الحسين، بطل المقهورين الشعبي..
عندما كُنا صغارًا، لم يكُن في حديث الكبار الكثير من الأبطال، بل إن من استأثر البطولة في رؤوسهم ونفوسهم ووجدانهم كان شخص واحد يتمحور حوله كُلّ شيء تقريبًا، تديّنهم وانتماءهم الفطري وهويتهم الثقافية. كان اسمه "الإمام الحسين". لم يكن بالنسبة إليهم مجرّد شخصية تاريخية أو رمز من رموز الدين أو ذكرى تُستعاد في موسم من المواسم، بل كان معيارًا تُقاس به المواقف، ومرآة تُرى فيها معاني الكرامة والحقّ والوفاء والإيثار ورفض الخضوع للطغيان والذلّ. كبرنا ونحن نسمع اسمه أكثر ممّا نسمع أسماء الملوك والقادة والفاتحين، حتى بدا وكأنّ التاريخ كلّه يمرّ من كربلاء، من واقعة الطفّ تلك، وأنّ الإنسان يُعرَف بموقعه من تلك الواقعة قبل أيّ شيء آخر.
لم يترك الحسين وراءه دولة تحكم ولا إمبراطورية، وإنّما ترك سؤالًا مفتوحًا في ضمير الإنسان، ماذا تفعل حين يتعارض ما تؤمن أنّه حقّ مع ما يفرضه الواقع من قوّة وسلطان؟
لم يقتصر حضوره في الأذهان على المتدينين منا، بل كان بطلنا الشعبيّ. تكبُر، تأخذك الدنيا، تقترب وتبعتد، يأخذك الشكّ إلى أماكن لم تكُن تتخيّلها، تشكّ في العالم نفسه، لكن عندما تحضر واقعة الطف يتجمّد الدمّ في عروقك. رجلٌ وبضع رفاق، أمام جيش جرّار في الصحراء، يقول لا.
قصته فيها شيئًا عصيًّا على التآكل. شيئًا يتجاوز الموروث والعادة والانتماء. فكلّما جرّبت أن تنظر إليها كحادثة تاريخية مجرّدة، أفلتت من هذا القيد وعادت لتقف أمامك كدراما إنسانية هائلة، مكثّفة إلى الحدّ الذي يجعلها حيّة بعد قرون طويلة.
تتبدّل أفكارك عن السياسة، وتتغيّر نظرتك إلى الدين والمجتمع والتاريخ، وتسقط من حولك أصنام كثيرة، لكن يبقى هناك مشهد لا تستطيع تجاوزه بسهولة:
رجلٌ يعرف مصيره، ويعرف اختلال موازين القوّة، ويعرف أنّه ذاهب إلى معركة عسكرية في الأرقام تبدو خاسرة، ثم يمضي مع ذلك. ليس بحثًا عن نصر، بل دفاعًا عن "معنى" يرى أنّ الحياة من دونه تفقد قيمتها.
لهذا لم يكن الحسين، في وجدان الناس، مجرّد شخصية مقدّسة بقدر ما كان بطلًا شعبيًا. بطلًا وجد فيه الفقير والمقهور والمهمَّش صورة لكرامته، ووجد فيه الناس العاديون تعبيرًا عن أسمى ما يتمنّون أن يكونوا عليه عندما تُختبر مبادئهم. لم يحتج إلى عرش ليبقى حاضرًا، ولم يحتج إلى جيش منتصر ليُخلَّد اسمه. فقد تكفّل ضميرنا الإنساني والشعبي بحمل قصّته من جيل إلى جيل.
يكفي أن تسمعك جدّك في لحظة ضعف ومرض يُردّد بشيء يُشبه التمتمة مناجيًا الإمام الحسين: "إلهي بحقّ عطش الحسين، وأوصال الحسين، ورأس الحسين، أعنّي".