وداعا أبن العم الغالي العالي
وداعا شيخنا النقي التقي.
سنحدث الذي لم يولدوا
عنك.. وعن كل الذين رحلوا.
يسقط نجم في سماء التومان
ويلمع في سماءنا ألف نجم
لأن التومان مناجم
للمروءات والمكارم.
وداعا ولد مشل
وداعا أخو شاهه
تغيب بوجودك
وتبقى بجودك
من البارحة وعيوني
أكثر فصاحة من لساني
هدنة مؤقتة مع العالم!
الوعيُ الكاملُ لعنةٌ لا ينجو منها صاحبها. لذلك يتعلّم المرء بين حينٍ وآخر أنْ يتغابى اجتماعيًّا؛ أنْ يكونَ يقظًا إلى الحدِّ الذي يرى فيه ما لا يُقال، ثم يُظهر من الغفلةِ ما يكفي ليعبرَ أيامه سالمًا، وليست تلك إلا هدنةً قصيرةً مع هذا العالم. فثمّة من يعرف الوجوهَ قبل أنْ تتكلّم، ويقرأ الأيدي قبل أنْ تمتدّ. وحين تهبط يدٌ على كتفِه في هيئةِ مواساة، يُدرك أنَّ اللحمَ سيحتفظ بعد رحيلها بشظايا لا يراها أحد.
لهذا يكون التغابي أحيانًا أرفعَ صور الفطنة؛ ترى السهم قبل أنْ ينطلق، ثم تفسح له في الهواءِ طريقًا لا يعثر فيه عليك. وتبصر الفخَّ قبل أنْ يُنصب، ثم تمضي بمحاذاته كأنَّ الأرضَ لم يجرحها حبلٌ قط، فيظلُّ الصيادُ طويلًا يتأمل خيبته، لا فراره. هناك حقًّا نفوسٌ لا يرويها الأذى، بل يرويها أنْ تراه في وجهك. إنهم ينتظرون أنْ تمنحهم من روحك ما يثبت أنهم بلغوك، فإذا قابلتهم بسكينةٍ لا تُؤوَّل، عادوا إلى أنفسهم مثقلين بخيبةٍ لا يعرفون لها اسمًا!
قالت العرب ست خصالٍ تذهبُ وقارٌ الرجل
فأحذرها :
- والشكوي لمن لا يملك نفعاً
- مخالطة الفاسدين
- المجادله في الباطل
- إفشاء السر عند الغضب
- الفخر بما لم يفعل
- كثرة المزاح
فمن اجتنبها، صان مروءتِه،
وعلا في عيون الرجال قدره.
أشهد الله على محبته في الله .. ‼️
د . بشار عواد
موسوعه في التحقيق والتدقيق.
وعلم التاريخ والأخبار وعلم الرجال
ومحتفظ بكامل قواه رغم اقترابه من التسعين،
بهؤلاء فلتهنأ الأمة والوطن العربي .
الطمأنينةُ بوصفها خطيئة!
العمرُ هذا الكائنُ غير المرئي، ينسابُ من بين أصابعنا كما ينساب الماءُ من شقوقِ الذاكرة، لا يُحدث صوتًا، ولا يترك أثرًا، حتى نفقده، فننتبه.
لا نُدرك قيمته إلا حين يختلُّ الجسد، أو يغيب وجهٌ كان يملأ المكان، أو حين نقف أمام فشلٍ يشبه مرآةً قاسية، تعكس لنا ما لم نكن نجرؤ على رؤيته. عندها فقط، يصبح الزمنُ ملموسًا، كجرحٍ طازج، أو ساعةٍ تتثاءب على المعصمِ بتثاقل.
ثمّة من يعيش الحياةَ وكأنَّ العمرَ صندوقٌ احتياطي، يفتحه متى شاء، يؤجِّل الاعتذار، ويُقايض الأحلام، ويمضي تاركًا خلفه شقوقًا في القلوبِ يظنُّ أنَّ لديه متّسعًا كافيًا لترميمها لاحقًا. كأنَّ الزمنَ وعدٌ شخصي، أو صديقٌ متسامح لا يُغادر.
من أين جاءت كلُّ هذه الثقة؟ من أيِّ يقينٍ خفيّ استعارها الإنسانُ ليُراهنَ على الغدِ بهذا الاطمئنان؟ هل أقنعه الضوءُ المتكرر للشمسِ أنها ستشرق دائمًا من أجله؟ أم خدعه اعتيادُ النبضِ
فحسبه أبديًّا؟
العمر ليس خطًّا مستقيمًا، بل حقل ألغامٍ نمرُّ فيه ونحن نغنّي، ولا ندري أيَّ خطوةٍ ستفجّر صمتنا.
إنه ليس ما نملكه، بل ما يُستعار لنا، ونعيده ناقصًا أو مثقلاً بالأسف.
لعلَّ الحكمةَ الوحيدة، أنْ نعاملَ الوقتَ كما نعامل الأشياءَ الهشّة؛ بحذر، بامتنان، وبقليلٍ من الرهبةِ التي تُعلّمنا أنْ نعيشَ كما لو أنَّ اللحظةَ هي النافذةُ الأخيرة على الضوء!
الهوية الضائعة في صراع التاريخ والجغرافيا؛
لا أدري أيّ ذنبٍ اقترفتهُ، حتى تُطالعني بين الحين والآخر تلك الصراعاتُ الهزيلة التي تُخاض باسم جغرافيا المكان، وكأنَّ الإنسانَ لم يُخلق إلا ليكون أسيرًا لحدودٍ رسمها التاريخُ بخطٍّ مرتعش.
ثمّةَ من يظن أنَّ انتسابه إلى أرضٍ ما يمنحه شرعيةَ التفوق، فيتناسى أنَّ الأرضَ بلا إنسانٍ مستنير ليست سوى مساحةٍ صمّاء، وأنَّ القيمةَ الحقيقية لا تنبع من الخرائط، بل من الوعيِ الذي يزرعُ في الأرضِ معنى الوجود.
الكلُّ يبحثُ عن انتصارٍ رمزيٍّ يُطفئ عطشَ الذات، فينسبُ إلى مكانه ما ليس له، ويُحاول أن يُلبِس التاريخ أثوابًا لا تناسب مقاسه، غير مدركٍ أنَّ العظماءَ الذين يُقيمون لهم النُّصُب لم يكونوا أبناءَ جغرافيا محددة، بل أبناء فكرةٍ رحبةٍ تتجاوزُ الحدود، قاتلوا لأجلِ الإنسانِ قبل أن يعرفوا اسمه، ولأجلِ الحقيقةِ قبل أنْ تُسجنَ في وطنٍ أو مذهبٍ أو هوية.
كم هو مُحزنٌ أنْ يتحولَ التاريخُ من ذاكرةٍ لتطورِ الإنسانِ إلى ساحةٍ لتنازع الأمجاد، نُفصّله كما تُفصّل الثيابُ على مقاسِ رغباتنا، ونُحوّله من سجلٍّ للحكمة إلى دفتر حسابٍ نُصفّي فيه خصوماتنا.
كلّ يومٍ نُعرّي هشاشتنا حين نبحثُ عن بطولةٍ زائفةٍ تُبرّرُ خواءنا، نتصيّدُ العظمةَ في الآخرين لنجعلها ملكًا لأرضنا، نُغذّي نرجسيتنا بخساراتِ الآخرين، ونُسمي ذلك "انتصارًا".
لقد نسينا أنَّ العظمةَ لا تُورّث، ولا تُكتسب بالانتماء المكاني، بل تُستحق بالفعلِ والفكرِ والصدق، وأنَّ التاريخَ لا يخلّدُ من يُقيم الضجيج حول جذوره، بل من يُنبت معنىً جديدًا في صحراء الزمن.
أولئك الذين نحاولُ أنْ نحتكرهم كانوا يسيرون على الأرضِ وهم أكبر من الأرض، تُضيئهم فكرة، لا يقيّدهم تراب، لأنهم أدركوا أنَّ الانتماء الأسمى هو للإنسانيةِ نفسها، وأنَّ الكرامةَ لا تُقاس بجواز سفر، بل بما يُخلّفه الفكرُ من أثرٍ بعد الرحيل.
يا للمفارقة! نحن الذين نعيشُ في زمنٍ اتسعت فيه المسافاتُ وانكمشَ فيه الوعي، نُشيّد أسوارًا أعلى مما بنته الحروب، نحرسُ أوهامًا باسم الأوطان، بينما تضيعُ جهودنا في صمتِ المكان، وتعودُ إلى الأرضِ كما لو كانت جزءًا من أفقٍ واحد بلا حدود.
إنها مأساةُ عصرٍ يُقاتل لأجلِ الانتماءِ لا لأجلِ المعنى، يرفعُ راياتِ الأمكنةِ وينسى أنَّ الأرضَ التي يتنازعها الجميعُ لا تتوقف عند الحدودِ التي رسمناها، بل تعكسُ كلَّ الفكرِ والجهدِ والوجودِ الذي نحمله فيها.
ولعلَّ الخلاصَ يبدأ حين نكفُّ عن النظرِ إلى العالمِ بعين الملكية، وحين نُدرك أنَّ المجدَ الحقيقي لا يُقاس بما نملك، بل بما نمنحُ من نورٍ في وجهِ هذا الظلام الكثيف، وأنَّ البصمةَ التي تستحقُّ أنْ تُخلّدَ هي تلك التي تُعيد للإنسانِ إنسانيته، لا بما يُجمّل تاريخه ظاهريًّا ويُخفي جوهره.
والأهمّ أنْ ندركَ في النهايةِ أنَّ الأرضَ تتسعُ للجميع، وأنَّ الفكرَ والإنسانيةَ أكبر من أيِّ حدودٍ أو خرائط، وأنَّ الانتماءَ الحقيقي هو لمن يسعى وراءَ المعنى لا للسيطرةِ على التاريخ وحده!
حين تتقمّصُ الرائحةُ دورَ الذاكرة؛ تصبحُ أنفاسُنا جسورًا خفيّةً تعبرُ بنا إلى مواسم مضت، كأنها مفاتيحُ سرّيةٌ تفتحُ أبوابَ الطفولة.
أتنفّسُ الصباح، فإذا به يعيدني إلى صبيٍّ يقفُ على عتبة البيت، يحملُ حقيبةً أكبرَ من جسده، ينتظرُ الباصَ الأصفرَ كأنّهُ سفينةٌ ستبحرُ به إلى عالمٍ آخر.
ورائحةُ الكتبِ، تلك التي تعيدني إلى الصفِّ الأوّلِ الابتدائي، إلى لحظةِ استلامي للكتبِ الجديدةِ التي تفوقني طولاً ووزنًا، وهي موضوعةٌ فوقَ بعضها كأبراجٍ من الحلم. ما زالت رائحتُها الجديدة عالقةً في الذاكرة، تفوحُ كحبرٍ طازجٍ يعلنُ بدءَ الحكاية.
ورائحةُ الطباشير، ما زالت تسكنُ رئتَيَّ، تحملني إلى أولِ درسٍ غرسَ في قلبي معنى البداية، حين خطَّ المعلمُ على السبورةِ تاريخًا لم أفقه معناه يومها، وعنوانًا صار فيما بعد أوّلَ بابٍ على دروبِ المعرفة. كنتُ أتأمّلُ كيف تتحوّلُ الحروفُ الأبجديةُ تحت يده إلى كائناتٍ ملوّنة، ترقصُ بألوانِ الطباشيرِ على السبورةِ السوداء، فتغدو لوحةً تسرُّ أعيننا الصغيرة، كأننا نرى عالمًا يزدان أمامنا لأوّلِ مرة.
ثم رائحةُ القهوة؛ هي نَفَسُ أمي، ووشمُ حبّها على صباحاتي، كانت تصنعها لي لتوقظَ فيّ الذاكرةَ والهِمّة، لتجعل من لحظةِ المذاكرةِ طقسًا مقدّسًا، تكتملُ فيه النهارات وتبدو كأنّها مشبعةٌ بالمعنى، مُفعمةٌ بالعاطفة.
وإذا مررتُ بالمخبز عند زاويةِ الشارع، شدّتني رائحةُ الخبزِ كأنها أناشيدُ حنين، تحملني إلى يدِ أبي وهو يمسكُ بيدي وسطَ زحامِ الوجوه، ننتظرُ دورنا بقلوبٍ صغيرةٍ تحلمُ بالدفء. كان الخبزُ يومها أشبهَ بكنزٍ نعودُ به إلى البيت، فنضعهُ على الطاولةِ كمن يضعُ غنيمةً مقدّسة.
وهناك رائحةٌ أخرى، لا يُخطئها قلبي؛ رائحةُ المشموم. ما إن تقترب من أنفي حتى تنهضَ صورةُ جدّتي، بثوبِها البسيط وابتسامتِها التي تشبهُ دعاءً صامتًا. كان المشمومُ يزيّنُ جدائِلها، ويعطّرُ أكمامها، ويتركُ خلفهُ أثرًا من الطمأنينةِ في أرجاءِ البيت. رائحتهُ ليست عشبةً فحسب، بل ذاكرةٌ خضراء، تُعيدني إلى حضنِها الدافئ، وإلى تلك اللحظاتِ التي كنتُ أشعرُ فيها أنَّ العالمَ كلَّه يضيقُ ليبقى أنا وهي، وجلسةُ المساءِ المبلّلةً بالسكينة.
الرائحةُ ليست مجرّدَ أثرٍ في الهواء؛ إنّها ذاكرةٌ تسري في العروق، تُعيدُ تشكيلَ الماضي في لحظةٍ عابرة، تجعلُ من أنفاسِنا مرآةً تعكسُ طفولةً بعيدة، وأحبابًا رحلوا أو ظلّوا، وأيامًا نذرناها للريحِ وما عادت.
إنّها كالسِّحر، تُمسكُ بقلوبِنا من حيث لا ندري، تفتحُ أبوابًا لا تُفتح بالكلماتِ ولا بالمفاتيح، بل بومضةٍ من هواءٍ يمرّ، فيُحيلُ الحاضرَ طفولةً منسيّة، ويُوقظُ في الغيابِ أثرَ الحضور!
أحدهم يعيشُ بعمرٍ مثقوب، تتساقطُ منه الأيامُ وهو يترقّبُ صدفةً عابرة، تحطُّ على كتفهِ كطيرٍ مهاجر، غير أنَّ الانتظارَ لم يجلبْ له سوى غرابٍ يبتلعُ اللحظاتِ قبل أنْ تبلغَ فمَ الزمان، حتى أدركَ أنَّ غايةَ الوصولِ لا تنثرها الصدفةُ في دروبنا، وأنَّ التغييرَ الحقّ لا يُولد من الخارج، بل يبدأ من الداخل؛ من قرارٍ يوقظُ الروح، وإرادةٍ تفتحُ الأبوابَ التي نظنها موصدة!