، و«هوى النفوس». وكذلك الكتب الأدبية الممتعة، مثل «زواج المبدعين» و«المبدعون عشاقًا» لشوقي بزيع، وكتب الدكتور عبدالله بن سليم الرشيد، وأشهرها «تدوين المجون»، وكتاب «عين تراقب العصفور» لملاك الجهني، و«أهل المغنى» لعلي الأمير. وهذه مجرد صورة بانورامية عفوية للكتب المتناثرة على مكتبي.
لن أهجر الرواية، ولن أتوقف عن قراءتها؛ لكن لو لم أقرأ في العام إلا رواية واحدة، فأحسبها تكفي. وليس في هذا انتقاص من شأن الرواية، فأنا أعرف لماذا ينبغي للقارئ أن يقرأها.
ولعل أجمل تحريض على ذلك ما كتبه الدكتور سامي العجلان تحت عنوان: «لماذا على الشاعر أن يقرأ الرواية؟»، وهذا مقتطف مما قال:
«دعك من الوصايا المدرسية المكررة لتجويد الأسلوب: قراءة المقامات، ونثر الدر للآبي، وكتب الجاحظ والتوحيدي وأبي العلاء، فهذه مصادر مهمة بلا ريب؛ ولكنها غير كافية. ما يرتقي بأسلوب الشاعر المعاصر حقًا حين يكتب النثر هو قراءة الرواية العالمية على وجه الخصوص، ثم العربية؛ فهي ترود وعيه وذائقته نحو عوالم من الأحاسيس الإنسانية الرفيعة، والأفكار الكونية العميقة، التي لن يجدها في غير الرواية. »
وسلامتكم
لكنّ الحياة تمضي، وهي تمضي بصمت وفي غفلةٍ منه أحياناً، أو تمضي صاخبةً وهي تدفعه أمامها. لم يكن بوسعه فعل شيء، أو وضع علامات إرشادية لنفسه، باستثناء علامات التحذير والتنبيه من ارتكاب أيّ مخالفة كبيرة قد لا يتسامح معها الآخرون.