من علامات النضج أنني لا ألزم أحدًا بكلمةٍ طيبة قالها، ولا بوعدٍ قطعه لي؛ فالناس تنضج، والظروف تتبدّل، والمشاعر لا تبقى على حالها.
يكفيني أن أعرف أنّ ما قيل كان صادقًا في حينه، دون أن أطالب صاحبه بأن يظل أسيرًا له إلى الأبد.
أشعُر أنَّ هذه الإِقتباس (أنـا في هذهِ المرحلة) حين قَال بلال راجح/أَنْتِ لا تدرِكين معنى أَن يركن أحدهم حزنه جانبًا ليفتِّش عن أسبابٍ تجعلك دائمًا تبتسمين
"من ذا يبلّغها بأنّي مُتعبُ؟
والشوقُ في جنباتِ قلبي يلعبُ
من ذا يُبلّغها بكُلِّ بساطةٍ
أنِّي بدون وجودها أتعذّبُ
في موطِني ما بين أحبابي هُنا
لكنني من دُونها أَتغربُ
بالرُغمِ من بُعدِ المسافةِ بيننا
فأنا إليها من يديها أقربُ
يا ليتنا عن كُلِّ عينٍ نختفي
و يضمنا دون الخلائقِ كوكبُ"
ما هَدَّ هذا الهيكلُ الراحل، ولا وهنت من ثِقْل العَناء المفاصل
بل هو شيءٌ في أقصى المدى يتآكل! روحٌ، كأنَّ الدهر ألقى بنِقْلِهِ على صدرها، فامتدَّ فيها الذُّبول
تتنفَّسُ الصَّمْت، تُصانِع عيشها، وجُرْح الهواء في العُمْق لا يزول!
عَناء البَدَن تُبرِئُهُ القيلولة، وتَسْتُرُهُ العافية، أمّا هذا الكَلال العميق فهو غُبار المسافات الطويلة.
يا لوعةَ الأعماقِ مِن حُبٍ مضى
عنّي وقد سكنَ الفؤادَ ولم يزلْ
أسَفي على قلبي الذي مِن طُهرهِ
ما زالَ رغم الوهمِ يلتحفُ الأملْ
هي قِصّةٌ بدأتْ بحُبٍ صادقٍ
لكنّهُ يا لهفَ روحي ما اكتملْ!
ما كُنتُ أحسبُ أنّ من أحببتُه
دسّ المواجِعَ لي كَسُمٍّ في العسلْ
إن كُنتُ سامحتُهم، فليسَ لأجلهم
بل لأنني لا أُحِبُّ أن ألقى اللهَ وفي نفسي ضغينةٌ على أحد. ولكنني لستُ مُضطرًا لمُصافحتهِم يومًا، لأنّ الشعور بالخذلان في داخلي، لا تمحوهُ مُسامَحة، ولا تشفيهِ مُصافحة!
ولقد عفوتُ عنِ المُسيءِ لأنّني
بالرغمِ مِن عُمقِ الأسى، لا أحقدُ
لكنّ أيـــامَ الــودادِ قد انتـهتْ
فينا، وبعــضُ الــودِّ لا يتـجـــدّدُ
إذا سامحتَ إنسانًا، فاطوِ صفحة الماضي بكل ما فيها، وامحُ مِن صحائف قلبك ما كان من زلَلِهِ وخطئه، ولا تكن ممّن يُقلّب صفحات الأمس كلما تبدّل مزاجه أو تكدّرَ خاطرُه.
فما أضيَعَ عفوًا يُعقبُهُ عتاب، وما أهونَ وعدًا بالتجاوز يتبعهُ رجوعٌ إلى مواطن الجرح وتعداد العثرات. فليس من الوفاء أن تُعلن الصفح بلسانك، ثم تُكذّبه بأفعالك، ولا من المروءة أن تُبدي النسيان وأنت أسيرٌ للماضي في كل حين!
قد يسامحُ القلب، لكنّ الذاكرة لا تنسى، فالجرح الذي يُحدثهُ الخذلان يتركُ ندبةً لا تُمحوها السنينُ والأيام.
قد تعودُ الابتسامة، وتعودُ الأحاديث، لكن شيئًا في الداخل لن يعودَ كما كان، مهما حاولنا وتظاهرنا بالنسيان، لأنّ الثقة إذا كُسِرت، ينكسرُ معها شعورٌ يصعب ترميمُه ويستحيلُ جبرُه.
حتى وإن بدا الوُدُّ ظاهرًا، يبقى في الأعماقِ حاجزٌ لا يُرى، لكنّ شعوره يسكنُ بين الكلمات التي لا تُقال!