فقاقيع الصابون
يدخل الحفل، يتلفت، يعدل ياقة قميصه ليتأكد من ستر ألمه وجرح قلبه .
يجلس على طاولة فارغة، يرتشف فنجان قهوته، فتلسعه الأحاديث الكثيرة التي بقيت على طرف لسانه، يحاول أن يبتلعها .
يتمتم تعويذة المساء، ويستودع الله غصةً في حلقه وجرحًا لم يلتئم ، وذكرى طرية، وقطعة من وجع ٍ لم تتعفن .
تكتمل طاولته بالمدعوين ، يتسامرون، يبدو مستفزًا، ينزعج من الأحاديث الدونية التي تتطاير كفقاقيع الصابون، يحاول كل واحد جاهدًا أن يصنع أكبر من الآخر .
يصرخ ويده على طرف قميصه : " الجــو حــــار " !
" الأماكن المليئة بالغطرسة تشعره بالتخمة وتضيق به على اتساع أرجائها " .
يتذوق معهم على عجل وليمة الوجع، وعلى طاولته قنينة دمع يرشها على الطعام كلما احتاج ملحًا .
يعود لمنزله بلسان مبتور، ودخان يزكم الأنوف،
يجلس على مكتبه ويتوضأ بحروفه من دنس كل حقد أو كره .
يكتب حروفًا من الأسى ليسمر عليها آخرون كقطعة سكر مع كوب قهوتهم .
يتنهد بـ " لا إلـه إلا الله " فيجتث مع زفيرها جذور الوجع .
يخلع ذاكرته ، يضعها على المنضدة المجاورة لسريره؛ ليصبح على خير .
توقيع " لاتكن مكشوفًا دائمًا كلنا نعشق الأشياء المبطنة "
خرجَ من محاضرةٍ أسهب فيها عن فضائل الصبر، ثم أطبق الباب خلفه بعنف، فإذا بمقبضه يتشبّث بطرف كُمّه، وحدّق فيه طويلًا، كأنّه أمام شاهدٍ صغيرٍ على سقوط خطابه الكبير.
كان بين فؤاد أبي وخُطا عمي سرٌّ لا تُدركه الأبصار، فما إن يُدني المقعد إلى جواره، ينظر إلى ساعة حدسه ، يتأهب بكل شعوره، حتى نعلم أن عمي على الأثر.
لم يخذل ذلك الترقب قلبه يومًا.
واليوم… ما زال المقعد عن يمينه في مكانه، غير أن يده كلما همّت أن تُدنيه، أثقلها اليقين .
غفر الله لعمي ورحمه ، وجبر قلب والدي .
(إنا لله وإنا إليه راجعون)
لله ماأخذ وله ماأعطى وكل شي عنده بأجل مسمى.
توفي العم /صالح بن محمد الأحمد القصيّر رحمه الله
والصلاة عليه اليوم الأحد 1448/2/12
بعد صلاة العشاء
في جامع الإمام محمد بن عبدالوهاب ببريدة.
غفر الله له ورحمه وثبته وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة.
إذا خطرت لك فكرةٌ نبيلة، أو سنحت لك فرصةٌ لصنع جميلٍ أو إسداء معروف، فادعُ إليها من حولك؛ لا افتقارًا إلى معين، ولا ابتغاء تمكين ؛ بل لأن أبهى الإنجازات ما اتسع أثرُه، وعم خيره .
" سمو نفس، ونُبل سريرة "
فلا تستأثر بالخير، فإن الفضل إذا شاع بورك فيه، وإذا تقاسمه الناس عظم أثرُه ، و تزكت النفوس حتى من الغبطة .
*الحياةُ ليست غِمارَ منافسة، وإنما رحابُ تآزر .
اعتاد والدي أن يترك باب المنزل مفتوحًا على مصراعيه، كأنه إطارٌ عريض لصورةٍ من السكينة .
"يجلس في صدر المدخل، تستقر نظارة القراءة على عينيه، والقرآن بين يديه، وتنساب أشعة العصر على لحيته البيضاء، حتى غدا مشهدًا يمر به العابر، ويبقى أثر ذلك المشهد في قلبه .
كم مرّة ظنّ أن قسوته على نفسه فضيلة،
وأنّ انكساره اعتذارٌ نبيل،
وأنّ معاقبة ذاته نوعٌ من الوفاء.
لكنّه، في الحقيقة،
يفسح المجال لوجعه
كي يتعفّن داخله،
ويتحوّل من ندبةٍ تُشفى،
إلى خرابٍ يُقيم،
إلى عطبٍ في الإحساس،
واختلالٍ في الطمأنينة،
ووهنٍ في القدرة على الحياة .
الجسد الذي لم تمسّه الميكروبات يومًا، لا يعرف كيف يقاوم.
بعض الفوضى تمنح الصلابة، وبعض الندوب تعلّم الأرواح كيف تتعافى.
ستطبع القسوة عليك ذهولًا ثقيلًا؛
لا لفرط بشاعتها، بل لأنك لم تألف رؤيتها من قبل.
فلا مفرّ من تسديد ضرائب العيش في وسطٍ شديد النقاء.
قصيدة (إلى الحج) للشيخ راشد بن صالح بن خنين رحمه الله، تسلية لرفقته الشيخ محمد بن عبدالله بن عودة السعوي رحمه الله، ووالدي الشيخ عبدالرحمن بن محمد القصيّر حفظه الله.
قاوم الذوبان، ولا تجرّد ذاتك من فرادتها. لا تنزلق إلى توافقٍ أعمى، وكأن الأرواح تُساق لتتنفّس في إيقاع واحد، حتى تغدو كقطع شطرنج تتحرك بالإيعاز ذاته. و يصبح التوافق أسرع من التفكير، وتتوحّد الأصوات قبل أن تتفرّد العقول .
قاوم الذوبان في الصدى الجمعي، وكن ذاتك.
رحل سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ ، بعد أن ملء منابر نجد والحجاز حكمة وتوحيدا، وظل صوته جزءا من المشهد الديني عقودا، كان رحمه الله ركن الفتوى والذاكرة.
فاللهم ارحمه، وأنزله روضة من رياض الجنة، واجمعه بأهله ومشايخه في جنات النعيم.
واجبرنا في مصيبتنا واخلف علينا خيرا.