حكمة الشعوب الخالدة؛
إنك لن تفهم أباك حتى تغدو أبًا!
،
أيًا كان صوغ هذا المعنى لدى أي قوم، بأي صقع من أراضي الله وفي أي عهدٍ من أحقابه، إلا إنه لا شيء أصدق مما لن يسأم البشر، كل البشر، من قولهم إياه؛ “إنك لن تفهمَ أباك ولا ما كابده، أو حتى ما شعر به، حتى تغدو أنت أبًا بدورك”.. وصدقوا!
إنها الصورة التذكارية الخالدة للأب في سائر الأمم، أما العرب - ومجدهم تامًا في البلاغة - فقد سمّوه بلسان مَلكهم القديم، عمرو بن كلثوم؛ “حامل الِمئِيْن”، وصدق!
،
حسنًا؛ إليكَ الآن، وقد صرتَ أبًا بدورك، وفي كل مرة يألم طفلك من أدنى عارض، ولو برشقة تعب أو جرح إصبع من عثرة صغيرة، أو إخفاقة حلم وتعذّر فرصة.. هل رحتَ تَشْرعُ شيئًا فشيئًا في استيعاب حكمة الشعوب تلك، منتبهًا للغاية لذاك الوعد القديم/المؤجل بالفهم!
وبالطبع والقطع فإنه سيبرق في عينيك وجها أمك وأبيك كل مرة، وفي كل مرة ستدري أنه لا حيلة بيديك غير اللّهج الحارّ لهما من صميم صميمك بدعاء المكافأة الخجول!
،
وسيحدث أن تستغرقَ مجدداً في هرولات العيش، ظانّاً مع الوقت أنها قد أنضجتك التجارب، وأنك خبرتَ المضمار، وتدربتَ بما يكفي على مواجهة التصاريف، ثم في لمحة قَدَر يعترضُ شيءٌ مفاجِئٌ أحدَ صغارك، شيءٌ عاديّ مما يحدث في الحياة، فيُطيحُ بجلادتكَ كلها.. ولا شيء من ذخيرتك في خوض الغمار بوسعه أن يَلْجِمَ عنك “الهواجيس” وسهد ليلها الثقيل.
تَتَقلّب، ووجها والديك يلوحان تستدعي عبارة الأزل. تشردُ في تأمّلها أكثر فأكثر؛
أيمكن أن ندرك هذا المعنى بالكليّة وإن غدونا آباء، أن نلامس عمقه ونجول في نواحيه، أم تُراه مُطلَق الاستحالة عند اعتبار زمن آبائنا وظروفه، شرط التاريخ الذي لا يبلى ولا يتغير!
،
عنّي؛
بإحدى الليالي الأخيرات من رمضاننا الفائت منذ ثلاثة أسابيع، كنت أمازح والدي، (ووالدي على مرمى سنوات من تتمّة القرن)، مستعيرًا ملاطفة عبدالله المديفر لوزير الصحة الأسبق، “حسن الجزائري”. قلت: “تدري، يا أبويه، أنك والدولة “رِيْعْ”! ميلادك وتوحيد المملكة ما بينكم إلا عامين”.
(ريع في لهجات سعودية عدّة: أبناء الجيل الواحد).
التفتَ، وحَمْلَق فيّ بنظرة حادّة وحاجبين مُسْتفهِمين، ولم يعلّق بكلمة!
صمتُّ بدوري، وفكرتُ قليلًا في القذيفة/المقارنة التي أطلقتها للتو، بلا حسبان.. وسريعاً غمرني حسٌّ مهول بالمهابة؛
يا إله العالمين، كيف يمكن لشخصٍ واحدٍ، واحدٍ فقط، أن يكون قدّ مرّ به كلُّ هذا الدهر، أن عاش هذا المشوار الملحميّ بِشِقيه - فردًا وبلادًا - وعَبَر هذه الطريق الملآنة لأقصاها، يوماً إثرَ آخر!
نظرت لأبي، ولمع بروحي الأسى على ما عاناه هذا الأسد المُجهد، وكنت قد أدركت القليل منه طِفلًا، وعرفت أكثره من حكاياته التي يندر أن يرويها عن السحيق الذي صعد منه؛ طفولته التي لم يعرف منها غير اليتم والعوز، وصباه المضني، وشبابه الممزق بالكدح والأسفار. أو كنت سمعتها من كبارٍ آخرين عنه، إما جايلوه أو لحقوا به في الزمن الصعب.
أما من صوب مشوار البلاد.. فقد بدأ كأبناء جيله من هناك؛ من اللا شيء المُقفِر، من الصفر كاملًا، من الجوع والخوف وصنوف المشقات، ثم مرّوا بأرتالٍ من الأحداث والتحولات، ثم صمدوا إلى وقتنا وحالنا الهائل اليوم، والسعوديةُ الشامةَ والجبين!
،
أمسكت يمناه، وعاودت الكلام لأرفع عنه حيرته الوقورة، وعنّي غَمرة المعنى والارتباك، وأضفت: “الله يطول في عمرك.. أنتوا الجيل الأول في كل منطقة ومدينة وقرية في المملكة، اللي كبرتوا مع البلد وكبرتْ بكم. أنتوا اللي شَقِيْتُوا والدنيا ضيق ولا معكم منها غير أرضها وسماها.. واليوم كل هذا الخير والسعة، بعد الله، ثمرة عَنَاكم”.
هذه المرة لم يلتفت، بل أمال رأسه بخشوع. بدا كما لو أنه يقدم تبجيلًا خاصًا وخالصًا، وقال كلمةً واحدة: “الحمد لله”.
،
وابنتيّ في خاطري.. تذكرتُ البارحة عبارة شعوب الله تلك. تذكرت المزحة، ومباغتة الشعور العارم.. وعلى مجرى هذا المسيل من الكلمات أصبحتْ.
،
لبلادنا الأعالي، ولِصغارنا السلامة وفلاح المستقبل.. ولوالدينا، حيّهم والراحل، العناقات والمبرّة. لكفوفهم والجباه امتناننا والمطر، ولهم وعد الله بالعوض والواحات.
آمين.
https://t.co/Ed8M1MTn18
حسّ - عبدالله ثابت.
التاريخ مُعادًا، أيها المعلّم، من يراك!
في هذه الأوضاع وسواها.. ستمضي السعودية اليوم، كما فعلت من قبل، وستفعل غداً ودوماً بعون الله، برباطة جأشها ورجاحتها السياسية، التي لطالما تحلت بها في مختلف الصروف والأحداث، وهذا ما نثق به على الدوام. حمى الله بلادنا.
https://t.co/r5GlbP47es
@AbdullahThabit
منذ الستينات وصولاً إلى اليوم، وفي كل الأزمات/الخلافات/الحروب، التي نشبت بين السعودية وبين دولة أخرى، أو حتى ضد ميليشيا أو حزب، كانت وما زالت مكنات هذه الكيانات وأدواتها الإعلامية تقع في نفس الخطأ الساذج، دون أن تتعلم من التاريخ والتجربة، وهو؛ محاولات إحداث شرخ في علاقة المجتمع السعودي ببلاده وقيادتها، أو تهييج مكوناته المختلفة على بعضها البعض!
يفعلون هذا عبر الترويج للسرديات الكاذبة والمُضلّلة نفسها لعقود. الشيء الوحيد الذي تغيّر هو الوسائط؛ من الورق إلى الأونلاين، ومن شاشات الأخبار الرسمية إلى اليوتيوب والتيك توك وحسابات التواصل.. إلخ!
،
شخصياً، وفي لقاءات وحوارات وجدالات مع مثقفين وغيرهم في بلاد عديدة، كانت بقدر ما تفاجئني قناعاتهم وتبنّيهم لهذه السرديات، بقدر ما يفاجئني حجم الجهل المطبق بالسعودية كلّها، وما حدث ويحدث فيها، فضلاً عن فهم بُناها وتركيباتها الاجتماعية، وكُنْه علاقاتها وأشكال سلوكها وممارستها، سواء ببعضها، أو علاقتها بآل سعود، برصفها العائلة الحاكمة، ناهيك عن فهم الجذور التاريخية والثقافية بتعقيداتها واعتباراتها العربيّة العالية، لكل هذا.
،
لك أن تتخيل أن مدير محطة تلفزيونية بطواقمه وبرامجه وضيوفه، أو رئيس تحرير صحيفة بكتّابه بألقاب وصفات، أو حسابات تواصل بنجومها وزائفها ومغرضيها، لا يستطيعون فهم ما يفهمه رجلٌ بين إبله في بادية، ولا فلاحٌ في الريف وسط حقله وصغاره، ولا بحّارة بشباك صيدهم في السواحل، ولا حتى سائق تاكسي أو بائعة على "بسطتها" في مدينة صغيرة، في السعودية.
،
لا يعرفون شيئاً عن هذه الألف باء من علم الاجتماع حين يتعلق الأمر بالسعودية وناسها، فأهدروا وقتهم وأموالهم الطائلة لستين عاماً، وما زالوا يفعلون، ولم تُفلح يوماً!
مقالة فاتنة عن "كتاب الحفلة" للمعلم والروائي المصري الكبير؛ إبراهيم عبدالمجيد.
القدس العربي:
كتاب أم مباراة لفريق تحبه!
• إبراهيم عبدالمجيد.
(١)
وجدت ملاذا مع هذا الكتاب الذي بمجرد قراءتي للعنوان، عدت صبيا يلعب الكرة في الشوارع والميادين وملاعب المدرسة، وتأتيه الفرصة أن يلتحق بشباب نادي الاتحاد السكندري، لكنه يعرف أنه منذور للأدب، فلا يترك الكتب والمكتبات، وغير ذلك مما كان على يقين من أنه سيؤهله للكتابة يوما.
عنوان الكتاب «كتاب الحفلة.. كرة القدم.. إحماء الذاكرة والكلمات» صدر حديثا عن دار تشكيل، للشاعر والروائي السعودي عبد الله ثابت صاحب الكتب الجميلة، مثل ديوان «الإلهاء الرائع» و«جلبة لتحريك الوقت» الذي ترجم للفرنسية، ورواية «الإرهابي 20»، التي ترجمت للفرنسية أيضا، وغيرها. أول مفاجأة لي هي الصفحة الأولى بعنوان «الإمضاء» يقول فيها «ما تبقى من فتى قديم، كان في طريقه لحفلة كرة القدم، والطرق نفسها انعطفت به نحو الكلمات» كأنه يتحدث عني. تأتي فصول الكتاب، التي يقدم لها بلغة الكرة بعنوان «صافرة» كأننا سنبدأ المباراة.. كيف مع الغروب في مدينة «أبها» وهو يطل من نافذة، يمرّ حشد من السيارات والركاب، ترفرف الأعلام معهم، وترتفع الأبواق فأدرك الخطأ الفادح الذي يرتكبه البشر، باعتبارهم كرة القدم مجرد لعبة رياضية فقط، لقد أخذه الاحتفال إلى السحر، وأدرك فيما بعد كيف تحولت كرة القدم من لعبة تعتمد على براعة الفرد، إلى منظومة صناعية تقوم على جهد المجموع وتكامل الأدوار، تماما كما تحولت المجتمعات من الاعتماد على الأبطال الفرديين، إلى الاستثمار في القوة الجماعية. كيف قرأ مبكرا كتاب إدواردو جاليانو «كرة القدم بين الشمس والظل»، فجاءت هذه المغامرة، ففي كرة القدم، كما في القصيدة ليس المهم ما تقوله، بل كيف تجعل شيئا آخر يسري بين الكلمات/ الأجساد، شيئا سحريا يشبه الكهرباء وتوقن بأن هذا له صفة الشعر.
تأتي سحرية كرة القدم من مقولة لجاليانو حين سأل طفلا يرى بعض الفتيان يتقاذفون الكرة بأقدامهم من هؤلاء، فيخبره أبوه أنهم مجانين. هكذا فالطفل والمجنون فقط، هما القادران وحدهما، على رؤية الحقيقة بلا زيادات ولا حيل أو زركشة. كرة القدم هي أحد الأشياء التي تجعلنا أطفالا ومجانين معا. الأطفال يحولون أي مكان في المدن والقرى والسواحل والبراري والصحارى، إلى أراضٍ يظهرون فيها جميعا حفاة يلعبون. هكذا تعبر كرة القدم كل بقعة مأهولة حاملة معها هوسها، الذي يجعل الملايين من أصقاع العالم يلتفون حول الشاشة الصغيرة، ليشاهدوا اثنين وعشرين راشحا بالعرق، ويلاحقون قطعة الجلد السحرية هذه. تأتي الفصول والروح الأدبية الفلسفية في اللغة والمعاني، فالمثل الإنكليزي يقول «مرة واحدة صدفة. مرتان قدر. ثلاث مرات تدبير»، ويتجلى هذا في كرة القدم، فلاعب يمكن أن يسجل الهدف ثلاث مرات في ثلاث مباريات متباعدة بالطريقة نفسها. أليس هذا أمرا مدبرا؟ وأحيانا تكون المرة الواحدة مثل برق من السماء. وأمثلة من مباريات عالمية.
جولة مع المشاعر مثل الضحك اللاإرادي، والقهقهة في المباريات، التي تبدو كموسيقى كونية، وترجمة مباشرة للسعادة، حين يسجل لاعب هدفا في وقت حرج، وتنتقل الضحكة من الملعب إلى البيوت، ومنها إلى الطرق والأزقة والابتسام المتبادل بين المارة. يقابل ذلك البكاء والدموع الحارة في مباريات اعتزال لأحد النجوم كما، حدث مع دييغو مارادونا في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2001 وبعدها بتسعة عشر عاما يرحل إلى الأبد، وتعود الدموع نفسها، وفي العام نفسه تحضر ابنته «دالما» أول مباراة بعد وفاته، وتجلس في المقصورة بمفردها، وفي الدقيقة الثانية عشرة يسجل فريق بوكا جونيورز الأرجنتيني هدفا، ليتجه اللاعبون جميعا إليها، ويضعون قميص مارادونا أمامها ويحيونها، لتنفرط في بكاء مرير على والدها، أبكي العالم كله معها.
(يتبع..)
عبر روتانا خليجية:
كرة القدم مليئة بالإنساني والثقافي والجمالي.
دخلت السعودية عن طريق الحج حين جاء بها الحجاج الماليزيون والأندونوسيون قبل ١٠٠ عام، والسعودية بعد ٨ سنوات ستستضيف كأس العالم.
،
صارت الكتابة عنها حقلاً أدبياً في الغرب، بينما المثقفون العرب مهووسون بها، لكنهم يتعالون عليها.
كان هذا سبب جانبي لخوض هذه المغامرة في #كتاب_الحفلة
#أدب_كرة_القدم
حديث مع الصديق العزيز أيمن حسن حول كتاب الحفلة، وكل الكلمات رفقة أبي ألمى بديعة وهائلة..
شكراً لـ"العرب"، وهذا الإخراج الفاخر..
#كتاب_الحفلة
،
عبدالله ثابت لـ"العرب":
أكتب كما تمرر ومرر كما تكتب كلانا في هجمة الحياة المرتدة
https://t.co/0yTmTkUydi
مفارقة تشبه أحمد أبو دهمان، رحمه الله:
د. معجب الزهراني في جيبوتي، وأنا في القاهرة، وكنّا على وعد أن نلتقي بعد أيام، ثم حدث أني غيرت ترتيباتي وعدت لجدة، وبعثت له بالاعتذار.
،
عشيّ الأمس وحين بدأ البث المباشر في نشرة الرابعة، رأيت الضيف الآخر معي. كان د. معجب، وبالفعل فوجئت وتعجبت!
لم نلتق في الموعد، والتقينا في نعي أبو نبيلة، وكأنه لا يسمح لمحبة أصدقائه إلا أن تتم، ولو برحيله.
بكل حال هكذا كان حقاً، وهذه طريقته.
رحمك الله، أيها الجنوبي الأخير!
@DrMojeb
#أحمد_أبو_دهمان
مقالة مطولة للكاتب الكبير، الأستاذ. عبده وازن، عن كتاب الحفلة.
______
[عبدالله ثابت يدخل عالم الـ "فوتبول" بأسراره وطرائفه
الكرة هي الحقيقة التي يطاردها اللاعبون والجمهور ولا يمتلكها أحد]
الاندبندنت - عبده وازن.
قد يكون كتاب الروائي والشاعر السعودي عبدالله ثابت وعنوانه "كتاب الحفلة: كرة القدم إحماء الذاكرة والكلمات" (دار تشكيل - 2025) من أكثر الكتب فرادة في حقل "أدبيات" الـ "فوتبول"، فهو لا يقتصر على ناحية من نواحي "الكرة السحرية" دون سواها، بل يسعى إلى الإحاطة بكل ما تتميز به اللعبة في أبعادها كافة، التاريخية والتقنية والشعبية والثقافية والشعرية، وقد اعتمد كما يعبر على تجربته وذاكرة مشاهداته وقراءاته وتأملاته وتفضيلاته الشخصية.
لا يخلو "كتاب الحفلة" من النزعة الذاتية المتجسدة في ذكريات المؤلف عن كرة القدم، بدءاً من أعوام الطفولة فصعوداً إلى المرحلة التي أصبح فيها خبيراً في اللعبة ومشاهداً شغوفاً لا يفوّت مباراة مهمة، سواء كانت عالمية أو عربية أو سعودية. بل أصبح المشاهد المفتون الذي يحاول التقاط الرموز والمعاني حتى لتبدو المباراة بنظره عرضاً أدائياً حافلاً يباري الجسد فيه قدرات الجسد، ويجري اختبار المشاعر "في ساحة مفتوحة أمام الخلق". وقد تكون الصفحات التي خص بها الكرة السعودية من أجمل الصفحات، فهي تمثل ما يشبه الذاكرة الجماعية التي يملكها هواة الكرة في السعودية، خصوصاً إزاء الاحداث المهمة التي رسختها الفرق واللاعبون في المباريات المحلية والعالمية.
ولئن بدا هذا الكتاب من الكتب الفريدة في حقل الـ "فوتبول" فإن عبدالله ثابت يطرح سؤالاً وجيهاً حول خلو الادب العربي من كتب عن الـ "فوتبول"، ما عدا بضعة أعمال نزيرة هنا وهناك، على رغم هوس العرب بكرة القدم وبينهم الأدباء. ثم يوجه تحية إلى الروائي الإسباني إدواردو غاليانو صاحب الكتاب البديع "كرة القدم بين الشمس والظل"، ويقتطف منه بضع جمل يستشهد بها، لكن كتابه يختلف عن كتاب غاليانو الذي ترجم إلى لغات شتى والذي هو خليط مشاهدات وحكايات وتأملات مستخلصة من قلب الملعب، ومن جحيم اللعبة أو فردوسها، وعبرها يرصد الروائي بعين المحترف والهاوي الشغوف تفاصيل المشهد الاحتفالي والعناصر التي تصنعه.
خفايا اللعبة.
يسعى ثابت إلى الكشف عن خفايا المعنى خاصته كما يعبر، فالـ "فوتبول" "معبر إلى النفس البشرية وتعبير عن مغامرته". ويجمع بين الكرة والقصيدة قائلاً: "ليس المهم ما تقوله بل كيف تجعل شيئا آخر يسري بين الكلمات / الأجساد، شيئاً سحرياً يشبه الكهرباء وتوقن أن هذا له صفة الشِعر". ولا أخال أنني قرأت مثل هذا الكلام المجازي في المقارنة بين هذين الفنين حتى لدى الكتاب الذي يهوون الـ "فوتبول" ومنهم بيتر هاندكه وفلاديمير نابوكوف وألبير كامو ورشيد بو جدرة وسواهم.
اللافت في الكتاب أن عبدالله ثابت يعمد إلى التحليل الفكري والنفساني والثقافي لظاهرة الـ "فوتبول" والتأمل فيها، ممهداً لما يضم الكتاب من خطط ووقائع ومعلومات، أو ما يسمى "الجانب العملي". ففي رأيه مثلاً أن ثمة خطأ كبيراً يكمن في اختزال الجماهير لكرة القدم في كونها لعبة رياضية، غير منتبهين إلى ما تملك الكرة من "جمال لا يضاهى"، ومن إطلالة سعيدة "على حلبة كونية محمومة بالسحر". ويصف اللعبة بكونها "الشكل النموذجي الأخير الباقي من مواجهات الجسد"، مضيفاً أن "كرة القدم حنين حيوي لما كنّا عليه، قبل أن يتطور الإنسان ويخترع الزناد وأزرار النيران، الرادار والشاشة". ولا بد من التوقف أمام تحول الـ "فوتبول" من لعبة فردية تقوم على براعة اللاعبين وفرادتهم ومواهبهم الشخصية إلى "منظومة وصناعة معقدة" تقوم وراءها شركات احترافيه عملاقة.
"فلتات" خارج المنطق.
يرى ثابت أن في عالم الكرة تحدث "فلتات" تتجاوز في أحيان كل منطق، وهي تشبه "برقاً يضيء السماء مرة واحدة ثم يختفي"، إنها عبقريات المرة الواحدة أو الفرادات التي تحدث مرة واحدة ثم يصعب أن تتكرر. وهذه "الفلتات" تظهر في شكل لقطة أو هدف أو تمريرة أو حركة مراوغة أو حتى مباراة بكل ما فيها. وهنا يذكر عدداً من المباريات الشهيرة في هذا القبيل ومنها حركة "بولاسي المنحنية" أو حركة "ماكجيدي الدوارة" والضربة المقلوبة التقويس "التريفيلا". ولئن تكلم عن الضحك اللا إرادي أو القهقهة المستديرة في المباريات الخارجة عن إرادة اللاعب، فهو يتحدث عن الدموع الحارة و"النحيب الحامض"، والبكاء هو "تقطير للروح البشرية ومزيج من كل ما يجعلنا بشراً". وهنا في مثل هذه اللحظات تسقط دموع كثيرة فتمسح الأكمام الأجفان والأنوف. ويذكر كيف بكى مرة كريستانو رونالدو وميسي وأبكيا الجماهير، لكن كرة القدم تظل في الغالب "أكبر مصنع للأفراح وأضخم معمل لإنتاج السعادة الجماعية".
يتطرق ثابت إلى مفهوم الزمن في ملاعب الكرة..
(بقية المقالة على الرابط)
https://t.co/Jam5yFUnJP
في كتاب الحفلة لعبدالله ثابت ..
حين تتحوّل كرة القدم إلى فنّ مجازيّ!
• علي مكي
_________
في زمن يفيض بالضجيج الرياضي، يأتي عبدالله ثابت ليكتب عن كرة القدم كما لم يكتب عنها أحد من قبل. لا بوصفها مباراة تنتهي بصافرة، بل حفلة تمتد في الذاكرة واللغة والخيال. في كتابه الجديد “الحفلة” الصادر عن دار تشكيل (2025)، يخلط ثابت بين حرارة الملاعب وبرودة التأمل، ليقدّم نصاً يعيد للرياضة معناها الثقافي والإنساني، ويمنح الجمهور دور البطولة في مشهد أكبر من مجرد تسعين دقيقة.
إحماء الذاكرة منذ الصفحة الأولى، يسأل الكاتب سؤالاً بسيطاً وعميقاً في آن:“لماذا نحب كرة القدم؟”
ثم يمضي في محاولة للإجابة، لا بالأرقام أو التحليلات، بل بلغة تتقاطع فيها الفلسفة مع الشعر، والتاريخ مع الوجدان.
يرى عبدالله ثابت أن كرة القدم ليست مجرد رياضة، بل هي آخر النماذج المتبقية لصراعات الجسد النبيلة قبل أن تستولي الشاشات والآلات والأسلحة على كل شيء. إنها الفعل الإنساني الذي يجمع بين الحركة والدهشة والانتماء. يمارس الكاتب في هذا الكتاب نوعاً من الكتابة “الاحتفالية”، التي تضع القارئ داخل اللعبة، لا على المدرجات. فالملاعب لديه ليست مستطيلات خضراء، بل مسارح مفتوحة لأحلام البشر وانكساراتهم، وأبطالها ليسوا لاعبين فقط، بل رموزاً للحرية والتعبير والخلود اللحظي.
الأدب في الملعب
يقسّم عبدالله ثابت كتابه إلى فصول تتناول عناصر اللعبة من زوايا غير مألوفة: الملعب، اللاعب، المدرب، الحكم، المعلّق، الجمهور. لكنه لا يكتبها بوصفها أدواراً، بل ككائنات لغوية تتحرك في نصٍّ مفتوح. فالمعلّق مثلاً ليس صوتاً على الشاشة، بل شاعرٌ يروي أسطورة في زمن مباشر، والحكم ليس سلطة (صفّارة)، بل رمزٌ للعدالة الممكنة والمستحيلة. أمّا الجمهور، فهو في نظره القلب النابض لكل شيء، “الجموع التي تصنع الحلم وتؤمن به حتى وهي تعرف أن النهاية قد تكون هزيمة”.
إنه كتاب يكتب كرة القدم من داخل اللغة، حيث تتحوّل المباراة إلى قصيدة، والهتاف إلى استعارة، والهدف إلى حدث وجودي. بهذا المعنى، يصبح “الحفلة” امتداداً لتجربة عبدالله ثابت الأدبية، التي بدأت منذ روايته الشهيرة “الإرهابي 20”، ثم مضت عبر مجموعاته الشعرية ومقالاته التي تمزج الفكر بالحياة، والفردي بالجماعي.
خاتمة المونديال
في خطوة لافتة، يترك الكاتب في الصفحات الأربع الأخيرة من الكتاب مساحة بيضاء للقارئ كي يدوّن تجربته الخاصة مع اللعبة، كأنه يقول: “هذه الحفلة لا تكتمل من دونك”. إنها دعوةٌ إلى الكتابة الجماعية، وإلى أن يتحوّل القارئ من متلقٍّ إلى مشارك في صياغة المعنى. أمّا الخاتمة فتتّجه إلى المستقبل، حيث مونديال 2034 الذي ستستضيفه السعودية. هناك، يرى ثابت أن العالم سيشهد “حفلة سعودية كبرى”، لا للفرجة فقط، بل لاستعادة الدور الثقافي والإنساني في الرياضة.
ما يميّز “الحفلة” أنه يقدّم نموذجاً نادراً في الأدب العربي، حيث تتجاور الثقافة والرياضة في نص واحد. فبدلاً من أن يختزل الحديث عن كرة القدم في سياق إعلامي أو انفعالي، يعيد عبدالله ثابت تأطيرها ضمن سياق معرفي وجمالي، يربط بين الفرد والمجتمع، بين الحلم الوطني والدهشة الإنسانية. يكتب بلغة تحتفي بالإيقاع كما تحتفي بالمعنى، ويصنع من كل جملة تمريرة، ومن كل فصل هدفاً لغوياً يحرّك فينا ما ظننّاه خامداً. لا يبحث عن بطل يتوج في النهاية، بل عن دهشة تستمرّ بعد صافرة الحكم.
القيمة الحقيقية في هذا الكتاب أنه لا يحدّثك عن كرة القدم، بل عن نفسك وأنت تشاهدها. عن الطفل الذي بداخلك، وعن ذاكرة الجماعة التي تصرخ وتضحك وتبكي في المدرجات. يذكّرك بأنّ الهتاف شكل من أشكال الشعر، وأنّ اللعب فعل حياة لا يقلّ نبلاً عن الكتابة. حفلة لا تنتهي “
الحفلة”ليست كتاباً يُقرأ مرّة، بل تجربةٌ تُعاش. كل فصل فيه يذكّرك أن الرياضة يمكن أن تكون فناً، وأن الأدب حين يلامسها لا يُفقدها بساطتها، بل يردّها إلى جوهرها الأصيل: اللعب بوصفه حرية، واحتفالاً، ووجوداً. وبين اللغة والملعب، ينجح عبدالله ثابت في صنع نص جديد، صوت سعوديّ معاصر، يُنصت إلى نبض الجمهور ويكتبه بشغف الأديب وإيقاع المشجع!
@ali_makki2
https://t.co/BSGgQ2soaV
حفلة عبدالله ثابت
البلاغة على عشب أخضر
• إبراهيم زولي
،
في عمله الجديد «كتاب الحفلة، كرة القدم، إحماء الذاكرة والكلمات» (دار تشكيل)، يفاجئنا الروائي الشاعر عبدالله ثابت بكتابٍ غير مألوف في مساره الإبداعي. فصاحب «وجه النائم» لا يعود هذه المرة إلى الشعر أو السرد، بل يتجه إلى الكتابة عن كرة القدم، ذلك الشغف الكوني الذي يسكن الذاكرة الجماعية للبشر.
لكن ثابت لا يكتب عن اللعبة كموضوعٍ رياضي، بل كحالةٍ إنسانيةٍ وجماليةٍ مفتوحة على التأمل. منذ الصفحات الأولى، يعلن انحيازه الجميل: أن يفتح باب الأدب على ملعبٍ طالما ظنه المثقفون بعيداً عن «الجدّ». غير أن «الحفلة» ليست استراحةً من الشعر، بل امتداد له عبر وسيطٍ مختلف؛ إذ يستبدل المؤلف القصيدة بصافرة، والبيت بتمريرة جانبية، والمجاز بتسديدة مباغتة تضبط إيقاع اللغة كما يضبط الحكم مجرى اللعب.
بين الأدب والملعب
يذكّرنا صاحب «جلبة لتحريك الوقت» بتجارب أدباء عالميين كتبوا عن كرة القدم مثل بيتر هاندكه (خوف حارس المرمى عند ضربة الجزاء) وإدواردو غاليانو (كرة القدم بين الشمس والظل)، وأمبرتو إيكو الذي خصّ اللعبة بمقالاتٍ فلسفية، وألبير كامو الذي كان حارس مرمى قبل أن يصبح روائياً وجودياً. في هذا السياق، يضع ثابت نفسه ضمن سلالةٍ من الكتّاب الذين رأوا في كرة القدم مرآةً للعالم لا تسليةً عابرة.
منذ أولى اللقطات يُظهر المؤلف حسّاً سينمائياً لافتاً؛ فالسرد ينزلق من «ضربة بداية الكتاب» إلى ذاكرةٍ أبهاويةٍ مشبعةٍ بضباب الجبال وأبواق السيارات وأهازيج الجمهور الأخضر. يحوّل الكاتب المشهد الشعبي إلى بانوراما لغويةٍ مشبعةٍ بالضوء، كأنه يلتقط صورةً جماعيةً للحظة وطنيةٍ لا تتكرر.
متعة القراءة والمشاهدة
يضع ثابت في مفتتح كتابه «توصية لأجل المتعة»: أن تُقرأ الصفحات والهاتف الذكي بجوارك، لتبحث في الشبكة عن اللقطات التي يصفها النص. إنها تجربة قراءةٍ مزدوجة؛ الأدب والفيديو يتجاوران في لحظةٍ واحدة. هكذا يراهن المؤلف على قارئٍ جديدٍ، يشارك في بناء المعنى بدل أن يتلقّاه جاهزاً، ويستمتع بالنص كما يستمتع بالمباراة.
لماذا نحب كرة القدم؟
لا يكتفي الكاتب بتأمل الظاهرة من بعيد، بل يذهب إلى لبّ السؤال: لماذا نحب كرة القدم؟
يقدّم ثابت مثالاً نابضاً: هدف رونالدينيو في ستامفورد بريدج عام 2005، تلك الضربة التي بدت كأنها خرجت من فراغٍ مضيء، فأصابت الجمهور بـ«دهشةٍ بدائية» تشبه الفن الخالص. هنا يتبدّى المعنى الأعمق للكتاب: أن الجمال قد يمرّ في ثانيتين، لكن أثره يبقى في الذاكرة كما تبقى الأعمال الخالدة.
لغة تحتفي بالحياة
في «الحفلة»، يمتزج التحليل بالحكاية، ويتجاور السرد مع الشعر في بناءٍ لغويٍّ مشغولٍ بعناية. الجملة عند عبدالله ثابت مرنة وسريعة حين تستدعي اللعبةُ الإيقاع، وبطيئة متأملة حين تتطلّب المشهدَ الداخلي. خلف هذا التوازن يقف «الكاتب الشاعر» الذي يجرّ النثر نحو استعاراته الطبيعية: المدرج كورالٌ إنساني، واللاعب ممثل تراجيدي، والمباراة مسرحٌ مفتوح على الاحتمالات.
بين «الثقافي» و«الشعبي»
ينحاز صاحب «وجه النائم» إلى كتابةٍ لا ترى في كرة القدم ترفاً، بل ظاهرةً ثقافيةً تستحق لغتها الخاصة. فهو يبرهن أن الأدب العالي لا يتعالى على ثقافة الجمهور، بل يلتقيها في منتصف الطريق. لغته هنا أنيقة، لكن غير متكلفة؛ حديثة ومرنة، تحتفظ بحرارة المكان وروائح الملاعب وأسماء اللاعبين التي شكّلت وجدان جيلٍ كامل من العرب والخليجيين.
تقنية «اللقطة»
يعتمد الكتاب تقنية «اللقطات القصيرة» التي تتجاور لتكوّن مشهداً أوسع. لا فصول طويلة ولا استطرادات، بل نصٌّ مفتوح على الدخول والخروج الحرّ. هذا الشكل المتشظي يناسب طبيعة اللعبة وزمن القراءة المعاصر، حيث يتحوّل الأدب إلى تجربةٍ تفاعليةٍ متحرّكة. ومع ذلك، لا يفقد النص خيطه الداخلي؛ فثمّة يدٌ خفيةٌ تجمع اللقطات كما تجمع اليدُ الخبيرةُ حبّات مسبحةٍ لا تنفرط.
الأدب والذاكرة الجماعية
في جوهره، «الحفلة» ليس كتاباً عن كرة القدم بقدر ما هو تأمل في معنى التلقي الجماعي: كيف يتحوّل الفرح الفردي إلى هتافٍ مشترك؟ وكيف يمكن للكلمة أن تُحاكي صوت عشرات الآلاف في لحظةٍ واحدة؟ هذه الأسئلة تجعل الكتاب امتداداً طبيعياً لمشروع عبدالله ثابت الشعري والسردي، لكنه بملعبٍ جديدٍ ومجازٍ أرحب.
رهان الجمال
ما يفعله ثابت هنا يشبه مزج فني بين الأدب والحياة. فهو يبرهن أن النصّ يمكن أن يخرج من الصفحة إلى الشاشة ثم يعود، من دون أن يفقد لغته أو يساوم على أناقته. الذهاب إلى الضفة الأخرى ليس نزهة، بل رهان على كسر الحواجز بين «الثقافي» و«الشعبي»، وعلى إعادة وصل الأدب بنبض الناس اليومي.
ختاماً
«الحفلة» عملٌ مكتوبٌ بلغةٍ مصقولةٍ ومخيلةٍ متوقدةٍ تنصف اللعبة والناس الذين يأتون كل أسبوعٍ ليتذكّروا أنهم جماعة...
https://t.co/pC825EMdW4
المخيّلة.. يا بلاد الأبد!
_________
لعلّ أول ما يدفع إلى الانجذاب للأساطير هي تلك الذكريات الصغيرة الكبيرة في الطفولة. في نشأتي كنت أسمع كلام الأمّهات والجدّات عن ذلك الفلان الذي يكتب، ذلك الفلان الذي معه كتاب، ويمكنه فعل أشياء لا يمكن لأحد سواه فعلها، وقد كانت هذه فكرتهم عن القوى الخفيّة. ذهبت مخيلتي مباشرة إلى الكتب واللغة بوصفها المادي، فكنت أتلصّص على مكتبة أخي في غيابه، أفتّش عن تلك القوة الخارقة، وأتخيّل أنّني أجدها، في حين لا ألمس شيئًا منها. أكبر، وأقرأ، وأبحث في مسيرة طويلة، ثمّ أنجذب للأساطير مجدّدًا بوصفها المعين "الذي لا ينضب"، كما يصف نيكولاس فريدة، ولا يمكنك توصيفها بغير أنّها تشرع المداخل لفهم الرأس البشري، وتفاعلاته الخلاقة مع الطبيعة والظواهر، الحياة والمجتمع.
مرسيا إلياد عرّف الأسطورة بأنّها "تفسير أو قصة رمزية تروي حادثة غريبة، أو خارقة للطبيعة، توجد في ثقافة فرعية، وتتميّز بتناقلها وانتشارها على نطاق واسع، وتأثيرها العميق نتيجة ما تنطوي عليه من حكمة وفلسفة وإثارة وإلهام". تتحرّك في نطاق خاص من التجربة البشرية، تتقاطع مع الخراقة والحكاية الشعبية، لكنّها تتمتّع بنفوذ قدسي، أي ذاك العالم البديع، العالم الذي اسمه الخيال!
منذ خمس سنوات خضت تجربة الكتابة لصالح التلفزيون السعودي، في برنامج من فكرتي وكتابتي، اسمه "ناس لوجيا"، كان موسمه الأول عن الأساطير والحكايات الشعبية في مختلف جهات المملكة ومناطقها، ولا يمكنني وصف ما كنت أمرّ به في هذه الرحلة من منطقة لمنطقة، ومحاولات الاقتراب من الأثر وامتداداته الخفية، عبر مئات السنين، إلى البشر اليوم؛ من عالم الجنّ، إلى عالم الأهازيج، الصخور، الألبسة، الطعام، الحبّ، الحيوانات، الزمن، التضاريس، البيوت، الموت، الخوف، الأمل، الأحزان، الخيبات، الانتصار، الحياة بأسرها، وكلّ ما يتصل بها، حياة الإنسان الذي خلق في خيالاته عبر كلّ تفصيل من حياته عالمًا آخر، وطالما ساعده هذا العالم المتخيّل على الاستمرار والصمود، البقاء والتقدّم والحلم، بكلّ ما يتشكّل منه، من الأخلاق والقيم وصفات وسمات عرب الجزيرة عامة، بصدقهم وسخائهم وإقدامهم، بطابعهم الإنساني العالمي بالتأكيد.
ستجد أثرًا لحواء وصفاتها وأثرها ومصيرها في خطاب المرأة، الجبة التي غدت مهرجانًا للنسيج، النمر العربي الذي يوشك على الانقراض، والذي كان جزءًا من العائلة، الجنيات والشعر، الصحراء والوديان والصخور، البحر والسواحل، وأعالي الجبال!
في السياق السعودي كانت المخيلة الأسطورية حديث الأوائل. جمع الأديب السعودي عبد الكريم الجهيمان – مثلًا - 136 أسطورة وحكاية شعبية سعودية في كتابه "أساطير شعبية من قلب جزيرة العرب" في خمسة أجزاء، والكثير الكثير في كتب وحكايات ومرويات أخرى.
اللافت للانتباه أنّ هذه المخيلة لم ترفع سقف اللغة والحلم فحسب؛ بل أنسنت الجغرافيا بأدقّ تضاريسها. هذه الأساطير ربطت الإنسان وذاكرته وأقصى ما يذهب إليه في رأسه بالمكان، من الحصى إلى المرجان، ومن النخيل إلى البراري، وبالأرض والإنسان وما حوله، كلّ هذا الذي اسمه؛ الوطن، بلاد الأبد.
السعلاة، رحى الهلالي، حمارة القايلة، أم السعف والليف، أجا وسلمى النمر العربي، آبار جنيات الشعر، جبة اليتيم، خنجر برقان، ذي عين، كهوف الانتقال في الزمن... إلخ، ومئات الأساطير في عموم مناطق المملكة العربية السعودية، ما زالت يحضر مخيالها العميق في الشفهي والكتابي، في الغائر والبسيط، من سلوك الناس ولغتهم واعتقاداتهم وطباعهم، وهذه المناطق في حالتها الخام للبحث الأنثروبولوجي الذي ما يزال متوانيًا!
الكثير من الاستخدامات الفطرية الذكية للخيال تعكس فهمًا عميقًا لطبيعة الإنسان وحاجته إلى ابتكار عوالم تتجاوز عالمه. هكذا استطاع الخيال الشعبي تحويل الظواهر الطبيعية، والأخطار البيئية إلى شخصيات حية ومؤثّرة، تلتصق بالشعر والقدرات والقوة، تنتمي إلى القصّ، إلى سرد العالم من منظوره الخاص!
بطريقة أخرى ما زلت الذي يذهب ليس للكتب فحسب، بل للحياة والناس، أفتّش عن تلك القوة الخارقة "الخيال" والأسطورة، ويدهشني أثرها.. فِعلها!
https://t.co/LTfyRclgzL