بفضل الله
قبل فترة كانت «أسين» مجرد ملف في جهازي، واليوم أصبحت كتابًا أستطيع أن أمسكه بيدي.
ما أعرف أوصف الشعور أكثر من أنني ممتن لهذه اللحظة، ولدار أثر للنشر والتوزيع.
📖 أسين:
https://t.co/vyxa4Cn2i0
@Darathar
يا هُنا عمري ويا ضحكة سنيني يا هنَاي
كيف بعد الهنا صرتي بقلبي شقاي
كنتي أول أحلامي وآخر أمانٍ لي
وصرتي مصدر آلامي بعد ماكنتي دواي
أجمع بقايا الذكريات وأبكي وأعاني
وأضحك بوجه الناس وأخفي عناي
يتردد على بالي صدى طاريك واسمك
ويضيق بي وقتي وسنا صبحي ومساي
حين يصبح الانتظار بيتًا
ليس أقسى ما في الانتظار أنه يطيل الزمن، بل أنه يبدّل الإنسان وهو لا يشعر.
في البداية يسرق منه دقيقةً من الطمأنينة، ثم يقتطع خطوةً من شجاعته، ثم يضيّق في قلبه مساحةً كانت تتّسع للحياة. ولا يحدث ذلك دفعةً واحدة؛ بل ببطءٍ يكاد يُطمئن صاحبه أنه ما يزال كما كان. حتى إذا مرّت الأعوام، التفت إلى نفسه، فلم يجد إلا رجلًا يقف في المكان ذاته، أمام بابٍ لم يعد أحد في الجهة الأخرى يفكّر في فتحه.
ولذلك ليس كل انتظارٍ فضيلة، كما أن ليس كل رحيلٍ خيانة.
فالفضيلة لا تُقاس بطول البقاء، بل بما يفعله البقاء في روحك هل يوسّعها أم يخنقها؟ هل يمنحك سكينةً هادئة، أم يجعلك تعيش على قلقٍ لا ينام؟ وهل يبقيك حاضرًا في أيامك، أم يحوّلك إلى غائبٍ ينتظر غائبًا آخر؟
هناك انتظارٌ لا يستهلك العمر، بل ينضجه، يترك في القلب مساحةً للرجاء، دون أن يصادر منه حقّه في الحياة، تنتظر، لكنك تعمل، وتبتسم، وتحب، وتنهض كل صباح كأن العالم ما يزال يفتح أبوابه لك، لا تجعل مصيرك معلّقًا بخطوات شخص، ولا تربط سعادتك بوعدٍ قد يأتي وقد لا يأتي، هذا الانتظار لا ينتقص منك شيئًا، لأنه لا يطلب منك أن تتخلّى عن نفسك في سبيله.
لكن ثمة انتظارًا آخر.
انتظارٌ يبدأ برسالةٍ لم تصل، ثم يصبح عادة، ثم يتحوّل إلى بيتٍ كاملٍ تسكنه وحدك.
تصير الأيام مؤجّلة، والفرح مؤجّلًا، وحتى أحلامك الجديدة تنتظر إذنًا من شيءٍ لم يعد موجودًا إلا في خيالك، عندها لا تكون وفيًّا لمن أحببت، بل تصبح أسيرًا لاحتمالٍ لا يملك لك وعدًا، وحارسًا لغيابٍ طال بقاؤه أكثر مما ينبغي.
والإنسان لا يخسر حين يغادره من يحب فقط؛ بل يخسر أكثر حين يجعل قيمة نفسه رهينةً لعودته.
ينتظر اعتذارًا قد لا يُقال، ورسالةً قد لا تُكتب، وطرقاتٍ لبابٍ نسي صاحبه عنوانه منذ زمن، وما يرهق القلب ليس الغياب وحده، بل أن تظل واقفًا في مكانك، بينما الحياة من حولك تغيّر وجوهها، وطرقاتها، وفصولها، وأنت وحدك ترفض أن تتحرّك.
ثم يأتي المضي.
ولا يأتي لأن القلب شُفي، ولا لأن الذكرى ماتت، بل لأن الإنسان أدرك أن العمر أقصر من أن يُعاش على عتبة باب.
أن تمضي لا يعني أنك نسيت، النسيان ليس فضيلة، وربما ليس ممكنًا أصلًا، لكنه يعني أن تضع الأشياء في أماكنها الصحيحة؛ أن تسكن الذكرى في الذاكرة، لا في الطريق، وأن يبقى الحب في القلب، لا على رقبة الأيام.
فالذكريات تشبه الجمر؛ إذا بقيت في موقدها منحت الدفء، وإذا حملتها طويلًا في كفّك، لم تُحرق أحدًا سواك.
وليس النضج أن تدّعي أنك لم تتألم، ولا أن تقنع نفسك بأن كل ما حدث كان وهمًا. النضج أن ترى الحقيقة كاملةً؛ جمال البدايات، وصدق اللحظات، ثم ترى كذلك الشقوق التي اتّسعت، والثمن الذي صار بقاؤك تدفعه كل يوم.
وحين ترى الصورة كاملة، يصبح القرار أقل قسوة.
لا لأن الحنين انتهى، بل لأنك أخيرًا فهمت أن الحنين ليس مكانًا صالحًا للعيش.
اسأل نفسك سؤالًا واحدًا فقط:
هل ما أنتظره ما يزال يفتح في داخلي نافذة، أم أنه أغلق البيت كلّه؟
إن كان يفتح نافذة، فانتظر ما دمت ترى السماء.
وإن كان قد أغلق الأبواب جميعها، فلا تجعل الوفاء اسمًا آخر للخوف، ولا تجعل الحب عذرًا لتأجيل حياتك.
ليس كل ما نحبه خُلق ليبقى، كما أن ليس كل ما يغادر خُلق لنلحق به. بعض الأشياء تنتهي، لا لأنها كانت قليلة القيمة، بل لأن الحياة لا تعرف الثبات، ولأن القلب الذي لا يتعلّم المضي يتحوّل مع الوقت إلى متحفٍ للغياب.
وحين يأتي يوم المغادرة، لا تغادر غاضبًا، ولا منتصرًا، ولا باحثًا عن انتقام.
غادر بهدوء.
أغلق الباب برفق، لا لأن من في داخله لم يعد يعنيك، بل لأنك أخيرًا تذكّرت أن في هذه الأرض أبوابًا أخرى، وطرقاتٍ أخرى، وحياةً كاملةً كانت تنتظرك أنت، بينما كنت تمضي عمرك واقفًا عند بابٍ واحد.
كانت واقفةً أمامي، كأنها ليست فتاةً عابرة، بل جوابٌ قديمٌ لسؤالٍ ظلّ قلبي يردده سنواتٍ دون أن يعرف صيغته
ملامحها حادّة، نعم، لكنها لم تكن حدّةً جارحة، كانت حدّةَ السكين حين يلمع تحت الضوء، وحدّةَ القصيدة حين تقول الحقيقة بلا اعتذار وفي وجهها شيءٌ من الكبرياء، وشيءٌ من الطفولة، وشيءٌ ثالث لا أعرف اسمه، لكنه كان كافيًا لأن يجعلني أنسى اسمي، ومكاني، وما كنتُ أريد قوله.
كانت بشرتها صافيةً صفاءً لا يشبه البياض وحده، بل يشبه الطمأنينة حين تستقرّ على وجه إنسان. كأن الضوء حين يمرّ بها لا ينعكس عنها، بل يقيم فيها قليلًا، ثم يخرج منها أهدأ مما دخل وأما عيوبها الصغيرة، تلك التي ربما لا تراها هي، فقد كانت أجمل ما فيها؛ لأن الجمال الكامل بارد، والجمال الذي يحمل أثرًا صغيرًا من النقصان يكون أكثر إنسانية، وأكثر خطرًا على القلب.
وشعرها الكستنائيّ… كان مربوطًا إلى الخلف كأنه يحاول أن يكون عاقلًا، مرتبًا، مطيعًا، غير أن خصلةً واحدةً تمرّدت وسقطت على وجهها، فهدمت كل هذا النظام الجميل، وجعلته أجمل و عندها فهمت أن الفوضى أحيانًا تعرف طريقها إلى الكمال أكثر من الترتيب.
كنتُ أنظر إليها وأشعر أنني لم أرَ امرأةً من قبل، لا بهذا الحضور، ولا بهذا الصفاء، ولا بهذا الوجه الذي يشبه بدايةَ حياةٍ جديدة كأن كل النساء اللواتي عبرن عينيّ كنّ تمهيدًا لها، وكأن عمري السابق كان صحراء طويلة، لم أعرف عطشها إلا حين جاء وجهها مثل ماءٍ لا يُشرب، بل يُعبد بالنظر.
ولم أحبّ وجهها لأنه جميل فقط، بل لأنني شعرتُ أنني أعرفه قبل أن أراه وكأنه كان محفوظًا في مكانٍ ما من روحي، ينتظر اللحظة التي يظهر فيها ليقول: ها أنا ذا، هذا ما كنتَ محرومًا منه طوال سنينك.