تتوالى السنون، فيكبرُ فينا الصمتُ وتتفاقمُ رغبتُنا في الانزواء، حتى يغدو حوارُ المرءِ مع ذاته أصدقَ وأعمقَ من كلِّ ما قد يُفصحُ عنه للآخرين.
تترسخُ في داخلنا قناعةٌ بأنَّ صخبَ العالم باتَ يستنزفُ أرواحَنا أكثرَ مما يُغنيها، وأنَّ النفسَ ما عادت تملكُ متسعاً من الصبرِ لتتحمَّلَ ضجيجاً إضافياً أو جدال لا طائلَ منه.
نوقنُ حينها أنَّ الأمانَ الحقيقيَّ يكمنُ في تلك الدائرةِ الضيقةِ التي نألفُها، وبأنَّ المرءَ ليس مُلزماً بالنصيحة في زمن تُفسَر فيه النوايا على غير حقيقتها.
ومع نضجِ العُمر، لا تتسعُ دوائرُنا كما توهَّمنا، بل تنكمشُ وتتقلصُ طوعاً، لندركَ في نهايةِ المطافِ أنَّ كلَّ كنوزِ العالمِ لا تضاهي طمأنينةَ بابٍ مُغلقٍ، نراجع فيه أنفسنا، في عزلةٍ مباركةٍ، لا نكدرُ صفوَ العالمِ ولا يطالنا منهم ما لا نريد.
…