أعظم خدعة تخدع بها نفسك:
" ما عندي وقت .."
ومجرّد قراءتك لهذا الكلام دليل على وجود الوقت عندك، ولو استمريت على هذا، لن تنجح ولن تفلح؛ إلا إذا كان وقتك الأكثر منه يكون في سبيل طلب العلم والتعلم أو العمل.
“العلاقة مع الله منيعة ، جابرة ، أبديّة ، عندما يحبّك سينعكس حُبه على وجهك ، ويسخِّر لك الأرض ومن عليها، سيأخذ جُل تفكيرك حتى تُبغض فكرة الانشغال بغيره ، ستجده دائمًا عندما تحتاجه ، يراقبك ، ستشعر معه بالحماية وبتفاهة الدنيا وقيمة نفسك”
تطيب الحياة للطيّبين، أولئك الذين يزرعون بذور السلام والمحبّة في حقول الحياة، وينشرون الأمل في القلوب، ويبعثون النور في الدروب، ويعبرون كنسمة عذبة باردة، ذلك أنهم يحصدون ثمار ما زرعوا؛ سلامًا يملأ قلوبهم، وهناءً يغمر نفوسهم، وسرورًا يُرافقهم أينما حلّوا.
إنّّها مسألةُ قُلوب!
عن عبد الله ابن عباسٍ قال:
لمَّا أرادَ النبيُّ ﷺ أن يخرجَ إلى غزوة تبوك،
قال للجدِّ بن قيس، وكان من المنافقين:
يا جدُّ ابن قيسٍ ما تقول في جهاد بني الأصفر/ الروم؟
فقال: يا رسول الله إني امرؤٌ صاحب نساء،
ومتى أرى نساء بني الأصفر أُفتَتَنُ،
فائذن لي ولا تفتني!
فأنزل الله تعالى قوله:
" وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ"
الدَّرسُ الأوّل:
إنهم المنافقون إيمانٌ ظاهرٌ وكُفرٌ باطن،
ورعٌ بارد وراءه قلبٍ فاجر،
ومظاهر حسنة، وأرواح مريضة نتنة،
كم صلى ابنُ سلول خلف النبيِّ ﷺ في المسجد،
فلم تنفعه صلاته هذه بشيءٍ،
لأنّه كان يصلي حفاظاً على مرتبته الاجتماعيَّةِ وليبقَ في قلب المشهد!
وكم قال الأخنس بن شريق الثقفي كلاماً جميلاً،
لو سمعتَه لقلتَ في نفسكَ: يا له من رجل،
ولكن هذا اللسان العذب كان يُخفي نفسيّةً مريضةً وقلباً كالحجر!
وفيه نزل قول ربنا: "وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ "
وها هو الجَدُّ بن قيس على خُطى صاحبيه ابن سلولٍ والأخنس،
يعتذرُ عن الجهاد خوف الفتنة بجمال نساء الرُّوم!
وما هو إلا الجُبن من الحرب، والخوف من الموت، وقبلها تكذيب بالنُّبوة!
الدَّرسُ الثّاني:
المؤمن مكانه حيث يريدُ له ربُّه أن يكون،
لا حيث ما يريدُ هو أن يكون،
الجنّةُ لا تُدركُ إلا بخلاف الهوى!
تخلّف الجدُّ بن قيس عن غزوة تبوك بحُجَّته الواهية،
وتخلّف أول الأمر الصحابيُّ الجليل أبو خيثمة!
وبعد مسير النبيِّ ﷺ بأيامٍ رجع أبو خيثمة إلى بستانه،
فوجد في المشهد: زوجاتٍ جميلات، فاكهة ناضجة، وماء بارد، وظلٌّ ظليل،
فقال: النبيُّ ﷺ في الرِّيح والحرِّ والشَّمس، وأنا في هذا!
فنادى على زوجتيه وقال: هيِّئا لي زاداً،
فإني أريدُ أن ألحقَ برسول الله ﷺ!
ورحل أبو خيثمة يريدُ أن يواسي حبيبه بنفسه،
فما أدركه إلا وقد وصل إلى تبوك وعسكر بالجيش،
وهو قادم إليهم من بعيد رآه المسلمون ولكنَّهم لم يتحققوا من هويته،
فجعلَ النبيُّ ﷺ يقول: كُنّ أبا خيثمة!
فلما وصل قالوا: يا رسول الله، هو واللهِ أبو خيثمة!
هناك دوماً فرصة لتصحيح الخطأ،
وأن تصِلَ متأخراً خير من ألا تصل أبداً!
وأن تكون ذنَباً في الحقِّ خير من أن تكون رأساً في الباطل!
فلا تخجلْ من إدراك الحقِّ إن سبقكَ الناس إليه،
ولا تستثقِل الخروج من الباطل إن بدا لكَ أنه باطل،
إنَّ أرقى أنواع الخجل أن يخجل المرءُ من ربِّه!
الدَّرسُ الثّالث:
في السّيرة النبويّة عِبرة، فاعْتبِرْ،
المواقف والأحداث ليستْ مادةً قصصيّةً تُروى وإنْ كانتْ ممتعة،
وإنّما هي دروسٌ للحاضر فالنَّاسُ هم النَّاسُ في كل عصر،
المنافقون في المدينة كانوا من وُجهاء النَّاس،
وإنّك لو رأيتهم لغبطَّتهم على هيئاتهم وأموالهم ومنازلهم عند النَّاس،
ولكنك متى عرفتَ حقيقتهم حمدتَ الله أنك لم تكن مثلهم،
يُحدِّثنا النبيُّ ﷺ عن امرأة من بني إسرائيل،
كانت تُرضع ابناً لها، فمرَّ بها فارس مُهاب،
فقالتْ: اللهُمَّ اجعلْ ابني مثله!
فتركَ ثديها وقال: اللهُمَّ لا تجعلني مثله!
ثم عاد إلى صدر أمه يرضع!
ثُمَّ مرُّوا بأَمَةٍ يضربونها،
فقالتْ: اللهُمَّ لا تجعل ابني مثلها،
فترك الرضيع ثدي أمه وقال: اللهُمَّ اِجعلني مثلها،
فقالتْ الأمُّ: ولِمَ ذاك؟
فقال: الفارس جبّار من الجبابرة، والأَمة يقولون لها سرقتِ وزنيتِ، ولم تفعل!
بأبي هو وأمي نُصدِّقه فيما يروي وإن استثقله العقل!
فلا تغبِطْ أصحابَ الأموال حتى ترى دينهَم أوّلاً،
ولا تغبط أصحابَ المراكز حتى ترى أخلاقَهُم أوّلاً،
ولا تغبط ْأصحابِ الجاهِ والمرتبةِ حتى ترى عبادتَهُم أوّلاً،
معايير النَّاس في وادٍ ومعايير الله في واد،
ورُبَّ أشعث أغبر، ذي طمرين، مدفوع بالأبواب، لا يُأبه له،
ولو أقسمَ على اللهِ لأبرَّه!
أدهم شرقاوي / سُطور
من أعمق دروس الحياة أن نقاء سريرتك لا يضمن لك صدق نوايا الآخرين، وأن ولائك المطلق لا يلزم أحداً بالوفاء، ممكن تبذل من روحك كثير وتكون السند إذا احتاجوا اليك، لتتفاجأ بأنهم عند انقضاء الحاجة تتبدل الوجهة ويمضون بلا التفاتة، لذلك دع نبلك ينبع من أصالة معدنك ورقي أخلاقك، ولا تجعله تجارةً تنتظر من الناس سداد ثمنها.
الطيّبون يحملون سِمات نفوسهم الطيّبة، لهم وجوهٌ تفيض بالسماحة والنور، وتبعث على البِشر والانشراح، وكأنّما ملامحهم مِرآة أعماقهم الصافية، ولهم ألسِنَةٌ تغرف من ماء قلوبهم النقيّة، فلا تسمع منهم إلّا الخير، فسُبحان الذي جعَل الوجوه والألسُن على النفوسِ دليلاً.
الأمل، هو النافذة التي يتسَلّل منها النور إلى القلب فيُبَدِّد عنه عتمة اليأس والكَدر، هو ينبوع الماء الذي يعثر عليه الظمآن في صحراء قاحلة فيكون لهُ مصدرًا للحياة، هو المعنى الذي يمنح الكثير سببًا للبقاء بخير، وصدَق القائل: "ما أضيَق العَيْش لولا فُسحة الأملِ".
يتوق العقل إلى الحوارات العميقة، المُثمرة، ذات القيمة والمعنى، وأمتَع الحوارات هي التي تكون مع شخصيّة ذكيّة لمّاحة، ذات مخزون ثقافي ثريّ، تُحلّق معها إلى آفاق واسعة، تلهمك بأفكارها، وإلماحاتها، وملاحظاتها، وتدرك معها أن بعض البشر يحملون في أعماقهم جمالاً فريدًا.
"البذرة الطيّبة، والمعدن الأصيل، والتنشئة الكريمة؛ تظهر في طيّات شخصيّة الإنسان، وتلمحها في تعامُلاته، وأخلاقه، وأقواله، وأفعاله، واستجاباته المختلفة مع ما حوله، وتتضح جلِيّاً في مواقفه، ففي المواقف تحديدًا تتمايَز معادِن البشر، وتعرف الرديء منها والنفيس حقًا".
في كل قَدَر يحدث للإنسان هناك حكمة خفيّة، قد لا تُدرَك في لحظتها، وفي كل تجربة هناك خبرة تُولَد، فلا تعود الرؤية بعد ذلك كما كانت سابقًا، بل تصبح أكثر تبصُّرًا، وتعقُّلاً، ورَوِيّة، وهذه سِمَة الحياة، تأخذ ضريبتها من النفوس لتُقَدِّم أثمَن هِباتها.
من حقّ الإنسان أن يطلب الطمأنينة والسعادة، ويسعى خلفها، ويجعلها غايته في كل أمر، وأن ينأى بنفسه عن كل ما يُعكِّر صفوّ مزاجه، وأن يختار ما يُحيط به بعناية فائقة، لأنه يعيش حياةً من مسؤوليته الخاصة، ولأنه إذا مضى به الزمن لن يندم إلا على عُمرٍ لم يعشه كما يجب.
أرى أنّ حُسن الكلام، ولُطف القول، ولباقة المنطق؛ تُشكِّل نصف جمال شخصيّة الإنسان، فلا شيء يُوازِي بهاء اللفظ إذا تهذّب، ولا شيء يُماثِل وَقْع الكلمة الصادقة إذا كانت مُغلّفة بالعذوبة، وأرى أنّ أدب ورُقِيّ الشخص بالإمكان قياسه من خلال منطوق لسانه.
وقتك هو عُمرك النفيس، وكل لحظة تعبرك هي جُزء من حياتك العزيزة، فلا تُبدِّد هذا الوقت الثمين هباءً، اعرف أين تصرفه، وكيف تستثمره، ومع مَن تقضيه، فكل تلك اللحظات تُشكّلك.
ويومًا ما، ستتوقّف وتلتفت إلى الوراء، وستشعر إما بالحسرة على ما فرّطت، أو بالغبطة بما قدّمت.
تعرف الشخصية الراقية في أسلوبها، ولباقتها، وتعاملها، وانتقائها لمفرداتها، واختياراتها المختلفة، فتجد ملامح الرُقِيّ تتجلّى في كافّة تفاصيلها، ولا يصدر ذلك إلا من نفسٍ كريمة تهذّبت بالأخلاق، وارتقَت بالفِكر، وتشرّبت الجمال حتى أصبح طبعًا أصيلاً فيها لا تكلُّفًا.