الليل والفقر والقمر..
عام (١٤٠٣هـ) الموافق (١٩٨٣م) نما إلى علمنا ونحن طلاب في المرحلة الابتدائية، أن وزارة المعارف تعاقدت مع خمسين معلماً تونسياً، وبعد عام من هذا العقد ارتأت الوزارة أن التجربة ناجحة، فأكملت مشوارها بالتعاقد مع خمسمائة معلم تونسي في العام الذي يليه. كان نصيب مدرستي في العام الأول أستاذاً لمادة الرياضيات اسمه محمد بلخيرية، وفي السنة الثانية (١٤٠٤هـ) الموافقة لعام (١٩٨٤م) وفد إلينا مدرسان تونسيان آخران، هما أستاذ العلوم (حسناوي)، وأستاذ اللغة العربية الشاب عمر زائري.
كان هذا الأستاذ الأخير ضليعاً في علوم اللغة العربية، كان صغير السن وأقلَّ خبرةً من مواطنيه السابقين، لكنه كان متمكناً وعاشقاً للغة بني يعرب. فحين وجد منهج كتاب النصوص لدينا مقتصراً على عدد معين من الأناشيد، كأنشودة (سل صفحة الأيام تنبئك عن إقدامي)، ترك لنا متسعاً من الوقت بعد إتمام المنهج، ليمنحنا قطعاً شعرية وقصائد نثرية؛رغبة منه في تنمية عقولنا -وربما قلوبنا- من ملكة التذوق الأدبي، منحنا في البداية نصوصاً لعدد من الشعراء والكُتّاب العرب، لكنه اختار لنا ذات مرة قصيدتين فصيحتين؛ الأولى من شعر التفعيلة (الشعر الحر)، والثانية من الشعر العمودي.
كانت القصيدة الأولى للشاعر التونسي الميداني بن صالح، التي تحمل عنوان (قرط أمي). أما القصيدة الثانية فكانت للشاعر التونسي أيضاً جعفر بن ماجد، وعنوانها (رثاء القمر)، وهي التي ألقاها شاعرها بعد المشهد الصاخب والحدث المرتقب عام (١٩٦٩م)، حين هبط “أرمسترونغ” ورفاقه على سطح القمر أمام شاشات التلفزة العالمية.
كانت قصيدة (قرط أمي) حزينة، تحكي كفاح أرملة تغزل الصوف لتطعم يتيمها وتنفق على تعليمه.
ضرب الزمن ضرباته، وكبر هذا الطفل اليتيم، وأصبح شاعر تونس الأول، وفازت قصائده بجوائز ومحافل عربية كبيرة. وكان من أجمل وأروع هذه القصائد قصيدة (قرط أمي)، التي عبّر فيها الشاعر عن قصة والدته مع الفقر، وحرصها على تعليم صغيرها اليتيم، من خلال مغزلها الذي طالما سهرت الليالي وهي تحيك به ملابس أبناء القرية، ومن عوائده تسد رمق طفلها، وتؤمن مصروفه المدرسي.
في هذه القصيدة صوّر الميداني بن صالح ليلة الفراق، حين مدت أمه يدها لتناوله قرطها الأخير تحت ضوء فانوس منزلهم القديم، وتودع ابنها الذي عزم على شد رحاله من القرية ليكمل دراسته في العاصمة تونس. مشهد درامي سجله الميداني بن صالح وهو يقول:
ورنتْ لي،
ودموع العين تجري
…خذه يا ابني،
إنّه ذخري الأخير
لك، يا كنزي الكبير.
إنّ هذا القرط من كدّ يميني
إنّ أسلاكه من نور عيوني
وتجاعيد جبيني
فأنا بالأمس
قد كنت أجاهد
كان لي زند وساعد
أنا أطفأت به ألف خلالة
وملايين المراود
القصيدة حزينة، تحكي قصة الشاعر مع أمه الأرملة الفقيرة. وحتماً لن تجدها كاملة في محركات البحث الرقمية، إلا في روابط “اليوتيوب”، لذا فمازالت غائبة عن المنصات المعنية بعلوم الأدب والشعر والنثر العربي. ولولا أننا حفظناها في صغرنا لما استطعت أن أجد لها نسخة كاملة.
أتذكر جيداً حين نشرت صحيفة الجزيرة قصيدة غازي القصيبي الشهيرة (رسالة المتنبي الأخير إلى سيف الدولة)، تحلقنا أنا وإخوتي حول أخي (فواز) وهو يتمايل طرباً مع أبيات غازي، ويردد معه:
يا سيدي في القلب جرح مثقل
بالحب يلمسه الحنين فيُسكبُ
يا سيدي والظلم غير محببٍ
أما وقد أرضاك فهو مُحبَّبُ
حينها دار حديث طويل بيننا، ورحت أستعرض شاعريتي أمام إخوتي بقصيدة (قرط أمي) التي حفظتها في ذلك الأسبوع.
وفي شهر رجب من ذلك العام، قبل أن يودعنا أستاذنا العروبي الشاب، قدم لنا تحليلاً فنياً لقصيدة (رثاء القمر) للشاعر جعفر بن ماجد. ولأننا مفتونون بالشعر العمودي فقد طربنا مع هذا الشاعر، وهو يصف حال القمر بعد أن وطئته -إن صحت الأخبار- قدم أول إنسان يهبط على سطحه الخالي، واصفاً وجه القمر بقوله:
غريب على سطح السحاب كئيب
له من هموم الساهرين نصيب
يراجع أحلام السنين كأنه
جبين بدا في عارضيه مشيب
ويذكر أياماً له كان أمناً
بعيداً عن الإنسان وهو قريب
وشاهد من مروا وما كان منهم
وأمرهم فينا رآه عجيب
وظل أنيس الحائرين كأنه
خبير بأسرار القلوب طبيب
كان هذا الأستاذ الشاب يقربني إليه، ويطلب أن أساعده في رصد درجات زملائي الطلاب. كان يثق بحبي للعربية، ويمنحني الدرجة الكاملة في النصوص، وكان هو رائد فصلنا. لكننا افترقنا مطلع عام (١٤٠٥هـ) الموافق (١٩٨٥م)، لانتقالي إلى مدرسة قرب منزلنا في نفس الحي.
وتبع هذا الانتقال فراق طويل، حيث ضرب الزمن ضرباته، وتخرجت من الجامعة، والتحقت بالقطاع الخاص، ثم انتقلت إلى القطاع العام. وهناك، أثناء تواجدي في مكتبي، دخل عليَّ رجل في العقد السادس من عمره، بلباس سعودي مكتمل الأركان، سلّم ثم قال:
يتبع 👇
#اليوم_العالمي_للقمر
من جميل ما قرأت..
مصباحٌ محترق.. وشهادة وفاة!
كان هناك مفوّض شرطة متقاعد، اعتاد أن يعيش في منزل حكومي فاخر، ثم انتقل بعد تقاعده إلى منزله الخاص في أحد الأحياء السكنية. وكان لا يزال يعتز كثيرًا بمنصبه السابق ومكانته الاجتماعية.
كلّ مساء كان يذهب إلى الحديقة العامة، لكنه لم يكن يتحدث مع أحد، وكان يشعر أن مَن حوله ليسوا في مستواه.
وفي أحد الأيام جلس إلى جواره رَجُلٌ مُسِنّ وبدأ يتحدث معه بودّ، لكن المفوض لم يهتم بحديثه، بل ظل يتحدث عن نفسه، وعن منصبه السابق، وهيبته، واحترام الناس له.
وقال بفخر: "أنا أعيش هنا لأنه منزلي الخاص".
استمر هذا المشهد عدة أيام، حتى قال الرجل المسن ذات يوم:
"يا سيادة المفوض.. هل تعرف المصباح؟ طالما أنه مضيء فهو مهم، ولكن عندما يحترق (يتعطل)، فلا فرق بين مصباح قدرته 10 واط أو 100 واط، فكلاهما يصبح بِلا نور".
ثم أضاف: "أنا أسكن هنا منذ خمس سنوات، ولم أخبر أحدًا أنني كنت عضوًا في البرلمان لدورتين".
تغيّر لون وَجْه المفوض.
وأكمل الرجل: الرجل الجالس إلى يمينك كان مديرًا عامًا للسكك الحديدية..
والذي أمامك كان فريقًا في الجيش..
والذي في الزاوية كان رئيسًا لمجلس إدارة شركة كبرى..
ومع ذلك.. لم يتحدث أيٌّ منهم يومًا عن مناصبه السابقة.
ثم قال: "نحن جميعًا هنا.. بمن فينا أنت.. مصابيح محترقة. وعندما ينطفئ التيار، لا فرق بين مفوض الشرطة ورجل الشرطة".
الشمس عند الشروق جميلة.. والشمس عند الغروب جميلة أيضًا..
لكن الناس يُحيّون شمس الشروق، وينسون شمس الغروب.
هذه هي حقيقة الحياة.
المناصب، والسلطة، والجاه، والألقاب.. كلها أمور مؤقتة، وليست هويتنا الحقيقية.
فإذا جعلناها أساس حياتنا، فلنتذكر أنها ستنتهي يومًا ما.
وكما في لعبة الشطرنج.. الملك، والوزير، والفيل، والحصان، والجندي.. لكل منهم قيمته أثناء اللعب.
لكن بعد انتهاء المباراة.. يعود الجميع إلى الصندوق نفسه.
وفي النهاية..
مَهْمَا حصلنا في حياتنا على شهادات، وأوسمة، وجوائز..
فإنّ آخر شهادة رسمية نحصل عليها جميعًا هي: "شهادة الوفاة".
وقد يحتفظ بها أبناؤنا أو أحفادنا لفترة من الزمن لأغراض إدارية فقط..
أمّا الذي يبقى لنا حقًّا فهو أعمالنا الصالحة، وأخلاقنا، وأثرنا الطيب بين الناس.
اللّهمّ أحسن خاتمتنا، واجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك..
اللّهمّ آمين.
كانت تعطيه بقايا الطعام كل مساء ظنًا منها أنه طفل جائع… لكنها بعد سنوات وقفت أمامه عاجزة عن الكلام، بعدما اكتشفت الحقيقة التي أخفاها عنها طوال عمره.
كل مساء، وقبل أن تغلق السيدة إلينا أبواب مطعمها الصغير، كانت تراه واقفًا في المكان نفسه.
صبي هزيل لا يتجاوز الثانية عشرة، بثياب قديمة وحذاء يكاد يتمزق.
لم يكن يقترب من الزبائن، ولم يطلب المال، ولم ينطق بكلمة.
كان يكتفي بالانتظار في هدوء، وكأنه يعرف أن أحدًا في هذا العالم ما زال يراه.
في كل مرة، كانت امل تجمع ما تبقى من الطعام الصالح، تضعه في كيس نظيف، ثم تناوله له بابتسامة دافئة.
فيأخذه بكلتا يديه، ينحني شاكرًا، ويرحل.
استمر هذا المشهد أشهرًا، حتى أصبح جزءًا من يومها.
لكن شيئًا واحدًا كان يحيرها…
لم تره يومًا يأكل.
وفي إحدى الأمسيات، غلبها الفضول.
قالت له:
“يا بني… سامحني على السؤال، لكن أين أسرتك؟ ولماذا لا تأكل هنا؟”
تغير لون وجهه، وأطرق برأسه للحظات.
ثم ابتسم ابتسامة باهتة وقال:
“شكرًا لكل ما فعلتِه من أجلي… لكن لا أستطيع أن أجيب.”
واختفى مسرعًا.
تلك الليلة، لم تستطع امل النوم.
كان في عيني ذلك الطفل وجع لا يشبه الجوع.
وفي اليوم التالي، قررت أن تتبعه.
سار محمد في شوارع ضيقة حتى وصل إلى منزل متواضع في أطراف الحي.
ظنت أنه سيدخل ليأكل.
لكنها فوجئت به يضع كيس الطعام أمام الباب، ثم يبتعد سريعًا ويختبئ خلف سور قديم.
بعد ثوانٍ، خرجت امرأة ومعها ثلاثة أطفال.
وما إن وجدوا الطعام حتى غمرت الفرحة وجوههم، وكأنهم عثروا على هدية من السماء.
وقفت امل في مكانها والدموع تملأ عينيها.
في اليوم التالي، استوقفته.
قالت بصوت مرتجف:
“رأيت كل شيء… أخبرني الحقيقة.”
ظل صامتًا طويلًا، ثم قال:
“بعد وفاة أمي، لم يكن لدي بيت ولا عائلة. هذه الأسرة استقبلتني رغم فقرها، وتقاسمت معي لقمة العيش، حتى عندما كانوا ينامون جائعين.”
تنهد، ثم تابع:
“بعد أن أصبحت أستطيع الوقوف على قدمي، رحلت حتى لا أكون عبئًا عليهم. لكنني وعدت نفسي ألا أنسى جميلهم أبدًا.”
وأشار إلى المطعم، ثم قال:
“كل ما تعطينني إياه… لا آكله أنا.”
“أتركه أمام بابهم كل ليلة، لأنهم لن يقبلوا مساعدتي لو عرفوا أنها مني.”
انهمرت دموع امل.
لأول مرة في حياتها، شعرت أنها تقف أمام إنسان أغنى من كثير من الأثرياء.
في ذلك اليوم، اتخذت قرارًا غيّر حياة الجميع.
عرضت على محمد العمل معها، وخصصت له راتبًا وتعليمًا، ثم زارت الأسرة بنفسها.
وفرت للأم وظيفة في المطعم، وساعدت الأطفال على مواصلة تعليمهم، وأصبحت ترسل لهم احتياجاتهم دون أن تجرح كرامتهم.
مرت السنوات…
كبر محمد، واجتهد، وتخرج في الجامعة، ثم أسس واحدة من أكبر المؤسسات الخيرية في المدينة.
وكان أول مشروع افتتحه يحمل اسمًا واحدًا فقط…
“مطعم امل”.
وفي يوم الافتتاح، دعا المرأة التي غيرت حياته.
وقفت تنظر إلى اللافتة الكبيرة، ثم التفتت إليه وهي لا تكاد تصدق ما ترى.
ابتسم محمد وقال:
“أنتِ كنتِ تظنين أنكِ تمنحينني بقايا طعام… لكنكِ في الحقيقة كنتِ تمنحينني الأمل.”
وأضاف وهو يناولها مفتاح المطعم الجديد:
“هذا المكان أصبح باسمك… لأن أول من علّمني أن الخير الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج… كنتِ أنتِ.”
لم تستطيع امل الرد.
اكتفت بالبكاء.
فبعض لحظات الامتنان… تعجز الكلمات عن وصفها.
لأن المعروف الذي يُقدَّم في صمت، قد يعود يومًا بصورة لم تخطر على قلب أحد.
" لقد حلمت بأنني سأسجل هذا الهدف، أقسم لك." 🔥
🚨🎥 يالها من لحظة مؤثرة؛ لاوتارو مارتينيز لم يستطع تمالك نفسه خلال المقابلة الصحفية و ذرف الدموع.🥹
ـــــ المذيع:"كم هو صعب أن تقول شيئاً بعد هذا الجنون الذي عشناه للتو!"
🗣 لاوتارو مارتينيز:" [يبكي] أوه... لا أعلم في الحقيقة..."
ـــــ المذيع: "هل كان الأمر يستحق كل هذا العناء والجهد للوصول إلى ما حققته الآن؟"
🗣 لاوتارو: "هذا الأمر قوي جداً ومؤثر للغاية... مؤثر جداً حقاً. منذ المرة الأولى التي اشترى لي فيها والدي زوجاً من الأحذية الرياضية (لعب كرة القدم)، كنت أحلم دائماً بتسجيل هذا الهدف. أعذرني (يبكي)."
ـــــ المذيع: "عائلتك وبلدتك باهيا يراقبونك الآن، الأرجنتين تعيش جنوناً عارماً، وهذا الفريق يمثل حالة من الجنون."
🗣 لاوتارو: "هذا لوالدتي... منذ اليوم الذي غادرت فيه للعب مع نادي راسينغ، لم تتوقف أبداً عن إعداد سريري ورعايتي... وهذا بالنسبة لي يساوي أكثر من مجرد هدف، وأكثر من مجرد مباراة نهائية. لدي طفلان هناك، وقد غيرا حياتي تماماً منذ وصولهما... لقد جعلاني أهدأ وأتزن. أستمتع بكل هذا الآن، ابنتي جعلتني أهدأ خطوة، وابني جعلني أهدأ ثلاث خطوات، واليوم أنا رجل يستمتع بالحياة."
ـــــ المذيع: "لقد جعلت 47 مليون أرجنتيني يستمتعون اليوم بضربتك الرأسية كما لم يفعلوا من قبل."
🗣لاوتارو: "لقد حلمت بهذا، أقسم لك. لقد أخبرت أليكسيس ماك أليستر بأنني سأسجل هدفاً، وأخبرت فاكوندو ميدينا على مقاعد البدلاء بأنني سأدخل وسأحسم الفوز... كان الأمر صعباً جداً اليوم، لكن الكرة سنحت لي في النهاية. إينزو سجل هدفاً رائعاً أيضاً. والآن، وأنا أكثر هدوءاً، أقول لك إن هذا الفريق يستمر في إثبات المعدن القوي الذي صُنع منه."
ـــــ المذيع: "أستغل هدوءك الآن لأسألك؛ لقد سألت سكالوني قبل قليل، أنه عندما كنا على وشك الإقصاء وعندما حظوا هم (إنجلترا) بمساحات في الهجمات المرتدة، تفجرت موهبة الفريق ولعبه الجماعي وفرصه للتسجيل، لأنكم بجانب الروح القتالية والعزيمة والذكاء، تمتلكون كرة قدم حقيقية ومهارة عالية."
🗣 لاوتارو: "نعم، هذا صحيح. لقد أصابهم التعب، لقد ضغطوا علينا طوال 60 دقيقة تقريباً وبعدها لم يعودوا قادرين على المواصلة. عندما سجلوا هدفهم تراجعوا إلى الخلف، وهذا منحنا المزيد من الهدوء في تدوير الكرة وتحريكها، وقمنا بتوسيع رقعة اللعب في الملعب. وفي النهاية، نجحنا في تسجيل الهدفين. بعد ثلاث سنوات ونصف، سنلعب نهائي كأس عالم آخر مجدداً."