كلما تقدمتُ في العمر، ازددتُ اقتناعًا بأن الإنسان يقضي جزءًا كبيرًا من حياته وهو يسعى وراء أشياء، ثم يكتشف متأخرًا أن أثمن ما في الحياة لا يُشترى.
يمكن للمال أن يشتري بيتًا... لكنه لا يشتري أسرةً يسكن إليها القلب.
ويستطيع أن يشتري سريرًا فاخرًا... لكنه لا يمنح صاحبه نومًا هادئًا.
ويستطيع أن يشتري دواءً... لكنه لا يضمن عافيةً، ولا طمأنينة.
ويستطيع أن يفتح أبوابًا كثيرة... لكنه لا يفتح باب محبة الناس، ولا احترامهم.
إن أكثر ما يحتاجه الإنسان في حياته ليس المزيد من الممتلكات، وإنما المزيد من المعنى.
ولهذا رأينا أناسًا يملكون القليل، لكنهم يعيشون في سكينة، ورأينا آخرين يملكون الكثير، لكنهم لا يعرفون الراحة.
المشكلة ليست في السعي إلى الرزق، فطلب الرزق عبادة، وإنما في أن تتحول الوسيلة إلى غاية، وأن يصبح جمع المال مشروع العمر كله.
إن الإنسان يحتاج أن يسأل نفسه بين حين وآخر:
ما الذي سيبقى مني بعد عشرين سنة؟
هل سيتذكرني الناس بما امتلكت؟
أو بما قدمت؟
إن أعمارنا قصيرة، وما نتركه في القلوب أطول عمرًا مما نتركه في الحسابات البنكية.
ولهذا فإن الاستثمار الحقيقي ليس فيما نقتنيه، بل فيما نبنيه داخل أنفسنا، وفيما نغرسه في أبنائنا، وفيما نقدمه للناس من علم، أو خلق، أو نفع.
فالأشياء تبلى...
أما الأثر الصالح، فيبقى.
د. عبد الكريم بكار
شكرًا لسيدنا يوسف عليه السلام
1. شكرًا لسيدنا يوسف، من قصتك تعلمتُ أن بعض الناس يكرهوننا لمزايا فينا، لا لعيوبنا. فقد كرهوك لأنك جميل، وطيب، ولا تشبههم، والناس لا يريدون من يذكرهم بنقصهم.
2. وتعلمتُ أن الطعنة تأتي أحيانًا من حيث لا نحتسب، وأنك حين سلمت من الذئب، لم تسلم من إخوتك.
3. وتعلمتُ ألا أقص على الجميع كل خير وهبني الله إياه؛ لأن بعض العيون ضيقة، والقلوب أضيق، ينظرون إلى ما في أيدي الآخرين أكثر مما ينظرون إلى ما في أيديهم.
4. وتعلمتُ أن المجرمين قد يلبسون ثياب الناصحين، فقد قال إبليس لآدم: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾، وقال إخوتك لأبيك: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾، و**﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾**.
5. وتعلمتُ أن بعض الشر أهون من بعض، وأن الناس كما يتفاوتون في صلاحهم، يتفاوتون في شرهم، فقد أنجاك أقل إخوتك شرًا حين قال: ﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾.
6. وتعلمتُ ألا أبوح بمخاوفي؛ كي لا يحاربني الناس بها، فلما قال أبوك: ﴿أَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾، جعلها إخوتك حجتهم.
7. وتعلمتُ أنه لا توجد جريمة كاملة، وأن المجرم توقعه تفاصيل صغيرة غفل عنها. فقد نسوا أن يمزقوا قميصك، فأي ذئب هذا الذي يفترس صبيًا ويترك قميصه سليمًا؟
8. وتعلمتُ أن الخير والشر ليسا في الأشياء، وإنما في طريقة استخدامنا لها. فقميصك كان مرة أداة كذب، ومرة دليل براءة، ومرة سببًا في رد البصر إلى أبيك.
9. وتعلمتُ أن الدنيا لا تستحق أن يتعلق بها القلب، ففيها بيع يوسف الكريم بدراهم معدودة.
10. وتعلمتُ أن المدارس، والجامعات، والكتب، ليست إلا أسبابًا، وأن المعلم الحق هو الله؛ فهو الذي آتاك حكمًا وعلمًا، وقال سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾.
11. وتعلمتُ أن الكريم لا يغدر، وأن الحر لا يقابل الإحسان بالإساءة، وأن النبيل لا يبصق في بئر شرب منه. فما أجملك وأنت تقول: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾.
12. وتعلمتُ أن الأمانة الحقيقية لا تظهر إلا مع القدرة على الخيانة، وأن العفة الحقيقية لا تظهر إلا مع القدرة على المعصية.
13. وتعلمتُ أن المعصوم من عصمه الله، وأن من كان مع الله في رخائه، كان الله معه في شدته.
14. وتعلمتُ أن الظروف لا تجبر الإنسان على المعصية، فقد اجتمع عليك جمال زليخا، وسلطتها، وإغراء الموقف، ومع ذلك اخترت طاعة الله.
15. وتعلمتُ أن الله إذا أراد إظهار الحق، فلن يستطيع أحد أن يحجبه.
16. وتعلمتُ أن الظلم قديم في حياة البشر، وأن في السجون مظلومين دخلوا بسبب تمسكهم بالحق، لا بسبب ارتكابهم الذنب.
17. وتعلمتُ أن حلاوة الإيمان تغلب مرارة الابتلاء، وأن القلب العامر بالله أوسع من أضيق السجون.
18. وتعلمتُ أن الدعوة إلى الله لا ترتبط بمكان؛ ففي القصر دعوت إلى الله، وفي السجن دعوت إلى الله، وعلى كرسي الحكم دعوت إلى الله.
19. وتعلمتُ أن المعدن الأصيل لا تغيره المناصب ولا المحن؛ ففي السجن قالوا: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، وعلى كرسي الملك عرفوك بالإحسان أيضًا.
20. وتعلمتُ أن الحسد وراء كثير من الشرور، فقد كان سببًا في إلقائك في الجب، كما كان أول معصية في السماء، وأول جريمة في الأرض.
21. وتعلمتُ أن الفساد كثيرًا ما يكون نتيجة سوء الإدارة، لا قلة الموارد؛ فقد أنقذت مصر بحسن التدبير، لا بزيادة الإمكانات.
22. وتعلمتُ أن الصراع بين الحق والباطل باقٍ إلى قيام الساعة، تتغير وجوه أصحابه، ولا تتغير حقيقته.
23. وتعلمتُ أن التخطيط من أسباب النجاح، فسنوات الرخاء كان لها تدبير، وسنوات القحط كان لها تدبير، وحتى جمع شمل أسرتك كان له تدبير.
24. وتعلمتُ أن الله يسوق الأسباب من حيث لا يحتسب الناس؛ فلم يخرجك من السجن بمعجزة ظاهرة، بل برؤيا رآها الملك.
25. وتعلمتُ أن المناصب تكليف قبل أن تكون تشريفًا، وأن طلبها يكون لخدمة الناس، لا للتسلط عليهم.
26. وتعلمتُ أن للمحبة رائحة لا يدركها إلا أهلها، ولذلك قال يعقوب عليه السلام: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾.
27. وتعلمتُ أن العدل بين الأبناء ضرورة، وأن التمييز بينهم قد يزرع في القلوب ما لا تُحمد عقباه.
28. وتعلمتُ ألا أشكو بثي وحزني إلا إلى الله، فهو وحده الذي بيده كشف الضر، كما قال يعقوب عليه السلام: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾.
29. وتعلمتُ أن التغافل خُلُق الكبار، وأن بعض العلاقات لا تبقى إلا إذا تجاوز الإنسان عن هفوات لا تستحق أن تتحول إلى خصومات. فقد أخفيت ما علمته، حفاظًا على لمّ الشمل، وصدق من قال: «سيد قومه المتغابي».
للكاتب: أدهم شرقاوي
@YAbouzakaria تحليل عميق يلامس واقع الشباب اليوم أستاذي الكريم. كيف يمكننا بناء وعي ذاتي يحمينا من السقوط في فخ هذه التيارات؟ وهل ترون أن التزود بالمعرفة عبر قراءة كتب تفسير القرآن، العقيدة، والفقه يُعد كافياً لبناء هذا الخط الدفاعي أم نحتاج لأدوات أخرى في زمن الانفتاح الرقمي؟