Currently Legal adviser @ UAE Council for Boundary Affairs & former head of International & Comparative law dept @ Khartoum University. Cambridge graduate
*من كمبريدج إلى عرض الخارجية*
كنت في جامعة كمبريدج قد أتممت متطلبات الدكتوراه وبدأت أُعدّ العدة للعودة إلى السودان، حين عدت ذات يوم من جولة بين المكتبات لشراء بعض الكتب، فوجدت على لوحة الإعلانات في الحرم الجامعي إعلاناً لافتاً يقول
*"Dr. Taha, contact your embassy immediately."*
اتصلت على الفور بفيليب أوبانج، الوزير المفوض في السفارة السودانية بلندن، وكان رجلاً رفيع الأخلاق كريم الطبع.
سألته وأنا لا أُخفي قلقي إن كان ثمة امر ما يتعلق بأسرتي، فاكتفى بالقول: "الأمر لا يتعلق بأسرتك، ستعرف حين تأتي إلى السفارة وتلتقي السفير."
ذهبت إلى السفارة السودانية في لندن، حيث كان وقتها السفير أحمد صلاح بخاري وكان صديقاً لأخي الدكتور صلاح عبد الرحمن علي طه. وتصادف وجود السفير السابق عباس الدابي، الذي كان يشغل آنذاك منصباً في مكتب جامعة الدول العربية بلندن.
أبلغني السفير أنه تلقّى شفرةً من وزارة الخارجية، مفادها أن الدكتور منصور خالد يعرض عليّ منصب مدير الدائرة القانونية بوزارة الخارجية بدرجة سفير، وأن القرار الجمهوري جاهز للتوقيع.
اعتذرت بصراحة تامة، مُبيّناً أن قناعاتي السياسية لا تنسجم مع طبيعة نظام مايو الشمولية.
وقد ظننت أن الأمر انتهى عند هذا الحد، بيد أنني استُدعيت بعد أيام مرةً أخرى، وأُبلغت أن القرار الجمهوري سيصدر وأن موافقتي كانت مُفترَضة ومأخوذة سلفاً. فجدّدت رفضي دون تردد، إذ كنت على يقين أن المنصب القيادي سيضعني أمام محطات وخيارات لا أرضاها لنفسي.
وكنت قد استغربت أن يُعنى الدكتور منصور خالد بشأني، وهو الذي لم أره ولم يرني قط، وإن كنت قد تعرّفت إليه من خلال قراءتي لكتابه "حوار مع الصفوة".
وعلمت لاحقاً أن الرئيس نميري كان قد زار لندن، وأن أستاذَين من أساتذتي في كمبريدج، البروفيسور ديريك بويت والبروفيسور روبرت جينينغز، كانا يعملان مستشارَين للحكومة السودانية في قضية الفشقة. وقد دُعيا للقاء نميري تقديراً لجهودهما القانونية، فحضر بويت بينما كان جينينغز مرتبطاً بقضية أمام محكمة العدل الدولية خارج بريطانيا.
وكان الأستاذان قد أعدّا المذكرة القانونية التي استندت إليها الحكومة السودانية في مفاوضاتها مع إثيوبيا، والتي أسفرت عام 1973 عن اعتراف إثيوبيا بسيادة السودان على منطقة الفشقة، وذلك عبر المذكرتين اللتين تبادلهما وزيرا خارجية البلدين ميناسي هايلي ومنصور خالد في الثامن عشر من يوليو 1972.
وفي ذلك اللقاء، الذي حضره أيضاً الوزراء د. جعفر محمد علي بخيت والسيد إبراهيم منعم منصور، أثنى البروفيسور بويت عليّ ثناءً بالغاً. وأعتقد أن الدكتور منصور خالد التقط اسمي في تلك المناسبة.
ولم تكن تلك المرة الأخيرة التي يُعرَض عليّ فيها منصبٌ في نظام مايو؛ فقد اتصل بي وزير العدل والنائب العام د. حسن عمر أحمد سنة 1977، طالباً مقابلتي في مكتبه بالوزارة، وعرض عليّ منصب وزير الدولة للعدل. واعتذرتُ أيضاً للأسباب نفسها، وقد بدا عليه عدم الرضا. ومن الجدير بالذكر أنه لم يستمر في منصبه سوى أقل من عامين.
*لقاء منصور خالد*
بعد عودتي إلى السودان، أبلغني أخي سيف الدولة عبد الرحمن علي طه أن الدكتور منصور خالد يرغب في لقائي، فكان أول لقاء يجمعني به.
وقد لاحظت من خلال المكالمات الهاتفية التي تخلّلت لقاءاتنا أن الدكتور منصور خالد كان من أشدّ المقرّبين من نميري وأكثرهم إخلاصاً له، وكان لا يكاد يتكلم عنه إلا بـ"الأخ الرئيس".
وعلى الرغم من أنني أعدت التأكيد على رفضي لأي منصب رسمي، فإنني أبديت في الوقت ذاته استعداداً صادقاً للإسهام في أي عمل يتصل بقضايا الحدود السودانية البرية والبحرية ومياه النيل.
وبالفعل كُلِّفت لاحقاً بإعداد جملة من المذكرات، أبرزها مذكرة بشأن الحدود السودانية الكينية، أُعدّت استعداداً لزيارة رسمية للدكتور منصور خالد إلى نيروبي، وكان قسم وافر من مادتها مستمدا من رسالتي للدكتوراه. وتوطّدت بيننا الصداقة، وصرنا نلتقي في أبوظبي كلما أتاحت له رحلاته ذلك.
وفي إحدى تلك المرات، التقيته في أبوظبي خلال توقف قصير في طريقه من لندن إلى الكويت، فذكر لي أنه كان قد لقي وزير الخارجية الأسبق أحمد خير، الذي قال له بصراحة: "نظام نميري لم يبقَ فيه الكثير، وعليكم أن تجهّزوا حكومتين."
فاستغرب الدكتور منصور وسأله: "لماذا حكومتين؟"
فأجابه: "واحدة للحكم، والثانية لإرجاع السودان إلى الوراء كما كان."
*شهادتي عن مايو: لقاء نميري، جامعة الخرطوم، وعرض المناصب*
*د. فيصل عبد الرحمن علي طه*
في عام 1974، وبينما كنت أشغل منصب رئيس قسم القانون الدولي والمقارن بكلية القانون في جامعة الخرطوم، تلقّيت اتصالاً هاتفياً من البروفيسور النذير دفع الله، وزير الصحة آنذاك. وكانت تلك المرة الأولى التي أتحدث إليه فيها مباشرةً؛ إذ لم يسبق لي اللقاء به، حتى في الفترة التي تولّى فيها إدارة جامعة الخرطوم.
أفادني الوزير بأنه دعا الرئيسَ جعفر نميري، إلى جانب عدد من أساتذة الجامعة، سعياً إلى تليين العلاقة المتوترة بين الحكومة والجامعة، وأنه يودّ أن أكون في عداد المدعوين.
وكان نظام نميري يعتبر ان انتفاضة شعبان التي اشتعلت في سبتمبر 1973 كانت شرارتها ندوات طلاب جامعة الخرطوم، والتي اشترك فيها عدد من قدامى السياسيين، بينهم الاستاذ احمد خير وزير خارجية نظام حكم الفريق إبراهيم عبود، وانتهت بدخول بعض النقابات في الميدان لتعلن الإضراب العام.
واعلن الرئيس نميري إثر ذلك أنه سيضع جامعة الخرطوم تحت السيطرة السياسية لحكومته، لأنها — على حد قوله — أصبحت بؤرة للتآمر ضد النظام وقال "لقد أمدّت الثورة الجامعة بكل دعم وإمكانات لتضطلع بدور بنّاء في المجتمع السوداني، غير أنني فوجئت بأنها أصبحت أداةً للتآمر والفوضى."
وأعلن ايضا تشكيل لجنة سياسية خاصة لـ"إعادة النظر في دور الجامعة وإعادة هيكلته بما يخدم بناء مجتمعنا."
أثار اتصالُ البروفيسور النذير دفع الله دهشتي لسببين: أوّلهما أنني كنت من الموقّعين على مذكرة الأساتذة إبان انتفاضة شعبان، وثانيهما أنني لم أكن ناشطاً سياسياً بالمعنى المعروف، لا في مدرسة حنتوب الثانوية ولا في جامعة الخرطوم، وإن كنت قد انتسبت خلال دراستي في حنتوب إلى تنظيم للمستقلين، من غير حماس يُذكر.
استغربت الدعوة، فاتصلت بوزير العدل وأستاذنا وزميلنا الدكتور زكي مصطفى، وأطلعته على ما جرى. قلت له: "أنت تعرفني، أنا صريح وواضح. وإن ذهبت فلن أُحجم عن قول ما أراه، لا سيما أنني من الموقّعين على مذكرة شعبان، ولم أتوجّه إلى جهاز الأمن لسحب توقيعي كما فعل بعض الأساتذة في أعقاب فشل الانتفاضة." وأضفت أنني أخشى أن تحرج صراحتي المضيف امام الرئيس نميري.
غير أن الدكتور زكي أجابني ببساطة: "اذهب وقل ما تريد."
توجّهت إلى منزل البروفيسور النذير دفع الله في شارع الجمهورية، في الموقع الذي شغله لاحقاً اتحاد المصارف. وبعد انتظار دام قرابة الساعتين، لم يصل الرئيس.
ثم حضر وزير الإعلام والثقافة العميد عمر الحاج موسى، وأبلغنا أن الرئيس نميري يعتذر عن المجىء، إذ كان قد توجّه إلى جدة حيث التقى بعاهل المملكة العربية السعودية الملك فيصل بن عبد العزيز وتناول معه الغداء، برفقة الدكتور منصور خالد، وأنه الآن على متن الطائرة في طريقه إلى الفاتيكان لعرض مبادرة تتعلق بالقدس. وأضاف أن الرئيس سيستقبلنا في يوم اخر من أيام الأسبوع في منزله داخل القيادة العامة، وأن أسماءنا ستُودَع لدى الأمن عند البوابة.
*لقاء نميري*
انعقد اللقاء في موعده. وكان في عداد الحضور نخبة من كبار الأساتذة الذين يكبرونني سنّاً ويتقدّمونني في السلّم الأكاديمي، وقد نالوا الأستاذية بجدارة وعن استحقاق، عبر أبحاث محكّمة في مجلات دولية رصينة؛ من بينهم البروفيسور عبد الله أحمد عبد الله الذي تقلد منصب مدير جامعة الخرطوم، والبروفيسور محمد عبيد المبارك الذي كلفه نميري بتأسيس جامعة الجزيرة، والبروفيسور هاشم عروة عميد كلية الطب. وكان في الحضور أيضاً أساتذة من مجمع جامعة الخرطوم في شمبات، الذي يضم كليتي الزراعة والبيطرة، وكان أغلبهم من المؤيدين لنظام مايو.
استقبلنا الرئيس نميري بنفسه. وافتتح البروفيسور النذير دفع الله الجلسةَ بمقدمة تناول فيها نشأة التعليم الجامعي، مُستشهِداً بريادة جامعة القرويين في فاس باعتبارها من أعرق الجامعات في العالم، ثم انتقل إلى الحديث عن جامعة الخرطوم ومدى نجاحها في ترسيخ تقاليد جامعية راسخة ومستقلة.
أما مداخلتي فكانت وجيزة لكنها مباشرة. قلت إن جامعة الخرطوم، على ما لها من مكانة، لم تُتَح لها بعدُ الفرصة الكافية لبناء تقاليدها المستقلة؛ فهي وإن كانت جامعةً في السودان، فإنها لم تغدُ بعد "جامعةً سودانيةً" بالمعنى الكامل، إذ لا يزال إرث جامعة لندن ماثلاً في مناهجها وأنظمتها ومقارباتها. وأضفت أن الخروج من هذا الإرث يستلزم استثماراً حقيقياً في البحث العلمي.
وتلقّف بعض أساتذة مجمع شمبات خيط الحديث، فركّزوا على معوّقات البحث العلمي والعقبات التي تعترض أعمالهم الأكاديمية، وكان حديثهم رصيناً ومهنياً، وإن ظلّ يدور في فلك المشكلات الشخصية التي تواجههم في أبحاثهم.
*اختيار مدير الجامعة: السياسة تقتحم جامعة الخرطوم*
كنّا في تلك المرحلة، طلاباً وأساتذةً على حدٍّ سواء، بمنأى عن تفاصيل ما يجري في إدارة الجامعة؛ لا نعلم بالتغييرات ولا نسعى إلى معرفتها، فضلاً عن أن نأبه لها. بيد أن عام 1968 جاء باستثناء لافت، حين انتهت ولاية البروفيسور النذير دفع الله في رئاسة الجامعة التي تولّاها منذ عام 1962 خلفاً للاستاذ نصر الحاج علي. فإذا بجامعة الخرطوم تشهد معركة انتخابية حامية الوطيس وغير مسبوقة من نوعها في تاريخها، تنافس فيها ثلاثة من أبرز أعلامها على منصب المدير:
*الدكتور عمر محمد عثمان — عميد كلية الاقتصاد*
*الدكتور عبد الله الطيب — عميد كلية الآداب*
*الدكتور محمد عبد الله النور — عميد كلية الزراعة*
وعلى غير المألوف، تجاوزت هذه المعركة أروقة الجامعة وامتدّت أثرها إلى الشارع والمجتمع، وقد نشط يساريو الجامعة والخارج بصورة منظّمة لدعم الدكتور عمر محمد عثمان. وحرص اليساريون خارج الجامعة تحديداً على العمل لضمان أن تكون مقاعد ممثّلي المهن الرفيعة من أطباء ومهندسين وغيرهم في مجلس الجامعة في قبضتهم؛ ففي سياق ذلك أُزيح المهندس صغيرون الزين، وكيل وزارة الري والصديق المقرّب من الدكتور عبد الله الطيب، وحلّ محلّه المهندس إبراهيم محمد إبراهيم وكيل وزارة الأشغال.
وتجلّى الحماس الانتخابي في مشهد لافت، حين خرجت مظاهرة من طلاب مجمع شمبات سائرةً نحو مقرّ جامعة الخرطوم، وهي تردّد: "لا زراعة بلا نور"، في إسناد صريح للدكتور محمد عبد الله النور.
وفي نهاية المطاف، آتت جهود اليسار ثمارها؛ إذ صوّت مجلس الجامعة للدكتور عمر محمد عثمان مديراً لجامعة الخرطوم، ليمكث في هذا المنصب حتى عام 1971.
وقد وثّق د. عبد الله الطيب خسارته لمنصب مدير جامعة الخرطوم في أربع قصائد نشرها في كتيّب. ففي قصيدته "دموع النوار"، أثنى على من صوتوا له. وقد كانوا ثمانية وبضمنهم فاطمة طالب ممثلة المرأة في مجلس الجامعة. فقال :
*حيا الحياء ذات الوقار وسبعة نصروك إذ كنت الهدى والمطلبا*
وفي ذات القصيدة، قسا عبدالله الطيب على صديقه وزميل الدراسة بشير محمد سعيد الذى كان عضواً في المجلس. هذا على الرغم من أن بشيراً كان قد صوّت لصالحه، وأشهد على ذلك أحد كبار الداعمين لعبد الله الطيب وهو البروفيسور دفع الله الترابي، وذلك بإطلاعه على بطاقة تصويته. قال د. عبدالله الطيب في تلك القصيدة:
*و عجبتُ للأيام ترثيني كما ولو مِتُّ*
*بل ماتت هي وقُدتُّ الموكبا*
وقد كان بشير محمد سعيد في رحلة خارج السودان وعاد قبل أسبوع من اجتماع مجلس الجامعة. ومن خلال صفحته بجريدة الأيام "متنوعات أخبار وأفكار" كتب بشير مرثية لصديق وزميل دراسته الاستاذ عبد الرحيم الأمين . ثم إنه كرّس باقي الصحفة لإبراز كفاءة د. عبد الله الطيب و جدارته بالمنصب. فهل اعتبر عبدالله الطيب مقال بشير رثاء له ؟
نعت إليّ أخبار القاهرة الأخ والزميل الأستاذ الدكتور مفيد شهاب، فلا حول ولا قوة إلا بالله. وإنا لله وإنا إليه راجعون. جمعتنا زمالة القانون الدولي في محافل كثيرة وعواصم مختلفة: في الخرطوم، والقاهرة، وصنعاء، وكراكاس (فنزويلا)، ومقر الأمم المتحدة بنيويورك.
أسال الله له الرحمة والمغفرة. أعزي فيه أسرته. والعزاء موصول لزملائه وطلابه وعارفي فضله.
كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام.
د. فيصل عبدالرحمن علي طه
4- إن الدفاع المشترك ينبغي ألا يُنظر إليه كقضية عسكرية بحتة فمن الحقائق التي لا يختلف حولها اثنان اليوم أن الدفاع يتصل اتصالاً وثيقاً بعناصر أخرى سياسية واقتصادية واجتماعية ويتكامل معها ليكون مفهوم الأمن القومي. وفي هذا الإطار فإن مقتضيات الأمن القومي تستوجب إخراج العلاقات المصرية السودانية من دائرة الخصوصية التقليدية الضرورية حولها. فالأمن القومي لكل من مصر والسودان يمتد إلى وسط وشرق أفريقيا وبالتالي لا يمكن إغفال دور دول حوض النيل الأفريقية في الدفاع عنه في نطاق خطة لتنمية حوض النيل كوحدة اقتصادية. ولا يكفي في هذا الصدد مجرد الإشارة العابرة إلى ميثاق منظمة الوحدة الأفريقية.
وجدير بالذكر أنه من بين المبادئ التي نص عليها ميثاق الإخاء بين مصر والسودان دعم التعاون العربي الأفريقي والعمل بصفة خاصة على التنسيق والتعاون بين دول حوض نهر النيل وتنمية موارده وتنظيم مياهه والمحافظة عليه. وكان د. بطرس غالي وزير الدولة المصري للشؤون الخارجية قد قال أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال أعمال دورتها السابعة والثلاثين إن مصر والسودان يهدفان من التكامل إلى قيام تعاون إقليمي يكون مثالاً يُحتذى به ونواة لتعاون يتسع إلى دول حوض النيل التسع بشريانه وروافده ومنابعه. وأشار إلى أن التكامل بين مصر والسودان يعتبر تطبيقاً لما أقره الرؤساء الأفارقة في عام 1980 في قمة لاغوس بشأن التعاون الإقليمي في أفريقيا. ويضاف إلى كل هذا إعلان د. أسامة الباز في نوفمبر 1982 أن أي تهديد لإحدى دول حوض النيل يعد تهديداً لأمن مصر.
يبقى أن نقول إن إبرام اتفاقيات الدفاع المشترك ينبغي ألا يكون غاية في حد ذاته فالأضابير العربية تنوء باتفاقيات الدفاع المشترك المجمدة. وقد قيل بحق إن جدوى اتفاقيات الدفاع المشترك تتحدد بفحص موضوعي لسلوك أطرافها في الواقع العملي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) نشرت في صحيفة «السياسة» التي تصدر في الخرطوم في 22/10/1987.
قراءة ثانية في اتفاقية الدفاع المشترك بين مصر والسودان لعام 1976م*
في فبراير 1974م وقع الرئيسان السادات ونميري في الإسكندرية منهاج العمل السياسي والتكامل الاقتصادي بين مصر والسودان. وقد تضمن المنهاج اتفاقاً على تعميق وتطوير الروابط بين الشعبين في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية عن طريق إقامة مؤسسات تكفل استمرار التعاون وتكرس التفاعل فتجعله أسلوباً للفكر ومنهجاً للعمل بعيداً عن الارتجال والانفعال.
وفي 15 يوليو 1976م وقع السادات ونميري في الإسكندرية أيضاً اتفاقية للدفاع المشترك بين مصر والسودان، وتهدف الاتفاقية كما جاء في ديباجتها إلى تنسيق جهود البلدين في تأمين وحماية سلامتهما وأمنهما وتعزيز قدراتهما الدفاعية إزاء التحديات التي تواجه الأمة العربية في سبيل تحرير الأرض واسترداد الحق المغتصب وتعميق التعاون الذي هدفت إليه معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي بين دول الجامعة العربية الموقعة في 17 يونيو 1950م، وذلك على هدى منهاج العمل السياسي والتكامل الاقتصادي الموقع بين البلدين في فبراير 1974م.
تم التصديق على اتفاقية الدفاع المشترك في السودان بأمر مؤقت وأُيِّد الأمر المؤقت خلال إحدى جلسات الدورة الطارئة لمجلس الشعب السوداني في أول أغسطس 1976م. ويلاحظ أن المادة الثامنة من الاتفاقية تنص على أن يُصدق على الاتفاقية وفق الأوضاع الدستورية في كل من الدولتين المتعاقدتين وعلى أن يتم تبادل وثائق التصديق بوزارة خارجية جمهورية السودان الديمقراطية. وتعتبر الاتفاقية نافذة من تاريخ تبادل وثائق التصديق.
وبعد التوقيع على ميثاق التكامل بين مصر والسودان في 12 أكتوبر 1982م أعلن الرئيس السابق نميري في أمر قيادي للقوات المسلحة في 27 أكتوبر 1982م أن التكامل العسكري بين مصر والسودان هدفه إدماج مسارح العمليات في البلدين من الشمال إلى الجنوب كما أكد حتمية التكامل في الدفاع والأمن مع المجالات الاقتصادية.
ومنذ انتفاضة رجب الشعبية تطالب بعض القوى السياسية السودانية بالإلغاء الفوري لاتفاقية الدفاع المشترك بين مصر والسودان وحدد النص الإنجليزي (وهو الأصل) لإعلان كوكادام الموقع في 24 مارس 1986م بين التجمع الوطني لإنقاذ البلاد والحركة الشعبية لتحرير السودان إلغاء الأحلاف العسكرية المبرمة بين السودان والبلدان الأخرى والتي تمس سيادة السودان الوطنية كأحد الخطوات الضرورية لتهيئة المناخ الملائم لانعقاد المؤتمر الدستوري القومي المقترح.
5- تعود نظام مايو على افتعال الأزمات الخارجية لصرف الأنظار عن الأزمات الداخلية أو لاستجداء التأييد السياسي لدرجة أن الحالة الوحيدة التي أعلن فيها صراحة عن تطبيق اتفاقية الدفاع المشترك وهي حالة الغارة الجوية على أم درمان في 16 مارس 1984 لم تكن فوق الشبهات، ويذكر أن الرئيس السابق نميري أعلن في 17 مارس 1984 أن مصر أرسلت قوات عسكرية إلى السودان لمساعدته في الدفاع ضد أي عدوان خارجي. وفي نفس التاريخ أعلن في مصر أن الرئيس حسني مبارك صدق على إجراءات عسكرية لردع أي اعتداء على السودان وصدرت أوامر لمجموعات عسكرية بالتوجه إلى الخرطوم للتنسيق مع القوات المسلحة السودانية.
تكييف ميثاق الإخاء وآثاره
لا يمكن قانوناً تكييف ميثاق الإخاء الذي وقعه السيد الصادق المهدي رئيس وزراء السودان والدكتور عاطف صدقي رئيس وزراء مصر في 21 فبراير 1987 كاتفاقية أو معاهدة فهو لا يرتب أي حقوق أو التزامات متبادلة في ظل أحكام القانون الدولي ولا يعدو أن يكون إعلاناً أو بياناً مشتركاً يفصح عن مواقف مصر والسودان بشأن بعض أوجه العلاقات الثنائية ومشكلة الشرق الأوسط والأزمة اللبنانية وحرب الخليج ومشكلة تشاد وقضايا الجنوب الإفريقي وقضية الديون الخارجية ولكنه لا يفصح عن إرادة أطرافه الالتزام به كما لو كان اتفاقاً دولياً.
وحتى إذا كان من الجائز تكييف ميثاق الإخاء لعام 1987 كاتفاقية أو معاهدة فهو لا ينسخ أو يلغي اتفاقية الدفاع المشترك لعام 1976 لأنه لا ينص صراحة على إلغاء الاتفاقية ولا يشتمل على نص يتعارض مع أحكامها أو ينظم من جديد موضوع الدفاع المشترك بين مصر والسودان.
ولكن من المنظور الواقعي لا جدال في أن انتفاضة رجب الشعبية رتبت آثاراً سياسية على الاتفاقيات التي يتطلب استمرار تطبيقها بقاء الأوضاع الداخلية على ما هي عليه وذلك بحكم علاقة التأثير والتأثر بين الأوضاع الداخلية والسياسة الخارجية. ولكن هذا لا يكفي وحده للتحلل من الالتزامات التعاهدية أو للدفع بأن اتفاقية ما قد نسخت أو انقضت. إذ يتعين اتباع القواعد والإجراءات التي تنص عليها الاتفاقية نفسها أو المقررة في القانون الدولي بشأن انقضاء المعاهدات.
ملاحظات ختامية
على ضوء العرض الذي قدمناه نورد فيما يلي بعض الملاحظات الختامية:
1- إذا كان هناك سعي لإعادة صياغة اتفاقية الدفاع المشترك لعام 1976 بغرض رفع بذور الشك والرفض أو إبرام اتفاقية بديلة فإن ذلك يجب أن يتم بعد بلورة المبادئ السياسية والاقتصادية والثقافية التي عبر عنها ميثاق الإخاء في اتفاقيات محددة ومفصلة وذلك باعتبار أن ميثاق الإخاء يمثل الإطار النظري الجديد للتآخي والترابط بين الشعبين المصري والسوداني فالتعاون الأمني والعسكري لا يمكن أن يشكل مدخلاً سليماً لهذا التآخي والترابط.
2- من الخير أن نحدد من البداية ما إذا كنا بصدد اتفاقية دفاع مشترك أو اتفاقية حماية فالتفاوت الكبير في القدرات العسكرية للأطراف يجرد الاتفاقية من الصفة التبادلية ويلقي بأعبائها على طرف واحد ويحولها في التحليل الأخير إلى اتفاقية حماية. ونعيد إلى الأذهان هنا التصريح الذي أدلى به في يوليو 1987 المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة نائب رئيس الوزراء ووزير الدفاع المصري عقب حضوره حفل تخرج بالكلية البحرية بابي قير. فقد قال إن مصر لم تبلغ رسمياً بما أعلن في الخرطوم عن إلغاء اتفاقية الدفاع المشترك وأكد أن الاتفاقية هي لصالح السودان قبل أن تكون لصالح مصر.
3- إن نجاح التعاون العسكري وفاعليته وضمان احتوائه في إطاره الصحيح يتطلب تجانساً في الأنظمة السياسية وتوافقاً في مصادر الشرعية السياسية. وليس بخافٍ أن السودان بعد انتفاضته الشعبية يمارس الديمقراطية بمفهومها التعددي الليبرالي بينما تمارس مصر ما يشير إليه البعض بالديمقراطية المقيدة. ويبدو أن هذا التجانس كان مفقوداً خلال فترة الحكم السابق بالرغم من وجود منهاج للعمل السياسي بين البلدين وإنشاء المجلس الأعلى للتكامل وبرلمان وادي النيل. فقد قال الرئيس حسني مبارك في 4 أبريل 1985 معلقاً على أحداث الانتفاضة في السودان إن ما حدث في السودان لن يحدث في مصر (لأن مصر دولة مؤسسات ولدينا حرية رأي والذي يريد أن يطرح رأياً يستطيع أن يقوله بحرية والأحزاب تتعامل معهم كمواطنين).
رحم الله الأخت الفاضلة فاطمة موسى، أسأل الله لها الرحمة والمغفرة. فمن خلال زمالتها لزوجتي بدور بدار النشر التربوي تعرفتُ على زوجها المغفور له بإذن الله عمر مصطفى المكي، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وإنا لله وإنا إليه راجعون
شاهدت جزءاً من مقابلة الباحث السوداني غسان علي عثمان @GhassanAlwarag على قناة روتانا خليجية، و غسان مثقف مطلع وباحث جاد يساهم بفعالية في حضور المسألة السودانية في الانتباه العربي عبر شرحها وتشريحها. وفي مقابلته الأخير طاف غسان ومحاوره على السودان خلال عقدين من الزمان، منذ الاحتلال العثماني وحتى انقلاب البرهان، والعجيب في أمر المقابلة أن غسان كان فصيحاً و دقيقاً في سرد أحداثٍ مضت عليها عقود عديدة، وانبهم عليه أمر حدثٍ لم يكمل عامه الثالث بعد، فحينما سأله المذيع عن انقلاب البرهان رد عليه غسان قائلا باستغراب "هو البرهان عمل انقلاب؟!" و بدلاً عن أن يُتبع ذلك باستدلال يُعتدُ به استعاض عن ذلك بالتقطيب والتحديق حتى وصل لخلاصته التاريخية الثانية بأن الانقلابات في السودان هي من عمل الأحزاب وحدها وهي التي اخترقت الجيش في العام ١٩٥٤، أي قبل الاستقلال بعامين!.
في مقاله السادس عن انقلاب ١٩٥٨ يقول الدكتور فيصل عبدالرحمن علي طه @ftaha39:
"من المآخذ على عبدالله خليل أنه أدخل الجيش في السياسة عندما سلم السلطة للفريق إبراهيم عبود في العام 1958. في الواقع أن من فعل ذلك هو الصاغ صلاح سالم وزير الإرشاد القومي والدولة لشؤون السودان في الحكومة المصرية وذلك بإنشائه في العام 1954 تنظيماً للضباط الأحرار في الجيش السوداني على غرار صنوه المصري. وهذا التنظيم سياسي وسري هدفه الوصول إلى السلطة عبر استخدام القوة العسكرية. في بداياته الباكرة كان هذا التنظيم ناصرياً. والناصرية آنذاك - وربما بعد ذلك أيضاً - لم تكن تعني في السودان أكثر من الإعجاب بشخصية جمال عبدالناصر. وعلى مر الزمن ترهل هذا التنظيم بنمو خلايا داخله تنتمي إلى تيارات وعقائد مختلفة. وقد ائتلفت ثلاث من هذه الخلايا في الانقلاب الذي استولى على السلطة في 25 مايو 1969."
وفي الاقتباس شواهد كثيرة، أن الاختراق الذي حدث في الجيش كان اختراقاً مخابراتياً لصالح دولةٍ أخرى، غرست النوايا الإنقلابية ورعتها في الجيش حتى آن قِطافها في العام ١٩٥٨، قبل انقلاب الفريق عبود الاستباقي بأشهر، إذ يقول الدكتور فيصل في مقاله أيضا:
"وقد ذُكِر في تقرير بتاريخ 23 يوليو 1958، موجه إلى قادة الأركان الأمريكية المشتركة، أن عبدالناصر يخطط لانقلاب في السودان في غضون أسبوعين. رُفعت السرية القصوى عن هذا التقرير وأفرج عنه في 21/2/2014."
ويقول في موضع آخر من المقال:
"فقد ذكر اللواء أحمد عبدالوهاب في شهادته في التحقيق: «الانقلاب عدوى تنتقل إلى الشباب من الضباط. وكنت في سنة 1954 حضرت من دارفور ووجدت روح الانقلاب والتفكير فيه عند الضباط الصغار والذين وُعدوا من جهات أخرى بسلاح وفلوس. فلم أوافق على هذا الاتجاه بحجة أنه عندنا حكومة وطنية ولا أرى مبرراً للانقلاب. ولكن إرضاءً للشباب من الضباط تقدمنا بطلبات لرئيس الحكومة خاصة بإصلاح الجيش وانتهينا عند هذا الحد."
ومن الاقتباسات أعلاه، يتضح أن جماعةً من الجيش كان تعمل مع الحكومة المصرية لتقويض النظام السياسي في السودان والانقلاب عليه لصالح حكومة عسكرية حتى قبل أن يبزغ فجر الاستقلال على السودان، وقبل أن تضح المطالب الحزبية فتستقوي بالجيش كما حدث لاحقاً، و أن بذرة العمالة للخارج المصري أقدم من بذرة الاختطاف الحزبي في الجيش الوطني، وهو الأمر الذي يضع استفساراتٍ عدة حول عقيدة الجيش وعقليته، بل وحاجته لاختراق حزبي لينقضّ على السلطة القائمة.
وعوداً على انقلاب البرهان الذي أنكره غسان دون أن يشرح لنا ماهيته إن كان تحولاً ديمقراطياً أم هبةً ربانيةً أم ماذا بالضبط إن لم يكن انقلاباً! فالانقلاب حسب التعريف المعجمي له فهو تغيير الجيش لنظام الحكم بالقوة، و هو وصف مطابق لما حدث في ال٢٥ من أكتوبر، إلا عند البرهان وغسان، فالأول يراه ضرورةً لتفادي الحرب الأهلية التي ساقنا إليها بانقلابه و الأخير لم يفصح عن تعريفه له.
إن مسألة الاختراق الحزبي للقوات المسلحة هي واحدة من التمظهرات الكارثية للنزوع الانقلابي عند الجيش ونقص الإيمان بالديمقراطية عند الأحزاب، بدءاً من تسليم عبدالله خليل السلطة لعبود و مروراً بانقلاب النميري و البشير وانتهاءً بانقلاب البرهان الذي طوى به آخر صفحات الدولة. فقد أورثتنا الديكتاتوريات المتعاقبة تجربةً حزبيةً هزيلة و جيش منشغل بالسلطة عن نفسه حتى بان عجزه في الحرب الدائرة الآن، و إن أردنا المعايرة بين الاختراقات الحزبية للقوات المسلحة فإن الأثر المباشر لانقلاب الإسلاميين في العام ١٩٨٩ و شروعهم فوراً في خلق تشكيلات موازية للجيش منذ الدفاع الشعبي وحتى كتائب البراء كان ولا يزال الأكثر كارثية، و أصل كل الشرور القائمة و على رأسها الدعم السريع.
لقد وثق الفقيد سيرته العطرة في كتابه الشيق (طابا كامب ديفيد الجدار العازل).
رحمه الله رحمة واسعة واحسن اليه بقدر ما أسدى لوطنه ولامته العربية.. اعزي فيه أسرته واسرة القانون الدولي بمصر.
دكتور فيصل عبدالرحمن علي طه
رئيس قسم القانون الدولي والمقارن بجامعة الخرطوم سابقا
رحم الله العالم الثبت الاستاذ نبيل العربي. لقد كان من صفوة الدبلوماسيين المصريين، وهو ثالث مصري شغل منصب القاضي في محكمة العدل الدولية وقد سبقه إلى ذلك المرحومين د. عبد الحميد بدوي باشا و د.عبد الله علي العريان.
سيذكر له التاريخ المصري دوره في قضية طابا حيث كان رئيس الفريق. وقد استعان في هذا المجال بعدد من اصحاب الخبرة أجانب ومصريين من أصحاب التخصص في هذا المجال.