..ويلفت النظر في التعبير ذِكرُ كلمة ( الحق ) في قوله: ﴿وجاءَت سَكرةُ الموتِ بالحق﴾
وهي تُوحي بأنّ النفس البشرية ترىٰ الحق كاملًا وهي في سكرات الموت، تراه بلا حجاب، وتُدرك منه ما كانت تجهل وما كانت تجحد، ولكن بعد فوات الأوان، حين لا تنفعُ رؤية، ولا يُجدي إدراك، ولا تُقبل توبة، ولا يُحسب إيمان.
-في الظِلال.
= فأما إذا قال: ‹الحمد لله›،
فهذا يدل علىٰ أنّ العبد حَمِدَهُ لأجلِ كونهِ مُستحقاً للحمد لا لِخصوصِ أنهُ تعالىٰ أَوْصلَ النعمة إليه، فيكونُ الإخلاصُ أكمل، واستغراق القلب في مُشاهدَةِ نور الحق أتَم، وانقطاعِهِ عمّا سِوىٰ الحقّ أقوىٰ وأثبَت. ا.هـ
فاللهم لك الحمدُ حمداً يُوافي نِعَمك ويُكافئُ مَزيدك ..
= إذا عرفتَ هذا فنقول:
﴿الحمدلله رب العالمين﴾
﴿الحمدلله الذي خلق السمٰواتِ والأرض﴾
إنّما لم يقل: ‹المدح لله› لأنا بينّا أنّ المدح كما يحصل للفاعل المختار فقد يحصل لغيره، أما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار، فكان قوله ﴿الحمد لله﴾ تصريحًا بأنّ المُؤثر في وجود هذا العالم فاعلٌ مختار خلَقَهُ بالقدرة والمشيئة،
ولا شك أن هذه الفائدة عظيمة في الدين.
وإنما لم يقل: ‹الشكرُ لله› لأنّا بيّنا أن الشكر عبارة عن تعظيمه بسبب إنعام صدرَ منهُ و(وصلَ إليك)، وهذا مُشعِرٌ بأنّ العبد إذا ذكر تعظيمه بسبب ما وصل إليه من النعمة فحينئذ يكون المطلوب الأصلي به (وصول النعمة إليه) وهذه درجة حقيرة !
للرّازي -رحمه الله- لفتة دقيقة جدًا -في الفرق بين المدح والحمد والشكر- قلَّ مَن ينتبه لها !
يقول:
اعلَم أنّ المدح أعم من الحمد، والحمد أعم من الشكر .
أما بيان أن المدح أعم من الحمد، فلأن المدح يحصل للعاقل ولغير العاقل،
ألا ترىٰ أنه كما يَحسُن مدح الرجل العاقل علىٰ أنواع فضائله، فكذلك قد يُمدح اللُّؤلؤ لحسن شكله ولطافة خِلقته، ويُمدَح الياقوت علىٰ نهاية صَفائِه وصقالته !
فيُقال: ما أحسنه وما أصفاه،
وأما الحمد: فإنه لا يحصل إلا لِلفاعل (المختار) علىٰ ما يصدر منهُ مِن الإنعام والإحسان،
فثبَت أنّ ‹المدح أعم من الحمد›.
وأمّا بيان أنّ الحمد أعم من الشكر، فلأنّ الحمد عبارة عن تعظيم الفاعل لأجل ما صدر عنه من الإنعام سواء كان ذلك الإنعام (واصِلًا إليك أو إلىٰ غيرك)،
وأما الشكر فهو عبارة عن تعظيمه لأجل إنعام وَصلَ إليك وحصلَ عندك،
فثبَت بما ذكرنا أنّ
‹المدح أعم من الحمد، والحمد أعم من الشكر›.
﴿يمُنّون عليك أن أسلموا﴾
عجبًا ؛ يَعُدّونَ إسلامَهم مِنَّةً علىٰ نبيهم، وهي النعمةُ التي لا يطلبُ مُسديها ثواباً مِمن أنعمَ بها عليه !
﴿يَمُنُّونَ عليكَ أن أَسلَمُوا قُل لا تَمُنُّوا عليَّ إِسلَٰمكُم بَل الله يَمُنُّ عَليكُم أن هدَىٰكُم لِلۡإِيمَٰنِ إن كُنتُم صَٰدقِين﴾
للقشيري إشارة دقيقة في هذه الآية، يقول لِمَنْ لاحظ شيئاً من أعماله وأحواله :
فإنْ رآها مِنْ نَفْسِهِ كان شِرْكاً، وإنْ رآها لنفسِهِ كان مَكراً فكيف يَمُنُّ العبد بما هو شِرْكٌ أو بما هو مكر ؟!
والذي يجب عليه قبول المِنَّة؛ كيف يرى لنفسه على غيره مِنَّة ؟! هذا لعمري فضيحةّ !
بل المِنَّةُ لله؛ فهو وليُّ النعمة ..
ولا تكون المِنّةُ مِنّةً إلا إذا كان العبدُ صادقاً في حاله، فأمَّا إذا كان معلولاً في صفةٍ من صفاته فهي مِحنةٌ لصاحبها لا مِنَّة.
والمِنَّةُ تُكَدّرُ الصنيعَ إذا كانت من المخلوقين ، ولكن بالمِنَّةِ تطيب النعمة إذا كانت من قِبَل الله.