تستطيع شراء أي شيء بالمال… إلا الشعر والمشاعر ومحبة الناس
في عالمٍ تتسارع فيه حركة السوق، وتتضخم فيه قيمة الماديات، قد يظن بعض الناس أن المال قادر على فتح كل الأبواب، وشراء كل ما تشتهيه النفس. فالمال يشتري بيتًا فخمًا، وسيارةً فارهة، وسفرًا مريحًا، بل وقد يشتري نفوذًا ومكانةً اجتماعية، بل ويستطيع بعض الناس أن يشتروا مراكز متقدمة أو مناصب براقة، حتى لو اضطروا لبيع البيت الذي يسكنونه، أو السيارة التي يركبونها، في سبيل لقبٍ عابر أو وجاهةٍ مؤقتة. ومع ذلك، يقف المال عاجزًا أمام حقيقتين لا تُقاس قيمتهما بالأرقام: الشعر… والمشاعر.
فالمراكز التي تُشترى بالمال قد تمنح صاحبها لقبًا، لكنها لا تمنحه قيمة حقيقية في أعين الناس. قد يُكتب اسمه في قائمة المتقدمين، لكن التاريخ لا يكتب إلا أسماء من تقدموا بجهدهم، وارتقوا بعلمهم، وثبتوا باستحقاقهم. فالمكانة التي تُبنى على المال وحده تبقى هشة، سرعان ما تهتز عند أول اختبار، لأن الناس – مهما اختلفت ظروفهم – يميزون بين من وصل بعمله، ومن وصل بماله.
أما الشعر، فليس مجرد كلمات تُرصّ على الورق، بل هو إحساسٌ متدفق، وتجربة إنسانية عميقة، وصوت روحٍ تتحدث بلغة الجمال. قد يستطيع المال أن يشتري ديوانًا فاخر الطباعة، أو أن يجمع كبار الشعراء في أمسية مترفة، لكنه لا يستطيع أن يخلق شاعرًا حقيقيًا في قلبٍ لم يذق لذة التأمل، أو لم يتألم، أو لم يحب، أو لم يشتاق. فالشعر يولد من رحم التجربة، ويكبر في ظلال الصدق، ويزهر حين يلامس الإنسان جوهر الحياة.
أما المشاعر، فهي أكثر ما يبرهن على محدودية المال. فالمحبة لا تُشترى، والوفاء لا يُستأجر، والاحترام لا يُفرض بالقوة. قد يجتمع الناس حول صاحب المال طمعًا، لكن القلوب لا تجتمع إلا صدقًا. يستطيع المال أن يجلب الهدايا، لكنه لا يجلب الدفء الحقيقي، وقد يفرض حضورًا مؤقتًا، لكنه لا يخلق انتماءً دائمًا.
ولعل أجمل ما في الشعر والمشاعر أنهما متاحان للجميع، لا يملكهما الأغنى دون الفقير، ولا يحتكرهما صاحب السلطة دون البسيط. فقد يسكن أعظم الشعر في قلب إنسانٍ لا يملك إلا كلماته، وقد يحمل أصدق الحب إنسانٌ لا يملك إلا وفاءه. وهنا تتجلى العدالة الإنسانية في أبهى صورها؛ حيث تتساوى القلوب مهما اختلفت الجيوب.
إن المال وسيلة مهمة للحياة، لكنه يفقد قيمته حين يتحول إلى غايةٍ بحد ذاته. فالحياة التي تخلو من شعورٍ صادق، أو كلمةٍ نابضة، أو علاقةٍ حقيقية، هي حياةٌ غنيةٌ في ظاهرها، فقيرةٌ في حقيقتها. ولذلك بقي الشعر ديوان الإنسان، وبقيت المشاعر ميزان إنسانيته.
وفي النهاية، قد يشتري المال أشياء كثيرة، وقد يمنح صاحبه مركزًا متقدمًا أو لقبًا لامعًا، لكنه يعجز أن يشتري محبة الناس وإعجابهم أو ميولهم، كما يعجز أن يمنح الإنسان موهبةً حقيقية. فالموهبة تولد مع الصدق، وتنمو مع الاجتهاد، وتزدهر مع الإخلاص، أما المال فحدوده الأشياء… لا القلوب. ✨