الأزمات فرصة لإعادة اكتشاف الحقيقة
==
يقول مصطفى السباعي رحمه الله: "وفي المآزق ينكشف لؤم الطباع، وفي الفتن تنكشف أصالة الآراء".
فهكذا الأزمات والمحن، تكشف الصديق، ويتبين فيها الصادق من الكاذب، فلئن كانت السراء يسير في ركبها الجميع دون تمييز، ويحسن الكلُّ معسول الكلام، فإن الأزمة تكشف من كان يتصنع الحرص على المصلحة العامة ممن كان هذا حاله على الحقيقة.
جزى الله الشدائد كل خير.....وإن كانت تغصصني بريقي
وما شكري لها إلا لأني...... عرفت بها عدوي من صديقي
الأزمات ليست مجرد أوقات تضع أثقالها ثم تمضي، وإنما لحظات كاشفة تختبر فيها المعادن وتسقط الأقنعة عن الوجوه، وتضع الناس أمام حقيقتهم، فما أوسع دائرة الأصدقاء في الرخاء، عندما تعلو الأصوات المتحمسة، ويظهر الجميع حرصهم، ويتنافسون في إلقاء حسن القول، ولكن حين تضيق المساحات وتشتد المحن، انفضت الجموع إلا من الصادقين.
ولعل عبارة ابن خلدون: "الناس في السكينة سواء، فإذا جاءت المحن تباينوا"، تلخص إحدى أعمق حقائق الاجتماع البشري، إذ إن الرخاء لا يفرض على الناس كثيرًا من الاختيارات الصعبة، بينما المحن تكشف عن فعل الإنسان إذا غدا الصدق ذا كلفة، والوفاء أعظم كلفة. حينها لا يعود الكلام وحده كافيًا، وتتراجع قيمة الشعارات أمام قيمة الموقف.
الأزمة تضع ما بداخل الإنسان في دائرة الضوء، فيظهر صدقه من تصنعه، والذي يجعل المصلحة العامة ستارًا يخفي وراءه مصالحه الشخصية يجد نفسه عاجزًا عن الاستمرار في أداء الدور نفسه.
ومن أخطر ما تكشفه الأزمات أولئك الذين يرفعون شعارات الحرص على المصلحة العامة وهم في الحقيقة لا تجاوز أعينهم النظر إلى مصالحهم الخاصة، فهم يتحدثون عن المسؤولية بينما يبحثون عن النجاة الفردية، ويرفعون الراية العامة بينما يفاوضون سرًا على مصالحهم الشخصية، تجدهم قلقين دائمًا على مواقعهم ومكاسبهم لا على ما يقتضيه الصالح العام.
ولعل أخطر ما يمكن أن تفعله المجتمعات هو أن تكافئ أصحاب الأقنعة بعد انكشافها، فالأزمة لا تنتهي بانتهاء الحدث؛ بل تبدأ بعدها مهمة أخرى: حفظ الذاكرة، من أجل التعلم والاعتبار لا الانتقام وتصفية الحسابات، فمن ثبت في الأزمة يُعرف له ذلك ويُكافأ عليه، ومن ولّى الأزمة ظهره تتم مراجعة موقفه وتجربته بموضوعية، بيد أن من استغل الأزمة لتحقيق مصالحه الخاصة ينبغي ألا يعاد طرحه كنموذج أو تصديره في مواقع المسؤولية.
إن العدالة في تقييم المواقف بالأزمات ضرورة لبناء الثقة، فمتى رأى الناس أن الصادق في الأزمة والمُتاجر بها سواء، فإنهم بذلك يتأصل لديهم مفهوم بالغ الخطورة: لا تكن مخلصا أكثر مما ينبغي. وعندما يصبح هذا الانطباع سائدًا تتآكل المجتمعات من الداخل، لأنه في هذه الحال سوف يتوقف الناس عن البذل والتضحية من أجل الصالح العام، ويصبح كل فرد مشغولا بتأمين موقعه الخاص.
لهذا، فإن الأزمات والمحن رغم قسوتها تحمل في داخلها فرصة نادرة لإعادة اكتشاف الحقيقة، فإنها تقول لنا من نثق به، ومن نستمع إليه، ومن يستحق أن يتحمل المسؤولية، ومن كان بارعًا فقط في صناعة الصورة.
وفي كل أزمة، ثمة وجوه جديدة تلمع؛ أناس لم يكونوا في الصفوف الأولى، لكنهم يتقدمون حين يحتاجهم الناس. وثمة وجوه أخرى تتراجع، رغم أنها اعتادت تصدر المشهد في أوقات الهدوء.
ليست قيمة الإنسان في مقدار ما قاله عندما كان الكلام بلا ثمن، وإنما في مقدار ما فعله عندما أصبح للفعل ثمن. وليس الصادق من يكثر الحديث عن الوفاء، بل من يبقى وفيًا عندما يصبح التخلي أكثر راحة. وليس المخلص للمصلحة العامة من يعلن حبه لها، بل من يقبل أن يخسر شيئًا من أجلها.
هكذا تأتي الأزمة والمحنة كمرآة لا تجامل أحدًا. قد تؤلم، وقد تصدم، وقد تكشف ما كنا نفضل ألا نراه، لكنها في الوقت نفسه تمنحنا معرفة لا توفرها سنوات طويلة من الرخاء، إنها تضع الناس في أماكنهم الحقيقية، وتسقط المساحيق، وتمنح الصدق فرصة كي يظهر.
ولذلك، يكون السؤال الأهم حين تنتهي الأزمة: ماذا عرفنا؟ ومن عرفنا؟ ومن ثبت حين تزلزل كل شيء؟ وليس السؤال: من خسرنا؟
==
إحسان الفقيه
https://t.co/TiCOaYJMD3
A new episode of my Arabic series “Al-Tarkeeba”, built around The Settlers.
Dedicated to @louistheroux — for an extraordinary piece of documentary work, and for having the patience to simply keep asking questions until people revealed themselves.
التركيبة | المستوطنون https://t.co/mYRWwRdhbc via @YouTube