هذه القضايا المذكورة كلها من أمور الغيب التي قامت الأدلة الشرعية القاطعة من القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة على ثبوتها، وانعقد عليها إجماع أهل السنة والجماعة، وتفصيلها كالتالي:
1. المسيح الدجال
خروج المسيح الدجال في آخر الزمان حق ثابت بنصوص متواترة عن النبي ﷺ، وهو من أشراط الساعة الكبرى.
ثبت في صحيح البخاري وصحيح مسلم التحذير من فتنته، والاستعاذة منه في كل صلاة، ومن ذلك قوله ﷺ: «إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير؛ فليقل: أعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال»، ونهايته تكون بنزول نبي الله عيسى بن مريم عليه السلام ليقتله عند باب لُدّ.
2. المهدي المنتظر
خروج المهدي في آخر الزمان ثابت بالأحاديث الصحيحة المستفيضة التي بلغت حد التواتر المعنوي.
وهو رجل صالح من آل بيت النبي ﷺ، يوافق اسمه اسم النبي ﷺ واسم أبيه اسم أبي النبي ﷺ، يخرج ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما مُلئت ظلماً وجوراً، ويصلي عيسى عليه السلام خلفه.
3. عذاب القبر ونعيمه
عذاب القبر ونعيمه في حياة البرزخ ثابت بالقرآن الكريم، والسنة المتواترة، وإجماع سلف الأمة.
من أدلة القرآن الكريم قوله تعالى في شأن آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾؛ حيث دل العرض بالغدو والعشي قبل يوم القيامة على عذاب البرزخ والقبر.
ومن السنة قوله ﷺ حين مر بقبرين: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير»، وقوله ﷺ: «لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر».
4. الملكان منكر ونكير
سؤال الملكين للميت في قبره عن ربه ودينه ونبيه من أصول الإيمان باليوم الآخر والبرزخ.
دل عليه قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾؛ فقد صح عن النبي ﷺ أنها نزلت في فتنة القبر وسؤال الميت.
ورد في الأحاديث الصحيحة تسميتهما أو وصفهما بـ "منكر ونكير"، حيث يقعدان العبد ويسألانه: مَن ربك؟ وما دينك؟ ومَن نبيك؟
5. الثعبان الأقرع (الشجاع الأقرع)
وردت تسميته في النصوص الشرعية الصحيحة بـ "الشجاع الأقرع" (وهو الحية العظيمة الشديدة السم التي تساقط شعر رأسها لفرط سمها).
ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مثل له ماله يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه -يعني بشدقيه- ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك»، ثم تلا قوله تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، وهذا العذاب ثابت بالنص لمانعي الزكاة والكانزين للأموال.
تتضمن هذه الشبهة مغالطات منهجية وتاريخية خلطت بين طبيعة الغيرة الفطرية والتشريعية، وبين الأحكام الاستثنائية المتعلقة بالرق والخدمة، ويمكن تفنيد هذا الادعاء عبر النقاط الآتية:
1. الغيرة فطرة إنسانية وخلق إيماني وليست صكاً طبقياً:
جاءت نصوص الشريعة قاطعة بأن الغيرة صفة كمال فطرية وإيمانية يحبها الله، وليست امتيازاً لطبقة معينة، قال رسول الله ﷺ: «إن الله يغار، والمؤمن يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم عليه».
ولما قال سعد بن عبادة رضي الله عنه: «لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح»، قال النبي ﷺ: «أتعجبون من غيرة سعد؟! والله لأنا أغير منه، والله أغير مني، ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن»، فالغيرة شرعت لحماية العفة وصيانة الأعراض والحدود الشرعية من الانتهاك، بغض النظر عن الأنساب والطبقات.
2. سبب الفرق بين الحرة والأمة في اللباس:
لم يكن تخفيف الستر عن الإماء بدافع نفي الغيرة أو الامتهان، وإنما مراعاة لواقع المهنة والحاجة؛ فالإماء في العرف القديم كن يعملن في الخدمة والأسواق ونقل الأحمال، فجاء التخفيف في حقهن رفعاً للمشقة ودفعاً للحرج المتكرر في العمل.
أما الإماء اللاتي يتخذهن الرجال للتسري والصيانة في البيوت، فكانت عادتهن الحجاب والستر كالحرائر، وتثبت الغيرة عليهن كاملة، قال ابن القيم: الشارع شرع للحرائر أن يسترن وجوههن عن الأجانب، وأما الإماء فلم يوجب عليهن ذلك في إماء الاستخدام والابتذال لكثرة ترددهن، أما إماء التسري فالأصل صونهن وحجبهن.
3. ضوابط النظر والفحص عند الشراء:
لم تكن أسواق النخاسة مباحة بلا ضوابط كما يزعم أصحاب الشبهة:
- تحريم العورة المغلظة إجماعاً: أجمع الفقهاء على أن ما بين السرة والركبة عورة محرمة لا يجوز كشفها ولا مسها لأحد عند البيع والشراء.
- النظر للحاجة وليس للشهوة: إنما رخص للمشتري النظر إلى ما يظهر غالباً كالأطراف والوجه والشعر لمعرفة السلامة والعيوب الطبية والخلقية، كحال نظر الطبيب للمريض، أما النظر أو المس بقصد التلذذ والشهوة فهو محرم باتفاق.
- وجوب الحجاب عند خشية الفتنة: نص الأئمة كالإمام أحمد بن حنبل على أن الأمة إذا كانت جميلة يُخاف الافتتان بها وجب عليها أن تنتقب وتستر بدنها كالحرة تماماً، وذهب ابن حزم وجماعة من المحققين إلى أن عورة الأمة كالحرة في باب النظر ولا يجوز كشفها لعموم قول الله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾.
4. بطلان دعوى الطبقية:
جاء الإسلام بتشريعات حاسمة لتحريم الزنا والفواحش على الجميع (حرائر وإماء، أحراراً وعبيداً)، وجعل كفارات الذنوب والتقرب إلى الله في عتق الرقاب حتى انتهت تلك المنظومة التاريخية، مما يثبت أن الحجاب والغيرة شُرعا طهارةً للقلوب وحفظاً للأعراض، وليسا صكاً لحماية فئة دون أخرى.
هذا الطرح ينطلق من نظرة انفعالية تُسقِط أسباب التراجع الحضاري والسياسي المعاصر على أصل الدِّين وعقيدة الأمة، وتخلط بين المفاهيم الشرعية والسنن الكونية، ويمكن بيان الخلل فيه من خلال النقاط الآتية:
1. الخلط بين أصل الدِّين وممارسات الأفراد والأنظمة:
إن عجز بعض الحركات السياسية أو فشل أنظمة الحكم في بلدان المسلمين هو نتاج ضعف في التخطيط، وشيوع الاستبداد، والفساد الإداري، والنزاعات المسلحة، وتراكمات الاستعمار والتدخلات الخارجية، وليس ناتجًا عن تطبيق تعاليم الإسلام وقيمه.
فالإسلام منهج رباني يدعو إلى إقامة العدل، وحفظ كرامة الإنسان، والأخذ بأسباب العلم والقوة، بينما تصرفات البشر واجتهاداتهم السياسية يعتريها الخطأ والقصور، ولا يصح عقلاً تحميل الدِّين تبعات عجز المنتسبين إليه.
2. سنن الله في الحضارات ومداولة الأيام:
إن قوانين النهوض والانهيار الدنيوي تحكمها سنن كونية لا تحابي أحدًا؛ فمن أخذ بأسباب العمران، والعدالة، والبحث العلمي، والإنتاج، تقدّم وتمكّن في دنياه، ومن فرّط في هذه الأسباب تراجع وتخلّف ولو كان مسلمًا.
وقد قرّر القرآن الكريم مبدأ التداول التاريخي بين الأمم والشعوب:
﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾.
فالرفاه المادي والقوة في الغرب جاءا باتباع سنن دنيوية للأخذ بأسباب التنمية والاستقرار المؤسسي، وتراجع بلدان المسلمين جاء بسبب التفريط في هذه الأسباب، مع مصداق قوله تعالى:
﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
3. خيرية الأمة تكليف ومسؤولية وليست نرجسية عرقية:
وصف القرآن للأمة بالخيرية لم يكن تفويضًا مطلقًا ولا تفضيلاً عنصريًا، بل هو مشروط بمقومات عملية ورسالة واضحة:
﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾.
قال عمر بن الخطاب في تفسير الآية: «من فعل فعلهم كان مثلهم».
وأوضح المفسرون، مثل مجاهد بن جبر، أن الخيرية مقيدة بتحقيق هذه الشروط؛ فإذا ضيَّعت الأمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والعدل، سُلبت منها مزايا التمكين والريادة.
4. حقيقة الفلاح والمقياس الحقيقي للنجاح:
إن حصر الفلاح في السعة المادية والتمكين الدنيوي المؤقت هو قصور في الرؤية؛ فالقرآن الكريم حذر من الاغترار بمظاهر الرخاء الزائل:
﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾ ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.
فالفلاح الحقيقي والشامل يجمع بين استقامة المعاش والنجاة الأبدية في المعاد:
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾.
بينما حكم القرآن على من انقطع عن ربه بعدم الفلاح في العاقبة والمآل:
﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾.
5. التحذير من جلد الذات واليأس الهدّام:
الانتقال من النقد الموضوعي للواقع إلى شتم الشعوب ووصفها بـ«المتسولين الحمقى» هو مسلك عدمي يكرس الهزيمة النفسية ويعطل سبل الإصلاح. والنقد الصحيح يدعو إلى استنهاض الهمم، ومعالجة أسباب التخلف، والأخذ بأسباب العلم والعدالة والحكم الرشيد، مع التمسك بالهوية وقيم الوحي التي صنعت لهذه الأمة حضارتها الأولى وقادت بها الإنسانية لقرون.
إن الاستدلال بآية سورة آل عمران لنفي حجية كتابة أقوال النبي ﷺ وأفعاله يقوم على خلطٍ بين **دعوة الناس إلى عبادة غير الله** وبين **تبليغ الوحي وبيان الشريعة والائتساء بالرسول ﷺ**؛ ويمكن بيان ذلك من خلال الوجوه الآتية:
1. سياق الآية ومعناها الدقيق
قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾.
نزلت هذه الآية ردًا على من زعم أن الأنبياء يدعون الناس إلى تأليههم أو اتخاذهم أربابًا ومعبودين من دون الله.
المعنى الشرعي الصريح للآية: يستحيل ويمتنع على نبي آتاه الله الوحي والنبوة أن يطلب من الناس أن يعبدوه هو ويجعلوه ندًا لله؛ لأن مهمة الرسل هي الدعوة إلى إخلاص التوحيد والعبادة لله وحده.
2. الفرق بين العبادة والطاعة في البلاغ
طاعة النبي ﷺ والاقتداء بأقواله وأفعاله ليست عبادةً لشخصه، بل هي امتثال لأمر الله تعالى الذي جعل طاعة رسوله عين طاعته سبحانه، فقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾.
القرآن الكريم أمر صراحة باتباع ما جاء به الرسول ﷺ، فقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾.
تدوين أقوال الرسول ﷺ وسيرته وأفعاله التشريعية يمثل حفظًا لبيان القرآن وتطبيقه العملي (كالصلاة، والزكاة، ومناسك الحج، والمعاملات)، ولا يمت بصلة لدعوى تأليه البشر.
3. ثبوت الأمر والإذن بكتابة الحديث في العهد النبوي
ثبت بالأدلة الصحيحة أن النبي ﷺ أذن لصحابته في تقييد حديثه وسنته وأمر بكتابتها:
لما تحرّج الصحابي عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما من كتابة كل ما يسمعه، قال له النبي ﷺ مشيرًا إلى فمه: «اكْتُبْ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا خَرَجَ مِنِّي إِلَّا حَقٌّ».
أمره ﷺ بكتابة خطبته عام الفتح لصحابي طلب ذلك، فقال ﷺ: «اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ».
كتب النبي ﷺ إلى أمرائه وعماله كتبًا تبين مقادير الزكاة والفرائض والديات، وكتب إلى الملوك يدعوهم فيها إلى التوحيد.
4. حقيقة المنهج الرباني
ختمت الآية الكريمة بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾؛ والرباني هو العالم الفقيه العامل الذي يربي الناس على العلم بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ المبينة له، فلا تتحقق هذه الصفة إلا بدراسة الوحي وتطبيقه وفق ما بلّغه رسول الله ﷺ عملًا وقولًا.
القصة المذكورة تتضمن تفاصيل تاريخية تحتاج إلى تحرير وتوضيح وفق ما ثبت في كتب التراجم والتاريخ والحديث:
أولاً: سبب تصنيف كتاب خصائص علي وموقف أهل الشام
خرج الإمام النسائي من مصر إلى دمشق في أواخر عمره سنة ٣٠٢ هـ، فلما رأى انحراف بعض أهل الشام عن علي بن أبي طالب صنف كتاب خصائص علي رجاء هدايتهم؛ قال تلميذه محمد بن موسى المأموني: سألته عن تصنيفه كتاب الخصائص، فقال: «دخلت دمشق والمنحرف بها عن علي كثير، فصنفت كتاب الخصائص رجاء أن يهديهم الله»، ثم إنه صنف بعد ذلك كتاب فضائل الصحابة.
ثانياً: ما جاء في الروايات بشأن فضائل معاوية
تعددت ألفاظ الروايات المنقولة عن جوابه حين سئل عن فضائل معاوية بن أبي سفيان:
الرواية المشهورة أنه قال: «ألا يرضى رأساً برأس حتى يُفضّل؟»، وفي لفظ: «أما يكفي معاوية أن يذهب رأساً برأس حتى يروى له فضائل؟»، والمقصود بالمفاضلة هنا السلامة والنجاة في الفتن، أو التوقف عند ما يصح إسناده وعدم تقديم أحد على الخلفاء الراشدين.
وفي رواية أخرى أنه قال: «أي شيء أخرج؟ اللهم لا تشبع بطنه» ثم سكت. وهذا مبني على تشدده البالغ في نقد الأسانيد؛ إذ كان يرى أن الأحاديث المرفوعة في المناقب الخاصة لمعاوية لم تصح على شرطه المشدد في الرواية.
ثالثاً: حقيقة حديث «لا أشبع الله بطنه»
الحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه، وأول الحديث أن النبي ﷺ دعا معاوية ليكتب له الوحي، ففيه إثبات منقبة كتابته للوحي.
وقوله: «لا أشبع الله بطنه» هو مما جرى على لسان العرب بغير قصد الذم، أو محمول على دعاء النبي ﷺ الثابت: «اللهم إنما أنا بشر، فأي المسلمين لعنته أو سببته فاجعله له زكاة وأجراً»، ولذلك عده العلماء والمحدثون من مناقب معاوية وخيره له.
رابعاً: موقف الإمام النسائي الحقيقي من معاوية والصحابة
صح عن الإمام النسائي تعظيمه لمقام الصحابة جميعاً بما فيهم معاوية؛ حيث روى عنه أصحابه قوله: «إنما الإسلام كدار لها باب، فباب الإسلام الصحابة؛ فمن آذى الصحابة فإنما أراد الإسلام كمن نقر الباب إنما يريد الدخول، فمن أراد معاوية فإنما أراد الصحابة».
خامساً: ما جرى له ووفاته
لما وقعت تلك المحنة بدمشق وثار عليه بعض العامة بالمسجد، دُفع وأُخرج، ثم انتقل؛ واختلف المؤرخون في مكان وفاته:
فرواية تفيد أنه حُمل إلى الرملة في فلسطين فتوفي بها في صفر سنة ٣٠٣ هـ، وهو الأرجح عند جماعة من المؤرخين.
ورواية تفيد أنه طلب الحمل إلى مكة المكرمة، فتوفي ودُفن بها بين الصفا والمروة في شعبان سنة ٣٠٣ هـ.
وقد ذكر أهل العلم أنه امتحن بتلك الواقعة ونال أجر الشهادة.
إن ادعاء أن الأديان عمومًا، والإسلام خصوصًا، هي سبب التخلف والحروب، يخالف الحقائق التاريخية والواقعية من عدة أوجه:
**أولًا: الإسلام وبناء الحضارة والنهضة العلمية**
قامت الحضارة الإسلامية على نصوص الوحيين (القرآن والسنة) التي تحث صراحة على العلم، وإعمال العقل، والبحث التجريبي، والتفكر في الكون؛ قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
حوّل الإسلام مجتمعات متفرقة تعيش في البداوة والجهل إلى مشاعل علمية قادت العالم لقرون طويلة في شتى المعارف؛ كالطب، والهندسة، والرياضيات، والفلك، والكيمياء.
أرسى علماء المسلمين مناهج البحث القائمة على الملاحظة والتجربة، وأنشؤوا المؤسسات التعليمية والمستشفيات والمراصد، وكانت هذه النهضة هي الأساس الذي بنى عليه الغرب نهضته الحديثة.
تراجع المجتمعات وتأخرها في فترات لاحقة لا يعود إلى الدين نفسه، وإنما إلى البعد عن العمل به وبقيمه، وإهمال الأخذ بأسباب العلم والقوة المأمور بها شرعًا.
**ثانيًا: الدوافع الحقيقية للحروب والنزاعات**
تؤكد الدراسات والتحليلات التاريخية أن المحرك الأكبر للنزاعات والحروب عبر العصور يتمثل في المطامع السياسية، والصراع على النفوذ والثروات، والمصالح الجيوسياسية والاقتصادية لأصحاب السلطة والقرار.
كثيرًا ما يُستغل الخطاب الديني أو المذهبي كغطاء وتبرير تعبوي لخدمة مشاريع سياسية وتوسعية لا صلة لتعاليم الدين بها؛ فسوء استغلال الشعارات ليس حجة على جوهر الدين.
أشرس الحروب وأكثرها دموية في التاريخ البشري، كالحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية والحروب الاستعمارية الحديثة، نشبت بدوافع قومية، وأيديولوجية علمانية، واقتصادية بحتة، ولا علاقة للأديان بإشعالها.
**ثالثًا: نظرة الإسلام للسلم والعدل**
الأصل في الشريعة الإسلامية هو السلم وحقن الدماء وحرمة الأنفس، ورفض البغي والعدوان؛ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.
جاء تشريع القتال في الإسلام استثناءً لدفع العدوان، وحماية المستضعفين، وإرساء العدل ومنع الظلم.
فدك كانت مالاً عاماً (فيئاً) جعله النبي صدقة لمصالح المسلمين ونفقة أهله، وأمضى ذلك أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ثم اقتطعها بعض خلفاء بني أمية لخاصة أنفسهم، فجاء عمر بن عبد العزيز وأبطل هذا الإقطاع وأعادها إلى أصلها النبوي والراشدي، فكان عمله موافقاً ومؤيداً لقضاء أبي بكر الصديق وسائر الخلفاء الراشدين
إن تقرير نفي العصمة عن كل أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووجوب اتباع الدليل الشرعي وتقديمه على أقوال سائر البشر، هو أصل متفق عليه بين أئمة الإسلام وعلماء السنة.
أولا: تقرير أصل عدم العصمة وتحكيم الدليل
أجمع سلف الأمة على أنه لا عصمة لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل ما يأمر به وينهى عنه، بل كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال الإمام مالك: «كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر».
الميزان الشرعي هو الوحي المعصوم؛ فما وافقهما قبل، وما خالفهما رد على قائله كائنا من كان، والرجال يعرفون بالحق ولا يعرف الحق بالرجال.
ثانيا: موقف الشيخ محمد بن عبد الوهاب من قوله وقول غيره
صرح الشيخ محمد بن عبد الوهاب مرارا بنفي العصمة عن نفسه وعن غيره، وبين أن الواجب هو الانقياد للدليل الصريح وترك ما خالفه؛ حيث قال:
«لست ولله الحمد أدعو إلى مذهب صوفي، أو فقيه، أو متكلم، أو إمام من الأئمة الذين أعظمهم مثل ابن القيم والذهبي وابن كثير وغيرهم، بل أدعو إلى الله وحده لا شريك له، وأدعو إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم... وأشهد الله وملائكته وجميع خلقه: إن أتانا منكم كلمة من الحق لأقبلنها على الرأس والعين، ولأضربن الجدار بكل ما خالفها من أقوال أئمتي، وحاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لا يقول إلا الحق».
وقال أيضا في موضع آخر مبينا وجوب رد ما أخطأ فيه أو قاله بغير حجة:
«فإن كنت قلته من عندي فارم به، أو من كتاب لقيته ليس عليه عمل فارم به كذلك، أو نقلته عن أهل مذهبي فارم به، وإن كنت قلته عن أمر الله ورسوله وعما أجمع عليه العلماء في كل مذهب؛ فلا ينبغي لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرض عنه».
وقد خالف الشيخ في بعض المسائل الفقهية والاجتهادية أئمة كبارا كابن تيمية وابن القيم اتباعا لما ترجح لديه، مما يؤكد عمليا عدم اعتقاده عصمة أحد من البشر ولا التزامه بالتقليد المحض.
ثالثا: الفرق بين وصف المنهج وادعاء العصمة
حين يقال عن عالم إنه «لا يدعو إلا لما قال الله ورسوله»، فالمراد به توصيف منهجه وغايته في الاستدلال، أي أنه بنى مصنفاته ومسائله على إيراد الآيات والأحاديث الصحيحة وآثار السلف دون ابتداع مذهب مستحدث.
هذا الوصف المنهجي لا يلزم منه ثبوت العصمة للشخص في فهمه أو اجتهاده؛ إذ يظل العالم بشرا يصيب ويخطئ، ويعلم ويجهل، ويقبل منه ما أصاب فيه بالدليل، ويرد عليه ما أخطأ فيه.
رابعا: الخلاصة المنهجية
العبادة والطاعة المطلقة لله تعالى وحده، والاتباع المعصوم إنما هو لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
لا يجوز تقديس الأشخاص ولا التعصب لأقوالهم؛ وإذا ثبتت مخالفة أي عالم لدليل صحيح صريح وجب ترك قوله والتمسك بالدليل، مع حفظ مكانة أهل العلم واجتهادهم بالمعروف.
إن النظر إلى الكوارث الطبيعية والمصائب بمكيالين، بحيث يُسخر من غير المسلم ويُشمت بمصابه عند حلول الكوارث به، بينما يُبرر وقوعها عند المسلم بأنها رفعة وابتلاء، هو مسلك يعارض الهدي الشرعي الصحيح؛ ويمكن بيان الموقف الشرعي المتكامل في النقاط الآتية:
١. تحريم الشماتة بمصائب الآخرين
نهى الإسلام عن إظهار الشماتة بالناس عند نزول البلاء والمصائب بهم، وبيّن النبي ﷺ خطورة هذا المسلك؛ فعن واثلة بن الأسقع أن النبي ﷺ قال: « لَا تُظْهِرِ الشَّمَاتَةَ لِأَخِيكَ فَيَرْحَمَهُ اللهُ وَيَبْتَلِيكَ ». كما كان النبي ﷺ يتعوذ في دعائه من شماتة الأعداء. فالفرح بمصائب الخلق والتعالي عليهم لا يليق بالمسلم، بل الواجب عند رؤية المبتلى استشعار نعمة العافية وسؤال الله السلامة للجميع.
٢. عموم السنن الكونية وجريانها على البشر كافة
الكوارث الطبيعية كالزلازل، والفيضانات، والأعاصير، تجري وفق نواميس وسنن كونية قدرها الله، وتصيب الصالح والطالح، والمؤمن وغير المؤمن على حد سواء دون تمييز مادي؛ قال الله تعالى: ﴿ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ﴾. ووجود المصائب في الأرض ليس علامة خاصة بفئة دون أخرى، بل هو طبيعة الحياة الدنيا القائمة على الابتلاء ونقص الأنفس والأموال.
٣. حكمة وقوع المصائب في ميزان الشرع
تتعدد الحكم الإلهية في نزول الآيات والمصائب بحسب أحوال الناس:
• تخويف وتذكير للجميع: قال الله تعالى: ﴿ وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا ﴾؛ فالآيات الكونية تجعل النفوس تراجع مواقفها وترجع إلى خالقها.
• ابتلاء وتمحيص ورفعة درجات: تصيب المصائب الأنبياء والصالحين لرفع درجاتهم وتكفير سيئاتهم؛ ففي الحديث: « أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل ».
• شهادة لمن يموت تحت الهدم: بين النبي ﷺ أن من مات بسبب انهيار البنيان في الكوارث فهو شهيد في ثواب الآخرة.
• عقوبة وإنذار لمن طغى: قد تكون الآيات نكالاً وعقوبة للمعاندين والظالمين.
٤. عدم الجزم بمراد الله في أعيان الأشخاص
لا يملك إنسان أن يجزم بحكم الله القاطع على شخص معين أو شعب محدد بأن هذه الواقعة عقوبة محضة أو كرامة خالصة؛ لأن علم الغيب وتوزيع المقادير مردهما إلى الله وحده. ولذلك فإن ادعاء العلم بأن مصيبة الآخرين نكال وسخرية، بينما مصائب الذات ابتلاء وتطهير فقط، هو نوع من تزكية النفس والتقول على الله بغير علم.
٥. الموقف الإنساني والإيماني المطلوب
الموقف السليم عند حدوث الكوارث يتمثل في:
• محاسبة النفس والتوبة والاستغفار عند رؤية الآيات في أي مكان.
• التضامن، وإغاثة المنكوبين، وتقديم العون والمواساة للمتضررين دون تشفٍّ أو كبر.
• الرضا بالقضاء والقدر والصبر والاحتساب عند نزول المصائب بالنفس أو الأهل: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾.
كلام الشيخ ابن عثيمين في هذا الموضع لا يُعد طعنًا في الصحابي الجليل عمرو بن العاص رضي الله عنه، وإنما هو تطبيقٌ دقيق للقواعد الأصولية المتفق عليها بين أهل العلم، وبيان ذلك في النقاط الآتية:
1. تحرير قاعدة «حجية قول الصحابي»
• اشتراط عدم مخالفة النص وسنة النبي ﷺ: اتفق الأصوليون والفقهاء على أن قول الصحابي أو اجتهاده إنما يُحتج به بشروط، في مقدمتها: ألا يُخالف نصًا صريحًا أو هديًا نبويًا ثابتًا؛ لأن العصمة إنما تثبت لرسول الله ﷺ وحده، وقد أثر عن الصحابة أنفسهم كابن عباس قوله المشهور: «يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول: قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟!».
• الاجتهاد الفردي للصحابي: إذا كان عمل الصحابي أو قوله ناتجًا عن اجتهاد فردي ولم يثبت له حكم الرفع، أو عارضه ما هو أثبت في هدي النبي ﷺ وسنته العملية المستقرة، فإن الواجب تقديم هدي النبي ﷺ وسنته.
2. التطبيق الفقهي في مسألة الجلوس عند القبر
• هدي النبي ﷺ الثابت: ثبت في السنة أن النبي ﷺ كان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه، وقال: «استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت؛ فإنه الآن يُسأل»، فيدعو الواقف قليلًا ثم ينصرف، ولم يكن النبي ﷺ يجلس عند القبر مدة طويلة قدر نحر جزور وتوزيع لحمها (وهو ما يستغرق وقتًا طويلًا).
• توصيف صنيع عمرو بن العاص رضي الله عنه: ما جاء في وصية عمرو بن العاص رضي الله عنه عند موته في صحيح مسلم من طلبه الجلوس قدر نحر جزور إنما كان طلباً خاصاً ورغبة منه في الاستئناس بأصحابه لحظة السؤال، فعدّه العلماء اجتهاداً شخصياً منه رضي الله عنه لم يُنقل عن النبي ﷺ ولا عن عموم الصحابة.
3. حفظ مكانة الصحابة مع تقديم النص المعصوم
• الشيخ ابن عثيمين وغيره من المحققين حين لا يوافقون على هذا الاجتهاد يلتزمون بالأدب التام مع الصحابي؛ حيث صدّر كلامه بالترضي عنه «اجتهاد منه رضي الله عنه».
• عدم متابعة الصحابي في اجتهاد خالف فيه الهدي النبوي المستقر ليس طعنًا فيه، بل هو تقديم للأكمل والأصل المعصوم وهو هدي النبي ﷺ، وهو عين ما يقتضيه تعظيم نصوص الشريعة.
يمكن تفنيد وتفكيك هذه الشبهات والمآخذ التي أوردها الكاتب عبر محاور منهجية ونقدية محكمة:
أولاً: إسقاط كبار أئمة الإسلام والحديث بالتعسف والافتراء
1. الطعن في الإمام يونس بن عبد الأعلى:
مكانته وإمامته: يونس بن عبد الأعلى الصدفي هو أحد أعلام الإسلام وكبار أصحاب الإمام الشافعي المقربين منه، وقد احتج به الإمام مسلم بن الحجاج في صحيحه، والإمام النسائي، والإمام ابن ماجه، وروى عنه جهابذة الحديث مثل الإمام ابن خزيمة والإمام ابن جرير الطبري والإمام أبي زرعة الرازي وأبي حاتم الرازي.
توثيقه: قال عنه النسائي: «ثقة»، وقال الإمام يحيى بن حسان التنيسي: «يونسكم هذا ركن من أركان الإسلام»، وقال الشافعي نفسه فيه: «ما يدخل من هذا الباب أحد أعقل من يونس بن عبد الأعلى».
رد تهمة التدليس والتفرد: إن إعلال رواية راوٍ ثقة في حديث مفرد كحديث (لا مهدي إلا عيسى) هو من مسالك نقد الأحاديث الجزئية عند المحدثين، ولا يسقط ثقة الراوي ولا عدالته باتفاق أئمة الجرح والتعديل؛ قال تاج الدين السبكي: «لم يتكلم أحد في يونس ولا نقموا عليه إلا تفرده عن الشافعي بالحديث... ولكن ذلك غير قادح، فالرجل ثقة ثبت». فرَمْيُه بالكذب والتدليس الساقط تهويلٌ باطل يخالف إجماع الحفاظ على عدالته وإمامته.
2. الطعن في الحافظ ابن أبي حاتم الرازي:
جلالة قدره وأمانته: عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي هو إمام أهل الأثر وصاحب كتاب «الجرح والتعديل» وكتاب «التفسير»، وهو مجمع على دينه وورعه وضبطه وإمامته بين جميع المذاهب.
شبهة الزيادة في مسألة الحلف بأسماء الله:
اتهامه بالدس والزيادة من كيسه تجنٍّ قبيح؛ فرواية ابن أبي حاتم في كتابه «آداب الشافعي ومناقبه» نقلها بسماعه المباشر من الإمام الربيع بن سليمان المرادي في أول لقاء له معه بالجامع.
تعليل وجوب الكفارة في الحلف بأسماء الله بكون أسمائه غير مخلوقة هو المعنى الفقهي والعقدي المطرد عند الشافعي وسائر أئمة السنة؛ لأن اليمين لا تنعقد شرعاً إلا بالله تعالى وبأسمائه وصفاته غير المخلوقة، بخلاف المخلوقات كالكعبة التي لا تنعقد بها اليمين. وقد أورد الحافظ أبو بكر البيهقي هذا المعنى في كتبه مستشهداً به في تقرير عقيدة الشافعي في صفات الله تعالى.
إن اختلاف سياق النص بين كتاب فقهي مجرد كـ«الأم» وبين سياق مناظرة أو استدلال عقدي كما نقله الربيع مشافهة لا يعد دساً ولا كذباً، بل هو من تنوع مجالس الإمام الشافعي وفتاواه.
ثانياً: بطلان رد أصل عقيدة الشافعي بمجرد علل في بعض الطرق المتأخرة:
وجود أسانيد وطرق متعددة: إن كان في بعض الطرق المتأخرة مقال لراوٍ كابن كادش أو غيره، فإن نصوص الإمام الشافعي في أبواب الاعتقاد لم تنحصر في هذه الرسالة المفردة، بل رويت من طرق متعددة وأئمة ثقات:
رويت رسالة الشافعي في إثبات الأسماء والصفات من طريق الإمام الحافظ أبي يعلى الخليل بن عبد الله بن أحمد الخليلي، عن أبي القاسم بن علقمة الأبهري، عن عبد الرحمن بن أبي حاتم، عن يونس بن عبد الأعلى، عن الشافعي.
نص الإمام الشافعي في هذه العقيدة قائم على إثبات ما جاء به الكتاب والسنة من الأسماء والصفات ونفي التشبيه عنها؛ مصداقاً لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
ثالثاً: العقيدة الثابتة المتواترة عن الإمام الشافعي:
إن المنهج الاعتقادي للإمام الشافعي ثابت قطعي في كتبه الأصيلة وروايات كبار تلامذته المحققين:
إثبات صفات الله تعالى كما وصف بها نفسه: قرر الإمام الشافعي في أول خطبة كتابه «الرسالة»: «الحمد لله الذي هو كما وصف به نفسه، وفوق ما يصفه به خلقه»، فجعل صفات الله تعالى متلقاة بالوحي والسمع مع تنزيهه سبحانه عن مماثلة المخلوقين.
القرآن كلام الله غير مخلوق: ثبت عن الشافعي من وجوه صحيحة متعددة عند مناظرته حفص الفرد وغيره قوله بأن القرآن كلام الله غير مخلوق.
مسمى الإيمان: نص الشافعي على أن: «الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص»، وناظر أهل الإرجاء وخصوم السنة على ذلك، واستدل بقول الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾.
الموقف الحاسم من علم الكلام وأهله: تواتر عن الإمام الشافعي ذم الكلام المبتدع؛ حيث قال: «لأن يبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه سوى الشرك خير له من الكلام»، وقال: «حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويحملوا على الإبل، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، وينادى عليهم: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام».
ما دونه كبار أصحابه: كُتُب أصحابه الأقدمين كـ«شرح السنة» للإمام إسماعيل بن يحيى المزني وغيره، تبيّن بوضوح اتفاق أصحاب الشافعي على مذهب أهل الحديث والأثر في أصول الاعتقاد .
تُبيّن الحقائق التاريخية والنصوص الفقهية خلاف هذه الدعوى؛ إذ لم يكن النهج الإسلامي قائمًا على محو التراث وتدمير المعالم، بل اشتمل التاريخ والتشريع على حماية دور العبادة القديمة وترك الآثار التاريخية.
نصت العهود الإسلامية الأولى بوضوح على صيانة الكنائس والمقدسات المسيحية وعدم التعرض لها، ومن أبرزها العهدة العمرية التي منحها الخليفة عمر بن الخطاب لأهل القدس عند فتح إيلياء؛ حيث جاء فيها إعطاؤهم أمانًا لأنفسهم ولكنائسهم وصلبانهم، بأنه لا تُسكن كنائسهم، ولا تُهدم، ولا يُنتقص منها ولا من حيّزها، ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرهون على دينهم، ولا يُضار أحد منهم. وامتنع عمر بن الخطاب عن الصلاة داخل كنيسة القيامة حين حضرته الصلاة، وخرج ليصلي منفردًا عند بابها خشية أن يتخذها المسلمون من بعده موضعًا للمسجد. وكذلك كان الأمر في مصر؛ حيث منح عمرو بن العاص الأقباط الأمان، وأعاد بطريركهم بنيامين من منفاه إلى كرسيه في الإسكندرية.
قرر الفقهاء أن ما كان لأهل الذمة من كنائس ومعابد قديمة قبل الفتح أو مما صولحوا عليه لا يجوز هدمه ولا التعرض له ما داموا موفين بعهدهم، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله ألا يهدموا بيعة ولا كنيسة ولا بيت نار قائمًا. ومما استدل به العلماء في منع التعرض لدور العبادة قوله تعالى في سورة الحج: ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا؛ حيث ذكر المفسرون أن الآية تضمنت حماية هذه المعابد من الهدم والعدوان.
تُعدّ الشواهد المادية في الشرق الأوسط دليلًا على عدم وجود سياسة لمحو التراث الحضاري؛ فالآثار القديمة الشاخصة في مصر، مثل الأهرامات ومعالم الفراعنة، دخل عليها الفاتحون من الصحابة والتابعين وظلت قائمة على حالها طوال العصور الإسلامية دون أن يُعمد إلى استئصالها أو تدميرها، كما بقيت آلاف الكنائس والأديرة الأثرية في بلاد الشام ومصر والعراق تؤدي دورها حتى يومنا هذا، وهو ما ينقض دعوى السعي لمحو الآثار غير الإسلامية.
إن مسألة حكم تارك الصلاة والتعامل مع العقوبات في التشريع الإسلامي تخضع لضوابط فقهية وقضائية دقيقة، وتتلخص في النقاط الآتية:
1. التفصيل الفقهي في حكم تارك الصلاة
يفرّق الفقهاء بين حالتين لتارك الصلاة:
* **الترك جحوداً وإنكاراً لفرضيتها:** أجمع العلماء على كفر من أنكر وجوب الصلاة الصريح كونه جحد معلوماً من الدين بالضرورة.
* **الترك تكاسلاً وتهاوناً مع الإقرار بوجوبها:** وهي الحالة الشائعة، وقد وقع فيها خلاف فقهي معتبر:
* **مذهب الحنفية:** تارك الصلاة تكاسلاً فاسق وعاصٍ، ولا يجوز قتله مطلقاً، بل يُعزّر ويُحبس حتى يرجع إلى الصلاة.
* **مذهب المالكية والشافعية:** يُعد مسلماً عاصياً مرتكباً لكبيرة وليس كافراً، وتُعامل جثته بعد موته معاملة المسلمين فيُغسّل ويُكفّن ويُصلّى عليه، والقتل عندهما عقوبة حدّية يقررها القضاء بعد استتابته وإصراره التام على الامتناع.
* **مذهب الحنابلة:** المشهور عندهم أنه يُستتاب، فإن أبى وأصرّ قُتل رِدّة، وهناك رواية أخرى في المذهب توافق قول الجمهور بعدم كفره.
2. حرمة الدماء وعظم شأن النفس
لم يتساهل الإسلام في أمر الدماء، بل شدّد في تحريم القتل والاعتداء على الأنفس؛ قال الله تعالى: «مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا».
وجاء عن النبي ﷺ بيان عِظم حق المسلم وحرمة دمه: «لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم»، وقال في خطبة حجة الوداع: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام؛ كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا».
3. اختصاص القضاء والدولة بتنفيذ العقوبات
اتفق الفقهاء على أن تنفيذ العقوبات والحدود الشرعية ليس متروكاً لآحاد الناس ولا للجماعات، وإنما هو من اختصاص القضاء الشرعي وسلطة الدولة (ولي الأمر) حصراً.
ولا يجوز لأي شخص أن يُنصّب نفسه قاضياً أو منفذاً للأحكام، ويُعتبر استيفاء العقوبة بغير إذن القضاء افتئاتاً وتعدياً محرماً يُعاقب فاعله؛ منعاً لانتشار الفوضى وسفك الدماء بغير حق.