من ظن أنه سيرجع مِن دعائه صفر اليدين
فما أحسن الظن بربه تعالى ! قال الإمام ابن باز يرحمه الله : " قد يُعطي اللهُ السائل خيرًا ممّا سأل، وقد يصرف عنه من الشر أفضل مما سأل، فعليكَ بحُسن الظن بالله وأن تستمر في الدعاء وتلح في ذلك، فإن في الدعاء خيرا كثيراً لك ".
#الوتر
تأمّل حكمة الشّارع في النهي عن ابتداء الكفّار بالسّلام، وأخذ وسط الطريق وترك جوانبه لهم، وتحريم معايدتهم في أعيادهم إلخ… من الأحكام المتعلّقة بالتّعامل معهم.
فإمّا أن ينصرف بشرّه ويهاب قرب المسلمين فيأمنون، أو يشعر بكونه مجرمًا فتؤزّه نفسه للبحث عن الحق، وهنا يأتي دور ما شرعه الله من إحسان إليهم وبرّ ودعوة.
قرار العيش في المجتمع المحلي ..
في أيام دراستي بالجامعة، وفي استراحة على أطراف الرياض، التقيت بكاتب سعودي معروف كان له حضور واسع ومؤثر في الوسط الإسلامي المحلي آنذاك. وهو حاصل على شهادة الدكتوراه من أمريكا وعاش فيها قرابة عشرة أعوام. وكان للتو قد خرج من تجربة اعتقال.
دار بيننا حديث متشعب، وسألته يومها عن تجربته في أمريكا وطبيعة المجتم�� والحياة السياسية والثقافية هناك. وبعد إجابات عامة ومختصرة قال لي جملة لافتة لم أنسها: صحيح أنني درست هناك، لكنني عشت الحالة التي وصفها سيد قطب ب "العزلة الشعورية"، فلم أخالط المجتمع المحلي، وكان احتكاكي اليومي مقتصراً على الوسط الطلابي السعودي وتواصل محدو�� مع المجتمع العربي والمسلم هناك.. كان واضحاً أنه أثناء دراسته انهمك بالنقاشات الثقافية الموجودة في بلده واستمر يكتب عنها بانتظام في بعض الصحف والمجلات المحلية، وكأنه لم يغادرها.. كانت هذه العبارة كافية لتفسير فقر معرفته بالمجتمع والسياسة والتاريخ والثقافة والاقتصاد في بلدٍ عاش فيه لعشرة أعوام.
في ديسمبر 2016 كنتُ في زيارة لإسطنبول، والتقيتُ في أحد المقاهي باثنين من الأصدقاء العرب، يومها ضاع معظم الوقت وهم يتناقشون بحماسٍ حول بيان أصدرته مجموعة مُنشقة من جماعة محلية وعن مواقف البعض وتعليقات آخرين في فيسبوك حول ذلك. قلت لهم وهم وسط حماستهم: بالمناسبة اليوم سقطت حلب! استعادها النظام. والقنوات الإخبارية ليس على شاشاتها منذ أيام إلا تغطية هذا الحدث الكبير.. ورغم أن استقرار العرب في إسطنبول في هذا التوقيت يعني غالباً العيش وسط مجتمع سوري، إلا أنه بدا عليهم أنهم لم يسمعوا بهذا الخبر قبل الآن.
سألني صديق مرة: هل تعتقد أن العامل الهندي أو البنغالي الذي عاش في السعودية عشرة أعوام أو عشرين عاماً يعرف جيداً المجتمع المحلي؟ هل يعرف طبيعته وتنوعاته واختلاف "سلومه" وثقافاته وتاريخه السياسي؟ كان السؤال كافياً للدلالة على أن العيش في مجتمع ولو امتد لسنين لا يعني بالضرورة معرفته وفهمه.. وفي تجربة اسطنبول التي عاشت فيها مجموعات عربية كبيرة ومتنوعة، رأينا كيف عاش كثيرون داخل أسوار نفسية واجتماعية معزولة عن الوسط العربي المحيط بهم، فضلاً عن التداخل بالمجتمع التركي.. وفي دول الخليج رأينا تجارب مشابهة لعربٍ عاشوا فيها لسنين ولا يكادون يعرفون شيئاً عن المجتمع والناس والتاريخ السياسي والتنوع السكاني فضلاً عن معرفة ما تم إنتاجه من أدب وفن وثقافة ومرويات.
العيش في مجتمع آخر لا يعني بالضرورة "تجربة" مختلفة، ولا تراكماً في الخبرة. قد تعيش جسدياً في مجتمع آخر وأنت لم تخرج نفسياً ومعرفياً من بلدك. فالجيتو قرار، والعيش في فقاعة هو اختيار محض. ووسائل التواصل التي مثّلت فرصة للتعرف على ثقافات ومجتمعات أخرى، قد تكون جداراً عازلاً لك عن آخرين تعيش معهم فيزيائياً ولكنك منفصل عنهم ثقافياً واجتماعياً ونفسياً، وتجد في وسائل التواصل - التي تربطك ببلدك - تعويضاً يجعلك تنكفئ داخل مجتمعك المحلي، وتغرق أكثر في عزلتك.
ارتفعت درجات الحرارة في أوروبا قبل عدة أيام، فانقلبت الدنيا، وتصدرت الأخبار، وامتلأت المواقع والقنوات بالتغطيات، رغم أنهم يعيشون في بيوت فارهة، وتحيط بهم كل وسائل التبريد والراحة !!
أما أطفال غزة، فيعيشون منذ ثلاث سنوات في خيام بالية، تسيح فيها جلودهم من شدة الحر، ��تنهش القوارض والحشرات أجسادهم الصغيرة ليل نهار، حتى امتلأت جلودهم الطرية بالطفح الجلدي والأمراض التي يعجز العقل عن وصف بشاعتها !!
ومع ذلك فلا أحد يأبه بهم، أو يهتم لأمرهم، أو يسلط الضوء على معاناتهم، وكأنهم بشر من الدرجة الثانية، لا يستحقون أن يعيشوا حياة كريمة مثل بقية أطفال العالم !!
اللهم إن خذلهم العالم، وتخلى عنهم القريب والبعيد، فأنت حسبهم ونعم الوكيل، اللهم كن لهم عوناً ومعيناً، واجعل حر هذا الصيف برداً وسلاماً على أجسادهم الصغيرة، اللهم ارحم ضعفهم، واجبر كسرهم، وفرج كربهم، برحمتك يا أرحم الراحمين !!
اللهم اجبر قلوب من نحب، وأرِنا فيهم ما نحب، تولهم بلطفك، ��أنزل عليهم سكينتك، واملأ قلوبهم بالرضا، ولا ترنا فيهم حزنًا ولا بأسًا، وبلغنا فيهم ما يسرنا ويقر أعيننا.
لن يمكنك أن تصبر أو ترضى .. إذا سيطرت عليك نفسُك الشهو��نيّة!
نعيشُ اليوم في حياةٍ مليئة بالمتع والماديّات البرّاقة..
نرى المشاهير وهم يزينون اللذات الحسيّة، والرفاهية العالية، وتحاصرنا وسائل التواصل بالموضوعات التافهة والأحاديث المسلّية!
كلّ هذا تتلقاه النفس وتعتاد عليه فيؤثّر فيها، ويربّيها على التطلّع للدنيا والبحث عن المتعة الدائمة، وعدم القناعة بما في أيديها..
فإذا طالبناها بالصبر على الأمور الجادّة، والأفعال النافعة .. أو حتّى أقدار الله واختباراته لنا = لم تقبل نفوسنا ذلك، وتسخّطت على ما هي فيه!
فكيف لنا أن نحلُم بأن نراها راضية مطمئنة .. وهي لا تتحمّل الصبر؟
إنّ نمط الحياة المعاصر يغذي النفس الشهوانية، ويجعلها المتحكّمة في رغبات الإنسان وتطلعاته..
ولا مفرّ من مقاومتها وقطع الإمدادات عنها، وتغذيتها بما يفيد وينفع.
وإلّا سيظلّ الصبر والرضا وترك الجزع والتشكّي .. حُلمًا بعيدًا لا نستطيع تحقيقه.
لا تجاوز قدرك.
منذ طفولتي كان لدي هاجس مفرط ورغبة عارمة أن تسير الأمور دائمًا على ما يرام. كنا صغارًا، والوالدة تنام، وأريد أن يلتزم إخوتي بالصمت حتى لا يوقظوها. وبالطبع لم يكن في وسعي إجبارهم على ذلك، فأتميز غيظًا منهم، وأتحرق من القهر، ولم أكن أكبرهم ولا أرشدهم.
وفي الشباب كبرت، ورافقني هذا الشعور المأزوم، ففي المسجد أشعر بالمسؤولية، ولم أكن إمامًا مكلفًا ولا أكبر الحاضرين، لكن أحب أن يكون المسجد على أتم الأحوال. أشعر بالقلق حين يصرخ الأطفال، أو يعبث الصغار، أو يشتجر اثنان من الجماعة كأنني وكلت بهم.
بل حين أشارك في مجامع الناس، أحب ألا يقع ما يسوء حتى ولو كانت الضيافة عند غيري، وأتوتر عندما يتسافه أحدهم، أو يسخر، أو يحرج آخر. وكبرت ومعي ظاهرة القلق على "الما يرام"، فأريد أن تكون أسرتنا -الوالدان والإخوة والأخوات- في صحة وهناء وسعادة.
وأحشر نفسي في كل أزمة تحل، وينشل تفكيري مع الإصرار على الطموح المستحيل: أن تكون الأمور على ما يرام. ثم كانت لي أسرة وأولاد، والشعور ذاته يلاحقني، فنفسي متشعبة في مدارسهم وجامعاتهم ورفاق��م وتفاصيل آلامهم.
ثم تأملت، فإذا الذي أفعله ليس مجرد خلل عاطفي، ولا مبالغة، ولا رحمة معتدلة، بل هو إخلال بالأدب مع رب العالمين، وتطفل من عبد عاجز بائس ليس له من الأمر شيء، وتطاول لمقام لا يليق بالعبودية والافتقار والضعف.
فكل هؤلاء الذين تلاحقهم بالقلق، لا يمكنك فعل شيء لهم، ولا مقاديرهم بيدك، ولا تدبير أمورهم إليك. يمكنك تقديم الدعاء والنصيحة والمساعدة، لكن أن تتشوف لأن تضبط شؤونهم، أو تستحوذ على مصائرهم، أو أن تشعر بأنك لو غبت عنهم انخرم عقدهم وضاعت حياتهم؛ فكل ذلك من الوهم وترك أدب العبودية.
هؤلاء كلهم، الله وحده ربهم، وحده من يدبرهم، ومن يقضي لهم وبينهم، ويسألهم ويحاسبهم. أنت لم تُبعث وكيلًا، ولا رقيبًا، ولا مسيطرًا على أحد؛ ليس لك من الأمر شيء ولا مثقال ذرة. التوكل هو مقام العبودية والأدب، وأن ��عرف معنى الرب ومعنى العبد.
(وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إ��نِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ)
د. عبدالله بن بلقاسم
مر رجل على أخي وهو في العناية المركزة، وسلم علينا وجلس معنا اقل من ثلاث دقايق، دعا بالدعاء الذي وصى به النبي ﷺ بقوله: "ما من عبد مسلم يعود مريضا لم يحضر أجله، فيقول سبع مرات: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك، إلا عوفي"
كان لهذه الزيارة تأثير بالغ في نفسي.
المؤمن المجتهد في الطاعات والمجتنب للمحرمات كُلما ترك معصية -واحدة- لاحظ الفرق في لِين قلبه وخشوعه في صلاته وانشراح صدره وخير المؤمنين من كان بينه وبين زلته مُباعدة.. فهو لايعصي الله في يوم أو أسبوع وكُل ماتباعد زمن معصيته وجد لذّة الإيمان والإعانة على الطاعة.
نعيش في غزة حال الاضطرار وندعو دعاء الغريق، وإن فاتتنا الدنيا فأحسب أن الله قد فتح لنا بابًا من الأنس به ولزوم طاعته وذِكره -مما قد لا تجده عند بلاد أُخر- فأعرف من لم يتخلف عن قيام الليل مرة، ومن يصوم يومًا ويفطر أخر ومن يقرأ كتاب الله كان في ساعات، ومن يذكر الله في يومه بالآلاف.
فاتك أ�� تسكن وتطمئن، وجريت خلف الوهم، وأخذتك الدنيا وزخرفها، فما لبثتَ أن تبدت لك الحقائق، وكُشِفت لك بواطن الأشياء، ومآلات التعلق بالدنيا وبالعباد، وأنك لهثت وراء سراب وأشياء لا تُدرك، فسكنت نفسك أخيرًا.. أو ترجو لها ذلك.
رب ساخر اليوم مسخور منه في الغد ورب مفضول اليوم يكون فاضلا في الغد وهذا شيء مش��هد وفي بعض الآثار يروى: «من عير أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله»وفي الآثار أيضا: «لاتظهر الشماتة بأخيك فيعافيه الله ويبتليك».
تفسير سورة الحجرات (38).