إن من أعظم ما يُسلّيك في حال محنتك وأحزانك تذكُّر ألطاف الله وسوابق كرمه وإحسانه ..
كم من أذىً صرفه عنك ورحماتٍ ساقها إليك من غير أن تدعوه بها ؟
أفيتركك الكريم حينما قصدتَ بابه ولجأت إليه متضرّعًا مُستعينا !
السّلام عليكَ يا صاحبي،
كنتُ البارحة أقرأ في سير أعلام النُّبلاء،
وما زالتْ كلماتُ عبد الله بن المبارك عن الإمام مالك ترِنُّ في أُذني حتى اليوم،
قال:
"ما رأيتُ رجلاً ارتفعَ كمالك بن أنس،
ليس له كثير صيامٍ ولا صلاة، وإنما كانتْ له سريرة!"
يا صاحبي،
عندما كتبَ مالكٌ الموطأ قالوا له:
ما حاجة الناس إليه وكتب الحديث كثيرة؟
فقال: ما كان للهِ يبقى!
وكان مالكٌ كلّه لله، وبقيَ الموطأ!
يا صاحبي،
ليس شيءٌ أحبّ إلى الله من خبيئة صالحة،
يجعلها العبدُ بينه وبين ربّه!
لا تطّلعُ عليها الأعين لتمدحها،
ولا تسمعها الأذن لتثني عليها،
تفعلها وليس في نيتك إلا الله،
واثقاً أنه لا يضيعُ شيء عنده!
صدقةٌ دائمة لا ترصدها الكاميرات،
وركعات في الليل وأهل بيتكَ يحسبونكَ نائماً،
ديونٌ تُسددها عن الغارمين في الدكاكين دون أن تعرفهم ويعرفوك،
كفالة يتيم لن يعرفَ من كفله إلا يوم القيامة!
يا صاحبي،
تأمّل قول مالكٍ: "ما كان للهِ يبقى!"
منشورٌ تكتبه حباً للهِ، ودفاعاً عن دينه،
يُسخِّرُ الله لكَ آلاف الناس ليحملوه عنكَ، ويبلغوه،
يلفُّ الكرة الأرضية، وأنتَ جالس في بيتك!
كتابٌ تؤلفه وليس في خاطركَ إلا الله،
وأن يجعله سبحانه سبباً لعودة تائب،
ومواساةً لمحزون، وتربيتة على كتف مكسور، وهدايةً لحيران!
تموتُ أنتَ ويبقيه الله لكَ!
شجرةً تزرعها للهِ يبقيها الله لكَ واقفة كالجبل،
ويطرحُ لكَ فيها البركة،
ويسوقُ إليها الناس سوقاً ليعطيكَ الأجر،
وما كانت يوماً إلا نبتةً صغيرة، ولكن لأنها لله بقيت!
بئر تحفره لله،
قد يكون جزاؤه شربة من يد النبي ﷺ،
لا أحد أوفى من الله!
دار تحفيظٍ تُنفقُ عليها،
أنت الذي لم تُسعفكَ ذاكرتكَ لتحفظ،
يُسخّر الله لكَ من يحفظ فيه،
وتكتبُ الملائكة في صحيفتك أجرهم جميعاً!
ما كان لله يبقى،
من كان يظنُّ أن يُباع رياض الصالحين في مكتبات باريس ولندن،
ولكن الله اطلع على قلب الإمام النووي فارتضاه، فأحيا له كتابه!
وليس من فراغٍ أن تتعلق القلوب بمدارج السالكين،
فمن قبل تعلق قلب ابن القيم بالله!
ولا غرابة أن يموت ابن الجوزي ويبقى كتابه صيد الخاطر،
فمن كان للهِ كان اللهُ له!
كان الإمام أحمد يدعو: اللهم أمتني ولا يعرفني أحد من خلقكَ!
وحين اطلع الله على قلبه،
ورآه لا يريدُ الشهرة، أماته ولا يجهله أحد من الناس،
يا صاحبي، تذكًر دومًا : ما كان لله يبقى!
والسّلام لقلبكَ
يتولى الله أمر دمعة أودعتها قلبك، ، يتولى الله أمر الكلمة التي طحنت كبدك وأرقت مضجعك وسرقت كل لذة من مشاعرك، يتولى الله أمر كل فكرة شرعوا إليك أبوابها وحبسوك في زواياها، يتولى الله أمرك الذي لا حول لك فيه ولا حيلة لمقاومته .
"شعور الثقة بالله أعزّ شعور قد يسكن قلب المرء، تخيّل تصبح وتمسي، تنام و تقوم، تمشي في مناكب الأرض، وفي قلبك يقين راسخ بما عند الله، واثق أنه سيُدبرك في أحسن تدبير، واثق أنه لن يتركك ما دمت تُطرق بابه وتستمد القوة منه، واثق أنه سيحميك ويكفيك ويعطيك، شعور عزيز جدًا يفيض طمأنينة"
﴿وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾
"دعواتك الخفيّة، و يقينك الصادق، وأمنياتك التي علّقتها بإيمانك بقدرته، هو قادر على أن يأتيك بها من حيث لا تحتسب بكل يسر وسهولة، لا يقف في طريقها مانع، هو الذي لا راد لفضله سبحانه"
#الوتر#الوتر_جنة_القلوب
أتدري ما الذي يطمئن ؟
أن الله يراك، فهو يبصر ألم جهادك قبل أن تزل قدمك، ويعلم مرارة صراعك في لحظة الضعف، ويسمع أنين انكسارك بعد الخطأ، تلك الدموع الخفية يحبّها الرحمن، فلا يحزنك تعثرك، ومحاولاتك ما هي إلا نبضٌ حيّ في قلبك، فانتشل روحك من لجّة اليأس وقُم، فأنت في أنبل معارك العمر.
ربما لا يلمح أحد تلك الغصة العالقة في حنجرتك، ولا الحزن المتشعب في أودية صدرك، وعزاؤك الوحيد أن الله يراك؛ فهو الشاهد على ما لم تبُح به، وهو الأقرب إليك من نبضك وهمسك، امسح على قلبك وقل: "أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين"، فبضوء هذا اليقين يذوب ما أثقلك، ويغسل بالسكينة قلبك.
" تُؤنسني مقولة الرافعي
(يجعلُ الله الهموم مُقدّماتٍ لنعمٍ مخبوءة)
مازلت أؤمن بأنها مهما ضاقت فهي في النهاية ستُفرج من حيث لا نحتسب، وبأنّ العُسر حتمًا سيتبعه يُسر، وأنّ البلاء لا يأتي دون لطف، وأنّ الصبر مهما طال سيتبعه جَبْر!♥️"
من الصوارف التي تصرف الواحد عن الدعاء فيترُكه وينساه : طول انتظار الفرَج ، واشتداد الضيق عليه ، وانهماكه مع موازين البشر ، وانشغال قلبه بالناس ، وعدم ذوْقِهِ حلاوة الدعاء ، واعتماده على حوله وقوته ، واستجابته لإيحاءات الشيطان ، وغفلته عن حكمة الله وعظيم قُدرته ..
" في الجنَّة ترىٰ اللَّه
ترى الذي لطالما آنسَ وحشتك
ترى الذي طالما فكَّ كربتك
ترى مَن طالما آمن روعك ودبَّر حياتك
ترى الذي آواك عِندما جافوك
ترى الذي شفاكَ وأطعمكَ وسقاك مِن غير حولٍ منكَ ولَا قوَّة" ❤️
"إنهُ اللطيف
يُغلِق عنك بابًا
ويفتح لك أبوابًا أخرى أكثر سِعَة
ويأخذ منك من جهة
ويعطيك من جهات أخرى أكثر وفرة وغِنَى
ويبعد عنك أشخاصاً وأشياء ظننتها في صالحك
ويُقرِّب ما يليق بك ويرتقي بك أكثر من الأولى
هو الذي يُدبِّر أمرك بحكمته
ويكفيك قوله: "فإنّك بأعيننا" ❤️
علمتني سورة البقره :
أن " كل متوقع آت ..
فمنتظر السعادة سيحصل عليها .. وصاحب القلب الممتلئ باليقين سيحققه .. ومسيء الظن بالله سيناله ..
"فكل ما تتوقعه وتظنه ستحصل عليه "
من أقامك بين يديْه ووفّقك لمُناجاته لا يردُّك خائباً ؛ فأحْسِن الظنّ بالله ، ولا يستخفنّك الذين لا يُوقنون ؛ فمن احتقر دُعاءك فإنّما أساء الظنَّ بالله ، ومن تعلَّق بالدعاء حتى لو طال انتظاره للفرَج فهو في نعيم حُسْن الظنِّ بالله ؛ فلا تيأس فأنت تتعامل مع الكريم الذي بيده كل شيء .
مُناجاة الله هي أن تدعو الله بما يخفى على الناس وما تُخفيه أنت عنهم ؛ فتسألُ الله فيه ، وتشكو ما أهمَّك إليه ؛ واستشعار هذا المعنى من المُناجاة يُورِثُك التلذُّذ بها وذوْق حلاوتها ؛ فتُناجي الله في وقتٍ لا يسمعك فيه الناس ، ولا يُلقون لك فيه بالاً ، ولا يُرعون لك فيه سمعاً ..