نداء شعبي لرفض التّطبيع
إلى أبناءِ شعبِنا الأحرار،
ما كنّا نخشاهُ يوشكُ أنْ يقَع، فكونوا حماةَ لبنان واكتبوا على صفحاتِ التاريخِ كلمةَ الرفضِ: لا.
لا للاستسلامِ، لا للتطبيعِ، لا للزمنِ الإسرائيليّ في لبنان. لبنانُ الّذي دحَرَ الاحتلالَ ذاتَ أيّار، لن يستسلمَ عندّ أوّلِ انكسار.
لم يفاجِئنا الإعلانُ عن مشاركةِ السّفير السّابق سيمون كرم في اجتماعِ اللجنةِ التقنيّة العسكريّة للبنان[1] [2]، المسمّاة "ميكانيزم" صباحَ الأربعاء في 3 ك1/ديسمير الجاري، بوصفِه مدنيًّا، في حضورِ طرفٍ "مدني" إسرائيليّ هو المديرُ الأعلى للسياسةِ الخارجيّةِ في مجلسِ الأمنِ القوميّ الاسرائيليّ. رضخَ لبنانُ للمطلبِ الأمريكيّ، باسمِ السيادةِ والمصلحةِ الوطنيّة العُليا، فكانَ هذا الاجتماعُ سابقةً لم تحصل منذ عقود [3]، وليسَ مستبعدًا أن يكونَ مرسومًا لها تكبيلُ لبنان باتّفاقيّات التّطبيع.
يقولُ ممثلو لبنان إنّهم يجلسونَ إلى طاولةِ المفاوضاتِ للمطالبةِ بوقفِ الاعتداءاتِ، وتحقيقِ الانسحابِ الإسرائيليِّ، وإطلاقِ الأسرى، فيجيبُ مكتبُ رئيسِ وزراءِ العدوِّ أنَّ نزعَ السلاحِ إلزاميٌّ [4]، بغضِّ النَّظرِ عن تعزيزِ التّعاونِ الاقتصاديِّ، وتستمرُّ الاعتداءاتُ اليوميّةُ، والخروقاتُ، والضّرباتُ الإجراميّة، كأنَّ شيئًا لم يكن. عدوّنا، في نشوةِ تفوّقه العسكريِّ، والدَّركِ الأسفلِ من الإجرام، لا يريدُ أنْ يقدّم شيئًا، وهوَ الذي لا يفهمُ إلّا لغةَ القوّة، فقدّموا لهُ تنازلًا في نقطةٍ، كي ينتقلَ للّتي تليها، يا أصحابَ السيّادة والمصلحةِ العُليا، والقضايَا الكبرى. امضوا في تنازلكُم للعدّو الذي أبادَ، واحتلّ، ودمَّرَ، وهجَّرَ، واستوطَنَ، دونَ أيِّ رادعٍ قانونيٍّ أو إنسانيٍّ، وساعدوُه على نزعِ السّلاحِ الذي ما يزالُ يحسبُ لهُ كلّ حسابٍ، هنيئًا لكم.
لماذا يجلسون إلى طاولةِ المفاوضاتِ؟ كي يبعثَ السّفيرُ كرم برسائلِ التّطمينِ للجانبِ الإسرائيليّ أنَّه حريصٌ مثلُهم وربّما أكثر على نزعِ سلاحِ حزبِ الله؟ أم تناغمًا مع المطلبِ الأمريكيّ بإنشاءِ منطقةٍ اقتصاديّةٍ على الحدود، على ترابِ آلافِ الشّهداءِ الّذين لم تجفَّ دماؤُهم بعد؟ أم ربطًا بمشاريعَ استعماريّةٍ جديدةٍ، تتخطّى حدودَ لبنان؟ أم فقط لإسكاتِ الأمريكيّ، وكسبِ بعضِ الوقتِ بين تنازلَين؟
يذهبونَ إلى طاولةِ المفاوضاتِ دون تفويضٍ شعبيٍّ، وما الّذي يملكونَ من أوراقِ التفاوضِ؟ يملكونَ الوسيط َالأمريكيَّ المنحازَ كليًّا للعدوِّ؟ ويملكونَ التنازلَ تلوَ التنازلِ؟ وهوسَهُم بنزعِ السّلاحِ، وإسقاطِه حتى كورقةٍ تفاوضيّة قويّة؟ ثم ما هو سقف التفاوض، وما هي أهدافه، كي نحكم عليه بالنجاح أو الفشل؟
يهرولونَ للتّفاوضِ، ولكن ألا يتّعظون؟ أليسَ هو العدوُّ عينُه الذي لم يلتزِم باتّفاقِ وقفِ إطلاقِ النار؟ أليس هو العدوّ الّذي ألغَى اتفاقيّة الهدنةِ من طرفٍ واحدٍ منذ عقود؟ والذي استغلَّ وما يزالُ، تبدّلَ الأحوالِ في سوريا، كي يقصفَ ويتوغَّلَ ويحتَلَّ، رغم استعدادِ الحكمِ السوريّ الجديدِ للتفاوضِ، وانخراطِه في بعضِ جولاتِها؟
هذه الخطوةُ المشؤومةُ، تضعُنَا جميعًا أمام مسؤوليّاتِنا التّاريخيّةِ: كيفَ يتفقُ الرؤساءُ الثلاثةُ على مثلِ هذا الرضوخِ؟ وما موقفُ القوى الوطنيّةِ، والقوميّةِ، والإسلاميّةِ، واليساريّةِ؟ كلُّنَا أمامَ الامتحانِ الأصعبِ منذ عقودٍ، فليكن المسؤولون على قدر مسؤولياتهم، أمّا شعبُنا فطالَما عرَف أن يكونَ على قدرِها.
دفاعًا عن سيادتنا الوطنيّةِ والشعبيّة، نحن الموقعينَ أدناه، ندينُ هذه الخطوة التنازليّة، كما ندعو كلَّ الأحرارِ في لبنان من القوى الوطنيّة والشعبيّة إلى التمسّك بالمقاومةِ المسلّحةِ كحقّ وممارسة، والعملِ معًا وكُلاًّ من موقعه على إسقاطِ المشاريعِ الإسرائيليّة في لبنان بما فيها رفض كلّ أشكال التطبيع، وعلى مواجهةِ الهجمةِ الصهيونيّة والإمبرياليّة على منطقتنا.
حملة مقاطعة داعمي إسرائيل في لبنان
بيروت في 5 ك1/ديسمبر 2025
للتوقيع على البيان
https://t.co/6eluTE97Ow
غداً الأربعاء 6 نوفمبر 2024 هو يوم الأربعين. أربعين #سيد_الشهداء، أربعين الشهادة (*).
يوم الأربعين وظيفته الاجتماعية والثقافية والنفسية، على مستوى الأفراد والجماعات، تتويج مرحلة الحداد تمهيداً لتجاوزها. هنا، لا أظن أن الأربعين له الوظيفة نفسها! سيكون حداداً بلا ضفاف!
الحداد عمليّة معقدة، هدفها قبول الغياب. الغياب، هذه الحقيقة الصاعقة، العنيفة، الأليمة، الخارقة التي على العقل أن يتقبلها، حتى لو بقي يرفضها الوجدان. الحداد أن تعيد تعلّم الحياة من دون الشخص الذي سرقه منك الغيب…
في حالة #سيد_المقاومة، الحداد يبدو شائكاً، لأن بصمات هذا الرجل على كل شيء منذ أكثر من ثلاثة عقود. إنه أيقونة المقاومة التي لم نكن لنحلم بها. بصماته على الحياة السياسية، والحياة الخاصة. وقد تجاوز منذ سنوات طويلة الفضاء العام، ليعشّش في عالمك الخاص، في وجدانك، ويضبط ايقاع حباتك الداخلية، الحميمة.
أعرف أنني لست وحدي في هذه الحالة. كم مرة سمعنا منذ 27 أيلول/ سبتمبر المشؤوم، جملة : «لا أستطيع أن أقبل، لا يمكن أن أصدق». نحن ألوف مؤلفة، بحر بشري هادر، من كل ملّة وعقيدة وهويّة وبلد… نتشارك في الفقد نفسه، لكن لكل واحد منا "سيده" الخاص الذي لا يتقاسمه حتى مع أقرب الأقربين. هكذا هي الشخصيات الاستثنائية التي تقولب مزاجنا، وتطبع ذائقتنا ووعينا، وتصبح جزءاً من وجودنا…
كل عقلانية العالم لا تكفي لتجعلك تتقبّل الغياب! ليس فقط لأن هذا الأب الروحي والرمز والقائد والسياسي والخطيب، صنع التاريخ ودخله في حياته، أو لأن بصماته ستبقى حاضرة طويلاً على المشهد السياسي، وسط هذا المخاض العظيم… هناك زعماء كبار سبقوه في النهاية، شيدنا لهم التماثيل، ونحيي ذكراهم ونستعيد أمجادهم، ونواصل حياتنا. الذين عاشوا في زمن #جمال_عبد_الناصر، لعلّهم يعرفون اليتم نفسه. أنا عشت في زمن #حسن_نصرالله! إنها مسألة أنانيّة في النهابة: هذا الرجل بنيتَ وجودك الخاص حوله، ولا تريد لهذا الوجود أن ينهار!
أنا خائف من يوم الغد. مثل الآخرين لا زلت أنتظر خطابه! لا بد أن لديه الكثير ليقوله لنا! لن أصدق أنه سيغيب عن الشاشة، أنه سيبخل علينا بتلك البسمة الفتاكة، بتلك السبابة التي أعطت شكلاً لتاريخنا المستحيل. ما أصعب أن يأتي يوم الأربعين قبل الجنازة. نعيش لحظة استثنائية، بكل المعايير. آه يا حزننا المؤجل!
أخاف الأربعين. كنت أتمنى لو استطيع الهروب من هذا الاستحقاق، الاختفاء من الوجود لمدّة 24 ساعة… هذه المرّة، لا شفاء من الغياب! لا الوقت علاج ناجح، ولا النسيان - هذه الآفة البشرية اللطيفة - يمكن أن يساعد، ولن ينفع حتى الجنون، أرقى أشكال الهروب من الواقع! هناك بعض مني ذهب مع السيد حسن!
لن ينتهي الحداد غداً، لقد بدأ لتوّه. الحداد بات جزءاً من وجودك، وستحمله معك إلى القبر. ليس هناك قوة خارقة يمكنها أن تنتزع منك حسن نصرالله.
———-
(*) في أربعين سيد الشهداء، برمجة خاصة، استثنائية، وتغطية مفتوحة على #الميادين، الأربعاء 6 نوفمبر 2024