مِن واشنطن إلى مَراح الإبل..
سيرةُ وفاءٍ وحنينٍ لا تنطفئ.
.
أيُّ سِرٍّ هذا الذي يجعلُ رجلًا يطوفُ بأمريكا، ويتقلبُ في أعطاف "بلاد العم سام" عقودًا، ثم لا يطمئنُّ قلبه، ولا يجدُ راحته، إلا حين يعودُ إلى تراب قريته الصغيرة؟
.
وأيُّ خيطٍ خفيٍّ هذا الذي تنسجه نجدٌ في أرواح أبنائها، فلا تستطيعُ المدنُ الكبرى ولا السنواتُ الطوال أن تقطعه؟
هذا السؤال دهمني وأنا أجلسُ في رحاب ضيافة الأستاذ عبد العزيز الصعب "أبا عبد الله" في بلدة "الشِّعراء " ، وكنت بمعية صهره الدكتور محمد السعيدي، ويكملنا أبو مشعل عبدالرحمن البيز ..
وكلا الرجلين أمضيا ست سنواتٍ في الولايات المتحدة، وتدرجا في معارج المناصب والمسؤوليات، فما إن أزاحا عن عاتقهما ثقل التقاعد، حتى أقبلا على "الشعراء" بقلبٍ يفيضُ صبابةً وشوقًا، وكأنه يغسلُ وعثاء الغربة في ظلال بيوتهما الطينية.
.
أما بطل قصتنا، فهو الأستاذ عمر البيز "أبو خالد"؛ والذي لا تبدأ سيرته من بهرج المناصب، بل من تلك البداية الشاقة التي تكشفُ جوهر الرجال.
.
تخيلوا معي؛ يدخلُ الفتى المدرسة الابتدائية وهو في الستة عشر من عمره!
.
في سنٍّ يأنفُ فيها أقرانه من الجلوس بين الصغار، لكن أبا خالد لم يأنف، بل مضى بإصرارٍ "فولاذي" يطوي المراحل طيًّا، حتى نال الثانوية، ثم عمل في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قبل أن يفتح له الله بابًا لم يحلم به؛ فسافر لأمريكا لينال البكالوريوس والماجستير، ويخدم وطنه ملحقًا تعليميًا هناك لأربعة عشر عامًا..
.
تتعجبون معي هنا، فرغم كل ذلك البريق، كان يهرعُ في كل إجازة بأبنائه نحو "الشعراء"، شوقاً لترابها الذي لا يعوضه "سياتل" ولا "ديزني لاند".
.
**عجبًا لهؤلاء القوم!**
أيُّ مغناطيسٍ هذا الذي سكن في ذرات رمال "الشِّعراء" ليجذب قلوبهم هكذا؟
.
أتأملُ حالهم وأتعجب؛ فالبلدةُ باتت اليوم هادئةً، تئنُّ تحت وطأة الصمت، ولا يسكنُ دروبها سوى الذكريات العتيقة، فيما الأبناءُ قد كبروا وتفرقوا في المدن الكبرى طلبًا للرزق في وظائفهم.. ومع ذلك، يتركون كل شيءٍ خلفهم، ويهربون من أضواء المدن وزحامها، ليعودوا إلى هذا السكون!
.
وكأن الذكرى عندهم أثمنُ من الحاضر، ورائحة الأرض أزكى من عطر المناصب.
.
يا لله ! ذهبوا بعيدًا في الأرضِ، لكنَّ قلوبَهم ظلَّت مربوطةً بوتدٍ قديمٍ في نجد.. هنا في بلدة "الشعراء".
.
هؤلاء الرجال ما هزمتْهم الغربةُ، ولا أغراهم بريقُ العالم؛ لأنَّ في داخلهم أرضًا أقدمَ من كلِّ المدن.
.
وهنا، ثنال من ذاكرتي بعض محفوظاتي إبان اليفاعة، والتي لم أدرك معانيها إلا اليوم ..مع هؤلاء الرجال.. الذين يلتقي مشهدهم بذلك الفيضان الشعري القديم؛ فقد أولع الشعراءُ بنجدٍ حتى جعلوا من رمالها قصائد.
.
أول من يُستحضرُ هنا الصمّة القشيري، الذي ودّع نجدًا والدموعُ تسبق الكلمات:
**قِفا ودِّعا نجدًا ومَن حلَّ بالحِمى**
**وقلَّ لنجدٍ عندنا أن يُودَّعا**
.
ويصطف بجواره يزيد ابن الطثرية، الذي أرسل تلك الأبيات التي ما زالت تُنشد عبر القرون:
.
أَلا يا صَبا نَجدٍ لَقَد هِجتَ مِن نَجدِ
فَهَيَّجَ لي مَسراكَ وَجدًا عَلى وَجدِ
.
أَإِن هَتَفَت وَرقاءُ في رَونَقِ الضُحى
عَلى فَنَنٍ غَضِّ النَباتِ مِنَ الرَندِ
.
بَكَيتُ كَما يَبكي الحَزينُ صَبابَةً
وَذُبتُ مِنَ الحُزنِ المُبَرِّحِ وَالجَهدِ
.
إن أبا خالد وأبا عبد الله وأبا مشعل لا يفعلون إلا ما فعله ابن الطثرية في شعره؛ فالفرقُ الوحيدُ أن أولئك عبّروا بالقصيدة، وهؤلاء عبّروا بالعودة. وربما كانت العودةُ أبلغ من القصيدة، لأن القصيدة قد تقولها وأنت بعيد، أما العودةُ فلا تكون إلا إذا كان القلبُ قد حسم أمره، واختار أن ينهي رحلته حيث بدأت.. تحت سماء "الشعراء".
.
يا سادة:
ليست العظمةُ في أن تبلغَ أقاصي العالم، بل في ألَّا تفقدَ الطريقَ إلى بابك الأوَّل.. وفي آخرِ المطافِ، لا ينتصرُ للإنسانِ إلا ما أحبَّهُ بصدقٍ؛ ولهذا انتصرتْ "الشعراء".
شكرًا لكم م. محمد، فريق مميز ومشروع مهم
رأس مال أي منظومة ناجحة هم فريق العمل، ومن الصعب أن نطلب إرضاء الساكن دون أن يكون الموظف سعيدًا في بيئة عمله.
ومن هنا تأتي أهمية هذا المشروع، الذي يتجاوز أثره ما يشاهده العميل أثناء الزيارة، لينعكس على رفع الإنتاجية، وتحسين جودة الخدمة..
🚨 تصريح سمو سيّدي ولي العهد بعد الفوز
بـ استضافة معرض اكسبو العالمي 2030م :
"الرياض جاهزة لاحتضان العالم ، الأمر الذي
يجعل منها وجهة جاذبة لأبرز المحافل الدولية
والاستثمارات العالمية والزيارة، وبوابةً للعالم".
🔹 ألف مبروك يا من صنعت لنا التاريخ 🇸🇦
أبارك لصاحب السمو الملكي الأمير سعود بن طلال بن بدر بن سعود بن عبدالعزيز آل سعود للثقة الملكية وتعيينه محافظا لمحافظة #الأحساء بالمرتبة الممتازة ،وفقه الله لمواصلة المسير في نهضة هذه المحافظة الغالية .