حول الوعظ والتذكير بالموت: منظور نفسي
في القرآن والسنة مئات النصوص التي تُذكّر بالموت وتحثّ على استحضاره:
قال تعالى: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ}، وقال ﷺ: «أكثروا ذكر هادم اللذات». وكان يعظ الصحابة بالموت، ويحثّهم على زيارة القبور، وحضور الجنائز، والتأمل في مصير من سبق.
وقد أُلّف في الوعظ بالموت كتب كثيرة، لما له من أثر تربوي عميق على النفس في تزكيتها وضبط وجهتها.
فيخرج بين وقت وآخر من يتضايق من التذكير بالموت والوعظ به، باعتباره تخويفا مرعبا، يجب أن يتوقف.
لكني أقول:
التذكير بالموت ليس ترهيبيًّا مرضيًّا كما يتوهم البعض، بل له وظيفة نفسية معروفة ومعتبرة:
فهو تحفيز بالمآل، يجمع بين الرجاء والخوف، ويُعدّ من أدوات التوجيه المحفزة على التغيير والانضباط، لا سيّما حين يُقدَّم في سياق ديني متكامل.
ثم هنا نقاط علمية مهمة حول العلاج بالخوف:
1- التحفيز بالخوف ليس مذمومًا في ذاته:
الطبيب يُخوف مرضاه من التدخين، والسُّمنة، والمضاعفات المزمنة، وتُوضع صور بشعة على علب السجائر، وتُبنى الحملات الصحية على صدمة المتلقّي.
فهل هذه صدمات طبية؟ أم توعية مسؤولة؟
2- بل في العلاج النفسي السلوكي ذاته:
نُعرّض مرضى القلق والرهاب والوسواس لمخاوفهم بشكل مباشر (exposure therapy) كي يتكيفوا معها ويزول أثرها.
3- وفي علاج حزن الوفاة الشديد المزمن، نستدعي قصص الفقد والحزن والذكريات المؤلمة، لكي يُعاد تفسيرها وتجاوزها.
4- بل حتى "الصدمة" (trauma)، لا تُعالج بالسكوت عنها، بل بإعادة سردها وتفكيكها معرفيًّا ووجدانيًّا، في أحد الطرق العلاجية المعتمدة.
5- استعمال الخوف والتخويف معمول به في التربية، وهو مما اتفقت عليه كل الثقافات، مع التنبيه على جرعة الخوف المطلوبة، وكيفية تنفيذها. فهل يقال نمنع استعمال الخوف نهائيا بأي شكل أو درجة؟ هذه وسوسة وتهويل وليس طرحا علميا.
6- الخوف من الموت انفعال بشري طبيعي،
ينبغي تنظيمه لا إنكاره، وتهذيبه لا محوه، وهو أحد المفاتيح التي تُعيد الإنسان إلى معنى الحياة وغايتها.
7- وبعض الممارسين "يخوفنا" أن التذكير بالموت قد يسبب ما يُسمى بـ"الصدمات الدينية" (religious trauma). نعم الصدمات الدينية موجودة، لكن نقاش أسبابها لا يكون بسطحية انطباعية، وإنما ببحث شمولي ميداني، يتقصي جذورها. وكنت قديما قدمت دورة في هذا الباب، واتضح أن الذين يكون الدين سببا لمعاناتهم، لهم ظروفهم الخاصة، غير القابلة للتعميم.
ولا يصح أن يُستعمل كمبرر لمهاجمة النصوص الدينية، أو لإلغاء وظيفة الوعظ بالموت، أو لوصف التربية الإسلامية كلها بأنها ترويع جمعي.
"التذكير بالموت حين يكون وفق منهج النبوة، فهو دعوة للرجاء لا لليأس، وللتزكية لا للترويع."
ختاما:
إني لأتعجب من الممارس النفسي الذي يُبدي نفورًا من التذكير بالموت، وأطلب منه أن يسأل نفسه: هل هذا النفور موقف علمي؟ أم شخصي؟
ولماذا هذا النفور فقط في استعمال الخوف في موعظة دينية؟ أليس الخوف عموما يستعمل في مواطن كثيرة اخرى أيضا؟
ولماذا لا يُعترض على مشاهد الموت في أفلام الرعب، أو نشرات الحوادث، أو الترفيه الدموي؟ لماذا لا تتحول تلك إلى صدمات نفسية أيضًا؟!
من يخاف الموت، لن ينفعه الهروب منه، بل يحتاج من يأخذ بيده ليواجه لحظة موته، وما بعدها، لا أن يعيش كل يوم يهرب منها
وإذا أضحى التذكير بالموت تهمة، فإننا في أزمة لا في علاج.