بندر بن سرور… ظاهرةٌ شعرية ومبدأ
بندر بن سرور ليس شاعرًا يُقرأ شعره من جهة جزالته وحسب؛ بل هو ظاهرةٌ شعرية تكوّنت حولها شخصيةٌ واضحة المعالم، لها مواقفها ومبادئها ونظرتها إلى الرجل والحياة.
ومن أكثر ما يلفت في شعره إصراره على تكرار عبارة: «ماني وأنا بندر…». وهذه العبارة ليست لازمةً شعرية فحسب، بل تكاد تكون تعريفًا مختصرًا لشخصيته؛ ففي كل مرة ينفي عن نفسه صفةً يراها لا تليق به، وكأنه يضع لنفسه ميثاقًا لا يحيد عنه.
يقول:
ماني وأنا بندر بهيتٍ ولد هيت
هيتٍ يجامل خمّةٍ يكرهونه
ويقول:
ماني وأنا بندر ببَيّاع دمّه
يقطعك يا بَيّاع دَمّه وشاريه
ويبلغ به الاعتداد بمبدئه أن يقول:
ماني وأنا بندر بتبّاع ما لان
أتبع شدايد ما أقسى من مسيرة
إنه لا يصف الشجاعة فقط، بل يختار لنفسه طريقها؛ ولا يذم المداهنة فحسب، بل يعلن براءته منها. وهكذا تتكرر في شعره معانٍ من عزة النفس، والوفاء، ورفض النفاق، والإباء، حتى تبدو وكأنها أجزاء من شخصية واحدة.
والأجمل أن منظومته الأخلاقية لم تقف عند الفروسية وعزة النفس، بل امتدت إلى علاقته بالدين، فيقول:
يابنت كِبّي واحدٍ ما يصلّي
تارك عمود الدين مالك وماله
ويقول:
يوم أسجد الغَفَلات خوفٍ من النار
اللي عيال البوم فيها يطيحون
وهنا تكمن خصوصية بندر: أنه لم يكن يكتب عن الرجل الذي يتمنى أن يكونه، بل كان يكرر في شعره صورة الرجل الذي يرى أن عليه أن يكونه.
ولهذا بقي شعره؛ فالشعر قد يعيش بجمال لفظه، وقد يعيش بغرابة معناه، أما شعر بندر فعاش أيضًا لأنه حمل شخصيةً كاملة: رجلًا له ما يرضاه، وما يرفضه، وما يخشاه، وما يعتز به.
ولعل عبارة «ماني وأنا بندر» تختصر هذه الظاهرة كلها؛ فهي ليست نفيًا لصفاتٍ بعينها، بقدر ما هي إعلانٌ متكرر عن هوية شاعرٍ أراد أن يبقى وفيًّا لمبدئه.
بندر بن سرور لم يجعل الشعر لسانًا لمواقفه فحسب؛ بل جعل مواقفه روحًا لشعره، فكان شاعرًا وموقفًا وشخصيةً لا تزال حاضرةً بعد رحيله.
✍🏻
@Ze0_1280 لفظ «الحيوان» عند المتقدمين أوسعُ مما ألفناه اليوم�� فهو عندهم اسمٌ لكل ذي حياة، فيدخل فيه الإنسان وسائر الأحياء، فلا يُحمل اللفظ هنا على معنى البهائم خاص.
ذكر ابن فضل الله العُمري في كتابه مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، ��نَّ محمدَ بن القاسم بن عاصم قال هذه الأبيات حين كثرت الزلازل بمصر في عهد الحاكم بأمر الله الفاطمي، ومنها:
ما زُلزِلت مِصرُ مِن سُوءٍ يُرادُ بها
لكنَّها رَقَصَت مِن عَدلِهِ فَرَحًا
#زلزال
يقول صديقي أبو عمر: «أمسك القلم، فإذا جرى فلا تمسكه.» فالقريحة لها ساعةُ إقبالٍ وساعةُ إدبار. يا حيَّ ساعةَ إقبالها! أمَّا إذا أدبرت، ثم حاولتَ استنطاقها، فلا أجد أصدق من قول شليويح:
يحير فيها طب كلّ مداوي
المراثي لا تُخلِّد الراحل فحسب، بل تكشف أيضًا مقدار الوفاء في قلب الراثي. وقد قال الأمير بدر عبدالمحسن يومًا مخاطبًا أخاه سعود:
ولابدها يا سعود بتغيب شمسي
ذي سنة رب الخلايق فرضها.
ثم دارت الأيام، وغابت تلك الشمس، فجاءت مرثيتكم، يا أبا محمد، تجسيدًا صادقًا للمحبة والوفاء. وكان لتكرار ذكر وادي حنيفة دلالة بالغة؛ فهو في القصيدة ليس مجرد موضع، بل رمزٌ ارتبط بالبدر، وتغنّى به شعرًا، كما ارتبط في وجدان أهله بالمجد والكرم والأصالة. حتى بدا الوادي في مرثيتكم شريكًا في الفقد، يستشعر غياب صاحبه كما يستشعره الناس، وهذا من أبدع ما يبلغه شعر الرثاء حين يُ��في على المكان روحًا، ويجعله شاهدًا على سيرة رجلٍ لا يغيب ذكره .
كيف نجوتُ من الصفِّ الأوَّل؟
في الصفِّ الأول الابتدائي، كان مُعلِّمُنا فلسطينيًّا يُدعى رجب. وما زلتُ أذكر أوائل معاركي مع الحروف؛ فقد كانت مهمتنا يومًا أن نكتب الألف والهمزة، وكانت البلادة يومئذٍ ظاهرةً في يدي، فلا أكاد أُحسن رسم الهمزة فوق الألف.
وقبل أن أطلب العون من أحد، نظرتُ في دفتر زميلي الذي عن يميني، أفتِّش عن عزاءٍ يخفف مصيبتي، فإذا بخطِّه أشدَّ سوءًا من خطي. ولمَّا رأى حيرتي قال: «تبي أساعدك؟» فتبسَّمتُ، ولسانُ الحال يقول - كما يقول العامة -: «عميا تمشِّط مجنونه.»
ولما خرج المعلِّم من الفصل، التفتُّ إلى زميلٍ آخر أستعين به، وقلت له: «ارسمها لي.» فأخذ القلم، ورسم جزءًا من الهمزة، ثم ترك بقيتها، وكأنما أراد أن يُورِّطني أكثر مما أراد أن يُعينني!
عاد المعلِّم، وتأمَّل الدفتر لحظة، ثم رفع بصره إليَّ، ولم يحتج إلى تحقيقٍ ولا استجواب؛ إذ كانت المسطرة الخشبية أسرع من كل وسائل الإثبات، فنالت يدي منها نصيبًا لا يزال أثره عالقًا بالذاكرة، وإن غاب عن الجلد.
وقبل أن أصل إلى البيت، كنتُ أحاول جاهدًا أن أُخفي الدفتر؛ لئلا تقع عينا أمي عليه، فقد اجتمع عليَّ سوءُ المستوى وسوءُ الصنيع، أو كما يقول أهل نجد: «بَخْرا ومَصَنَّة.» ولع��ِّي أفرد لهذا المثل حديثًا مستقلًّا في مقطع فيديو، إن شاء الله.
أما في البيت، فكانت أمي - حفظها الله - وهي امرأةٌ أميَّة، تُجاهد بكل ما تستطيع أن تُعلِّمني الكتابة. ولم تكن تعرف من أساليب التربية كثيرًا من اللين؛ فهي من صميم أهل نجد، تربيةً وطباعًا. وكانت إذا رأت خطي قالت، في عبارةٍ لا تزال ترنُّ في أذني:
«خطك جَرَّة غنم يا أمَّك!»
وكانت تلك الجملة، على قسوتها، حكمًا باتًّا بأن خطي لا يُرجى له صلاح.
والأعجب من ذلك كلِّه أن زميلي، الذي قدَّم لي نصف المساعدة وترك نصفها الآخر، رسب في ذلك العام، بينما نجحتُ أنا، وكان ترتيبي في الفصل الثاني والأربعين، ولا أكاد ��ظن أن أحدًا كان خلفي في الترتيب.
ومع ذلك، استقبلتُ تلك الشهادة استقبال الفاتحين؛ حتى إنني بَروزتُها في مكتبتي، لا لقيمتها العلمية، بل لأنها شاهدٌ على أول عثرةٍ من عثر��ت الحياة تجاوزتُها.