الشيء الوحيد الذي أتمناه من بين كل الأشياء؛ أن أموت ميتةً طيّبة،في مكانٍ طيّب،على حالٍ طيّب يرضي الله!أتمنى أن يسخر لي الله بعد موتي أناسًا تدعو لي بلا كللٍ ولا مَلل،وتتصدَّق عني،وتكون سيرتي حسَنة طيّبة بين الناس.
على الدول العربية والإسلامية، وكذلك إسبانيا وإيطاليا والبرازيل ودول أمريكا اللاتينية، وجميع المؤسسات الدولية الفاعلة، أن تتحمّل مسؤولياتها الأخلاقية والإنسانية فورًا، عبر إرسال مستشفيات عائمة، وسفن لتوليد الكهرباء، ومحطات لتحلية المياه، إلى جانب المنازل الجاهزة، والمولدات، والمعدات الثقيلة لإزالة الركام.
كما يجب على كل دولة أن تُرسل فرقَ إنقاذٍ متخصّصة، شبيهة بتلك التي تُوجَّه عادةً إلى مناطق الزلازل والكوارث، ضمن جسورٍ بريةٍ وبحريةٍ وجوية تضم أطباء ومهندسين وخبراء في الطوارئ، فما أصاب غزة يفوق في حجمه وألمه أيّ زلزالٍ شهدته البشرية في العصر الحديث.
أرجو مشاركة هذا المنشور والإشارة إلى المسؤولين في بلدك، فصوتك قد يُنقذ حياة، وكلمتك قد تفتح باب أمل لأهل غزة الذين أنهكتهم حرب الإبادة الإسرائيلية.
أنس ليس مجرد مراسل ينقل الخبرة والصورة، إنما كان ينقل المعنى ويتكلم بالإيمان وبعقيدته كمسلم، لم يكن يخضع للأسلوب الصحفي إنما كان يتكلم بلسان المسلم الذي يُخاطب أمّة، هذا هو الذي جعل كلماته عالقة في أذهاننا ونداءه المتواصل لا ينقطع صورته عنّا، إلى روح وريحان وربّ راضٍ غير غضبان.
هذه وصيّتي، ورسالتي الأخيرة.
إن وصلَتكم كلماتي هذه، فاعلموا أن إسرائيل قد نجحت في قتلي وإسكات صوتي.
بداية السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يعلم الله أنني بذلت كل ما أملك من جهدٍ وقوة، لأكون سندًا وصوتًا لأبناء شعبي، مذ فتحت عيني على الحياة في أزقّة وحارات مخيّم جباليا للاجئين، وكان أملي أن يمدّ الله في عمري حتى أعود مع أهلي وأحبّتي إلى بلدتنا الأصلية عسقلان المحتلة "المجدل" لكن مشيئة الله كانت أسبق، وحكمه نافذ.
عشتُ الألم بكل تفاصيله، وذُقت الوجع والفقد مرارًا، ورغم ذلك لم أتوانَ يومًا عن نقل الحقيقة كما هي، بلا تزوير أو تحريف، عسى أن يكون الله شاهدًا على من سكتوا ومن قبلوا بقتلنا، ومن حاصروا أنفاسنا ولم تُحرّك أشلاء أطفالنا ونسائنا في قلوبهم ساكنًا ولم يُوقِفوا المذبحة التي يتعرّض لها شعبنا منذ أكثر من عام ونصف.
أوصيكم بفلسطين، درةَ تاجِ المسلمين، ونبضَ قلبِ كلِّ حرٍّ في هذا العالم.
أوصيكم بأهلها، وبأطفالها المظلومين الصغار، الذين لم يُمهلهم العُمرُ ليحلموا ويعيشوا في أمانٍ وسلام،
فقد سُحِقَت أجسادهم الطاهرة بآلاف الأطنان من القنابل والصواريخ الإسرائيلية، فتمزّقت، وتبعثرت أشلاؤهم على الجدران.
أوصيكم ألّا تُسكتكم القيود، ولا تُقعِدكم الحدود، وكونوا جسورًا نحو تحرير البلاد والعباد، حتى تشرق شمسُ الكرامة والحرية على بلادنا السليبة.
أُوصيكم بأهلي خيرًا،
أوصيكم بقُرّة عيني، ابنتي الحبيبة شام، التي لم تسعفني الأيّام لأراها تكبر كما كنتُ أحلم.
وأوصيكم بابني الغالي صلاح، الذي تمنيت أن أكون له عونًا ورفيق دربٍ حتى يشتدّ عوده، فيحمل عني الهمّ، ويُكمل الرسالة.
أوصيكم بوالدتي الحبيبة، التي ببركة دعائها وصلتُ لما وصلت إليه، وكانت دعواتها حصني، ونورها طريقي.
أدعو الله أن يُربط على قلبها، ويجزيها عنّي خير الجزاء.
وأوصيكم كذلك برفيقة العمر، زوجتي الحبيبة أم صلاح بيان، التي فرّقتنا الحرب لأيامٍ وشهورٍ طويلة، لكنها بقيت على العهد، ثابتة كجذع زيتونة لا ينحني، صابرة محتسبة، حملت الأمانة في غيابي بكلّ قوّة وإيمان.
أوصيكم أن تلتفوا حولهم، وأن تكونوا لهم سندًا بعد الله عز وجل.
إن متُّ، فإنني أموت ثابتًا على المبدأ، وأُشهد الله أني راضٍ بقضائه، مؤمنٌ بلقائه، ومتيقّن أن ما عند الله خيرٌ وأبقى.
اللهم تقبّلني في الشهداء، واغفر لي ما تقدّم من ذنبي وما تأخّر، واجعل دمي نورًا يُضيء درب الحرية لشعبي وأهلي.
سامحوني إن قصّرت، وادعوا لي بالرحمة، فإني مضيتُ على العهد، ولم أُغيّر ولم أُبدّل.
لا تنسوا غزة…
ولا تنسوني من صالح دعائكم بالمغفرة والقبول.
أنس جمال الشريف
06.04.2025
هذا ما أوصى بنشره الحبيب الغالي أنس عند استشهاده.
إدارة الصفحة