قليلٌ من الكلام العالق في حلقي منذ زمن… واعذروني مسبقًا إن أطلت.
نعم، أخطأ حزب الله.
أخطأ في سوريا، وهذا أكيد.
وأخطأ حين دخل الطوفان لمساندة غزة، وهذا أكيد.
وأخطأ أخيرًا حين دخل هذه الحرب إلى جانب إيران، وهذا أكيد أيضًا.
لكنّ المشكلة أنّ كثيرين ينظرون إلى هذه الأحداث كأنّها أخطاء متفرقة، بينما الحقيقة أنّها كلّها تعود إلى خطأ واحد فقط، خطأ رافق حزب الله منذ لحظة تأسيسه وحتى اليوم
وهو أنّه يرى الكارثة قبل وقوعها، ويتحمّل كلفة منعها قبل أن يراها الآخرون أصلًا.
وهنا تكمن المأساة دائمًا…
يمنع الانهيار، ثم يأتي من نجا من الانهيار ليقول له: "لولا تدخلكم لما وصلنا إلى هنا".
وهذا صحيح فعلًا… لكن ليس بالطريقة التي يظنونها.
لولا تدخله، لما بقي أصلًا شيء اسمه "هنا".
في سوريا مثلًا، ما زالت جموع الجهلة حتى هذه اللحظة تردد العبارة نفسها:
"تدخلكم في سوريا كان خطأ."
"لولا تدخلكم لما وصلتم إلى هذه الحال."
حسنًا، فلنفترض أنّه لم يتدخل… ماذا كان سيحدث؟
كانت الجماعات التكفيرية ستتمدّد أكثر فأكثر، وكانت سوريا ستسقط بالكامل في مشروع الفوضى والإرهاب، ثم ماذا بعد؟
هل كان أحد يظنّ أنّ لبنان سيبقى خارج النار؟
هل يظنّ أحد فعلًا أنّ جيشًا صغيرًا كجيش لبنان، المنهك سياسيًا واقتصاديًا وطائفيًا، كان سيقف بوجه موجة اجتاحت مدنًا كاملة وأسقطت جيوشًا كاملة؟
العراق نفسه، بكل ثقله، كاد ينهار أمام داعش، فكيف بلبنان؟
ولولا تدخل حزب الله في تلك اللحظة، لكانت الحدود اللبنانية كلها مفتوحة أمام مشروع دموي لا يعرف إلا الذبح وقطع الرؤوس واستحياء النساء وقتل الأبرياء باسم الدين.
ولكانت داعش اليوم تتمدد من عاصمة إلى عاصمة، بينما أمراء الخليج الذين موّلوا الخراب يعيشون بأمان خلف قصورهم.
بل أكثر من ذلك…
لولا تدخل حزب الله في سوريا، لكان الشعب الفلسطيني نفسه — الذي يهاجم بعض أبنائه الحزب اليوم — أول المتضررين من سقوط سوريا، لأنّ آخر بنية حقيقية لمشروع مقاومة إسرائيل في المنطقة كانت ستنهار بالكامل.
هذه ليست مبالغات عاطفية، بل وقائع كان الجميع يراها تتشكل أمامه.
وفي الطوفان أيضًا، تتكرر القصة نفسها.
اليوم بعد كل ما كُشف، لم يبقَ مسؤول عسكري أو أمني أو سياسي صهيوني إلا واعترف أنّهم كانوا يخططون أصلًا لضربة استباقية ضخمة ضد حزب الله.
بل إنّ النقاش داخل كيان الاحتلال لم يكن حول
"هل نضرب حزب الله؟"، بل حول "متى؟".
كل حجم الاختراقات، كل التجهيزات، كل الخرائط، كل المعرفة الدقيقة بالمواقع، كل ملفات البيجرز والاغتيالات والاستعدادات… كانت تقول شيئًا واحدًا
أنّ الحرب كانت قادمة أصلًا، سواء دخل حزب الله أم لم يدخل.
لكنّ الناس يتصرفون اليوم وكأنّ الحزب هو من اخترع الحرب من العدم.
حين دخل الحزب الطوفان، لم يدخل لأنه يعشق الخراب، ولا لأنه يبحث عن بطولة إعلامية، بل لأنه التزم بمنطقه العقائدي والسياسي والأخلاقي
أنّ غزة لا تُترك وحدها، وأنّ المقاومة لا تنتظر حتى تُذبح واحدة تلو الأخرى.
والأهم من ذلك أنّ الحزب، رغم الضربات الهائلة، استطاع أن يتأقلم تدريجيًا مع المتغيرات، وأن يمنع الانهيار الكامل الذي كان العدو يحلم به منذ سنوات.
نحن أصلًا لا نعرف إلى أين كانت ستصل الأمور لو بقيت الجبهة صامتة بالكامل وأتت الضربات دفعة واحدة لا بشكل تدريجي.
واليوم يتكرر المشهد نفسه مع إيران.
خمسة عشر شهرًا كاملة من القصف والاستهداف والخرق والاغتيالات والتدمير اليومي للبنان، فيما إسرائيل تتحرك بثقة مطلقة أنّ لا أحد سيوقفها.
شهداء كل يوم.
قرى تُدمّر كل يوم.
سماء مستباحة كل يوم.
وحزب الله طوال هذه الفترة يحذر وينذر بأنّ الصبر لن يستمر إلى ما لا نهاية.
ثم حين انفجرت المواجهة مع إيران، فجأة خرج علينا من يتحدث وكأنّ الحزب "دخل الحرب لأجل إيران"، وكأنّ لبنان أصلًا كان يعيش بسلام مع إسرائيل!
المضحك أكثر أنّ البعض يتعامل مع إيران كأنّها الطرف المحتاج أصلًا لهذا الإسناد، مع أنّ إسرائيل نفسها كانت تعلن دائمًا أنّ جبهتها الأساسية هي محور كامل، وأنّها تحتار أحيانًا: هل تبدأ بلبنان أم بإيران؟
يعني حتى العدو نفسه يفهم أنّ المعركة واحدة، بينما بعض أبناء المنطقة ما زالوا يناقشونها بعقلية الحدود الوهمية.
وبيان حزب الله الأخير كان ذكيًا جدًا في هذا السياق، لأنّه وضع تدخله ضمن معناه الحقيقي:
تكليف ديني، وسياسي، وأخلاقي، واستراتيجي، لا مجرد رد فعل عاطفي.
فهو من جهة يربط المعركة بالدفاع عن لبنان، ليخرس الأصوات اللبنانية التي تريد اختصار كل شيء بعبارة “دخل لأجل إيران”.
ومن جهة أخرى، يضع نفسه في قلب المعادلة العقائدية بعد استشهاد الإمام الخامنئي، ليقطع الطريق على كل من يريد داخل إيران نفسها أن يدفع نحو التراجع أو الهدنة تحت ضغط الدم.
- إلى الذين عرفوا كيف يغادرون في الوقت الذي كانت فيه السماء مفتوحة،
إلى الذين عبروا خفافًا، فيما بقينا نحن هنا…
مررتُ اليوم، كما في كلِّ يوم، بجانب العمر نفسه، وتوقّفتُ عند سؤالي المعتاد..
كيف وجدت أقدامكم الطريق بكلِّ هذه الخفّة، بينما ظلّت أقدامنا عالقةً بكلِّ هذا الطين؟
كيف أفلتّم من هذا الشتاء الطويل؟
كيف سِرتُم مع طيوره حين حان أوان الرحيل؟
وبقينا نحن فيه…
كغصنٍ أخّره الفصل عن بقيّة الأشجار؛ لا أثمر كما ينبغي، ولا انكسر ليستريح.
هل عرفتم سرًّا لم نعرفه نحن بعد؟
أم أنّكم أبصرتم شيئًا لم نبصره بعد؟
أم هي نافذة خفيّة فُتحت لكم في الجهة الأخرى من الغيم،
بينما ما زلنا نحن أسرى هذا العمر الثقيل.
تمرُّ الفصول بنا..
يمضي الشتاء ونبقى،
وردة أتعبها الشوك أكثر ممّا أسعدها الربيع.
مستغرب جدًا نسبة تدنّي الوعي لدى بعض دكاترة الجامعة اللبنانية. ففي الوقت الذي يعمد فيه النظام اللبناني إلى تأجيج الانقسامات بين فئات المجتمع، فيتحول الخلاف بينها إلى صراع على المصالح بدلًا من توجيه المسؤولية نحو الدولة والسلطة الحاكمة، نرى أن الدكاترة يطالبون دائما باحترام حقوقهم حين تُمسّ بينما لا يقدرون ظروف الطلاب ولو بنسبة ١٪.
وأكبر دليل على ذلك هو ما نمرّ به من عدم تقدير لظروفنا في الامتحانات رغم العدوان المستمر ومآسيه من نزوح وغياب للموارد والحرب النفسية.
بعيدًا عن "جهل" وزيرة التربية والتعليم.
وأكثر ربحيةً بكثير؟
ذنب حزب الله أنّه رفض ذلك، أليس كذلك؟
لكنّ فيلسوف عصره لا يكتفي بهذا.
بل يقدّم لنا روايته المفضّلة.
الرواية المريحة.
الرواية التي تُعفيه من التفكير.
في روايته لم يكن هناك خطر.
لم يكن هناك تخطيط.
لم يكن هناك إعداد.
لم تكن هناك اختراقات.
لم تكن هناك سنواتٌ طويلة من التهديد والتحضير.
ثمّ حدث الإسناد.
فحدث كلّ شيء.
هكذا بكلّ بساطة.
وكأنّ الخطر وُلد يوم التدخّل.
وكأنّ العاصفة كانت نائمة ثم أيقظها أحد.
وكأنّ العدوّ نفسه لم يقل إنّه كان يُحضّر ويُجهّز ويُخطّط منذ سنوات.
أيّ راحةٍ عقلية هذه؟
أيّ هروبٍ من الواقع هذا؟
ثم يأتيك في النهاية بقضية إيران.
إلى المشهد الأكثر سخرية.
حين كان المطلوب أن تُترك المقاومة وحدها في مواجهة خطر الإعتداءات التي امتدّت لخمسة عشر شهراً، وأن تتحمّل وحدها كلّ الأكلاف…
كان هناك من يمكنه أن يشاركنا العبء.
وحين كان المطلوب أن تبقى المواجهة محصورةً في جهةٍ واحدة…
كان هناك جبهة أخرى يمكننا الإستفادة منها فُتحت على العدوّ.
فتحوّل ذلك عند فيلسوف عصره إلى تهمة.
هل المطلوب من المقاومة أن تقاتل وحدها؟
وتُحاصر وحدها؟
وتنزف وحدها؟
وتُستنزف وحدها؟
ثم تُلام لأنّها لم تمت وحدها أيضًا؟
لأنّها حاولت وضع لبنان على ورقة مفاوضات إقليميّة دوليّة؟
أم أنّ المشكلة الحقيقية أنّه يريد للآخرين أن يدفعوا كلّ الأكلاف بينما يحتفظ هو بحقّ الجلوس في مقاعد المتفرّجين؟
هذا النموذج النفسي الموجود أمامنا!
هذا أصل الحكاية كلّها.
بعض الناس لم ينسوا بعض الوقائع.
بل نسوا معنى الفضل نفسه.
لو أنّ أحدهم أعطاك شيئًا من ماله لحفظت له الجميل.
ولو أنّ أحدهم وقف معك في ضائقةٍ صغيرة لما نسيته.
ولو أنّ أحدهم منحك ساعةً من وقته لبقيت تذكرها سنوات.
هذه أبسط أخلاق البشر.
لكن يبدو أنّ قوانين الوفاء تتغيّر حين يصبح العطاء دمًا.
فالمال يُعوّض.
والوقت يُعوّض.
والخسارة تُعوّض.
أمّا العمر فلا.
وأمّا الابن فلا.
وأمّا الروح فلا.
ومع ذلك تجد من يخجل من نسيان معروفٍ صغير.
ولا يخجل من نسيان دمٍ سُفك لأجله.
بل يتجاوز النسيان إلى الاتهام.
فيصبح صاحب الفضل متّهمًا.
وصاحب التضحية متّهمًا.
وصاحب الدم متّهمًا.
وكأنّ الأمور انقلبت رأسًا على عقب.
لكنّ الشهيد لا يحتاج إلى إنصاف أحد.
ولا إلى شهادة أحد.
ولا إلى تصفيق أحد.
فالله أعدل من أن يضيع عنده دمٌ بُذل.
وأعدل من أن يضيع عنده قلبُ أمٍّ احترق.
وأعدل من أن يضيع عنده عمرٌ أُفني.
المشكلة ليست أنّك ظلمت الشهيد.
المشكلة أنّك ظلمت نفسك.
لأنّ الإنسان حين يعجز عن رؤية الفضل في أعظم صور العطاء يصبح عاجزًا عن رؤية الفضل أصلًا.
وحين يفقد القدرة على الوفاء لمن قدّم له عمره، فبأيّ شيءٍ سيبقى وفيًّا بعد ذلك؟
وربّما لهذا يبدو المشهد كلّه بهذا القدر من الغرابة.
فحين يعتاد الناس النعمة ينسون ثمنها.
وحين يعتاد الناس الحماية ينسون حارسها.
وحين يطول وقوف الرجال بينهم وبين النار…
يصل بعضهم إلى مرحلةٍ يقتنع فيها أنّ النار لم تكن موجودة أصلًا.
ثمّ يلتفت إلى أولئك الذين وقفوا في وجهها سنواتٍ طويلة…
ويقول، بكلّ ثقة:
لقد أخطأوا.
أخطأ حزب الله!
عذرًا على قسوة ما سأقوله مسبقًا…
لكنّ الحقّ يُقال وإن لم يُعجب البعض.
لقد طفح الكيل من حزب الله.
حقًا طفح الكيل!
فإلى متى سيستمرّ هذا الحزب في وضع فيلسوف عصره أمام كلّ هذه المواقف المحرجة؟
إلى متى سيبقى مصرًّا على تذكيره بالأثمان التي دُفعت كي يعيش الحياة التي اعتبرها حقًّا طبيعيًا لا أكثر؟
كان يجب عليه أن يتعلّم منه شيئًا بسيطًا جدًا…
أن يفكّر بنفسه، وبحياة قادته فقط!
كان ذلك أسهل بكثير.
وأقلّ كلفة.
وأقلّ إزعاجًا للضمير.
لكنّ مصيبته الكبرى أنّه لم يفعل.
ولذلك ها نحن اليوم أمام المشهد الأكثر غرابةً في هذه البلاد.
فيلسوف عصره يبكي على مصالحه…
بينما هناك من مات كي تبقى هذه المصالح موجودة أصلًا.
فيلسوف عصره يتحدّث عن خسائره…
بينما هناك من دفع حياته كاملةً ثمنًا كي يبقى له شيءٌ يخسره.
فيلسوف عصره يشتكي من التعب…
بينما هناك أمهاتٌ لم يُسمح لهنّ أصلًا أن يتعبن.
لأنّهنّ كنّ مشغولاتٍ بدفن أبنائهن.
تأمّلوا هذه المفارقة قليلًا.
هذا الفيلسوف يجلس اليوم غاضبًا لأنّ عمله تعطّل.
ومن أجل أن يجلس في هذا المكان أصلًا…
كان هناك شابٌّ في عمر الورد ينزف على تلةٍ ما.
وهذا الفيلسوف غاضب لأنّ موسمًا ضاع.
ومن أجل أن يكون له موسمٌ أصلًا…
كان هناك أبٌ يسلّم ابنه إلى التراب.
وهذا الفيلسوف يشكو لأنّ بيته تضرّر.
ومن أجل أن يُبنى هذا البيت أصلًا…
كان هناك من قاتل سنواتٍ طويلة كي لا تبقى الأرض نفسها محتلّة.
لكنّ الأعجب من كلّ ذلك…
أنّ فيلسوف عصره لا ينكر التحرير.
لا.
فهو يعرف أنّ الأرض كانت محتلّة.
ويعرف أنّها تحرّرت.
لكنّه يتعامل مع كلّ ما جاء بعد ذلك وكأنّه نبت وحده.
يتحدّث عن الردع كما يتحدّث عن الهواء.
شيءٌ موجود.
فقط موجود.
لا أحد صنعه.
لا أحد دفع ثمنه.
لا أحد سهر لأجله.
لا أحد مات لأجله.
في روايته كان الردع موجودًا دائمًا.
ثمّ جاء حزب الله وأضاعه.
هكذا ببساطة.
وكأنّ سنوات الهدوء النسبي التي عاشها كانت مجرّد صدفة.
وكأنّ العدوّ الذي كان يحسب ألف حساب قبل أن يعتدي كان يفعل ذلك حبًّا بلبنان.
لا خوفًا ممّن راكموا ذلك الردع بالدم والتضحيات.
ثمّ يأتي بعد ذلك كلّه ويتصرّف وكأنّ قصته هي القصة الوحيدة الموجودة في هذا العالم.
وكأنّ وجعه هو الوجع الوحيد.
وكأنّ خسارته هي الخسارة الوحيدة.
بل ويصل به الأمر إلى الطعن في الدم الذي سال طوال عقود، وكأنّه لم يكن أكثر من تفصيلٍ مزعج في طريق حياته المريحة.
حقًا لقد أخطأ حزب الله.
كان عليه أن يتوقّف منذ زمن.
كان عليه أن يترك هؤلاء يكتشفون وحدهم قيمة الأشياء التي اعتادوا وجودها.
لأنّ أسوأ ما يمكن أن يحدث للإنسان أن يعيش طويلًا خلف جدارٍ يحميه ثم ينسى وجود الجدار نفسه.
وأسوأ من ذلك أن يبدأ بشتم الجدار.
وأن يقنع نفسه أنّ المشكلة ليست في العاصفة…
بل في الشيء الذي وقف بينها وبينه.
انظروا حولكم.
كم شخصًا يتحدّث اليوم عن الراحة؟
عن الاستقرار؟
عن الاقتصاد؟
عن المصالح؟
جميل.
كلّ هذه أشياء يحبّها الناس.
لكن من الذي دفع ثمن بقائها؟
من الذي حمل هذا العبء أصلًا؟
هل دفعه أصحاب التعليقات؟
هل دفعه أصحاب التنظير؟
هل دفعه الذين يظهرون فقط بعد انتهاء المعركة ليشرحوا للناس كيف كان يجب أن تُدار؟
أم دفعه أولئك الذين لم يعودوا أصلًا كي يدافعوا عن أنفسهم؟
أولئك الذين لا يملكون حساباتٍ على مواقع التواصل.
ولا يملكون منابر.
ولا يملكون فرصة الرد.
لأنّهم تحت التراب.
وبعد هذا كلّه، هناك حالةٌ من الجنون.
بعض الناس لم يكتفوا بنسيان الدم.
بل غضبوا من الذين سفكوا دمهم لأجلهم.
يا للمفارقة.
الأمّ التي قدّمت ابنها لم تحصل على فرصة أن تبكيه كما تريد.
كثيراتٌ منهنّ اضطررن إلى ابتلاع الحزن كي لا يُضعفن من حولهن.
كثيراتٌ منهنّ وقفن أمام الكاميرات مرفوعات الرأس بينما كانت قلوبهن تُذبح.
كثيراتٌ منهنّ عدن إلى بيوتٍ فارغة لن يفهم أحد حجم وحشتها.
ثم يأتي من لم يدفع شيئًا تقريبًا
ليتحدّث عن الثمن.
أيّ ثمن؟
أيّ خسارة؟
أيّ تضحية؟
هل ضاع عليك ما ضاع عليهم؟
هل دفنت ما دفنوا؟
هل حملت ما حملوا؟
هل سهرت الليالي التي سهروها؟
هل انتظرت الخبر الذي كانوا ينتظرونه؟
هل عشت ذلك الرعب الذي تعيشه أمٌّ تعرف أنّ ابنها في الخطوط الأمامية ولا تملك له إلا الدعاء؟
فبأيّ حقٍّ تتحدّث بعد ذلك عن الثمن وكأنّك صاحبه الوحيد؟
ثم يأتي ويقول: إسناد غزة!
لتبلغ المفارقة بذلك ذروتها.
كان المطلوب أن نصمت؟
أن نشاهد الأطفال يُقتلون ثم نعود إلى أعمالنا؟
أن نرى المجازر ثم نتحدّث عن الطقس؟
أن تتحوّل الدماء إلى خبرٍ عابر بين إعلانين؟
كان المطلوب أن نموت أخلاقيًا؟
أن نتعوّد على رؤية المذبحة حتى نفقد قدرتنا على الشعور؟
أن نصبح كائناتٍ لا يعنيها شيء خارج حدود مصالحها الصغيرة؟
أهذا ما تريده؟
إلى هذه الدرجة وصلت بالبعض حالة انعدام الغيرة والكرامة والحميّة؟
كان هذا أسهل بكثير عليك؟
وأرخص بكثير؟
👇🏻
ولهذا نرى اليوم أنّ الحرب على حزب الله ليست مجرد حرب عسكرية.
إسرائيل تعرف جيدًا أنّ المشكلة في حزب الله ليست فقط صواريخه، بل البيئة التي ما تزال تؤمن أنّ المواجهة ممكنة أصلًا، وأنّ الاستسلام ليس قدرًا حتميًا.
ولهذا فإنّ أخطر ما عمل عليه العدو طوال السنوات الماضية لم يكن تدمير السلاح فقط، بل تنميط التعب.
أن يصبح اللبناني، بعد كل هذا الإنهاك الاقتصادي والنفسي والمعيشي، يردد تلقائيًا:
«بدنا نعيش».
وهذه الجملة بحد ذاتها ليست خاطئة ولا معيبة.
فالناس متعبة فعلًا، والناس تريد أن تعيش فعلًا.
لكن الخطير هو ما يُراد زرعه خلفها.
أن تتحول تدريجيًا من صرخة تعب… إلى فلسفة استسلام كاملة.
أن يصبح معنى «بدنا نعيش» هو:
لا نريد قضية،
لا نريد كرامة،
لا نريد مواجهة،
لا نريد أن نفكر أصلًا بما يحدث حولنا.
فقط اتركوا لنا يومًا هادئًا إضافيًا، مهما كان الثمن.
وهنا تنتصر سياسة التركيع فعلًا.
لأنّ العدو لا يحتاج منك أن تحبّه، بل يكفيه أن تتعب من مقاومته.
ولهذا تُضرب البيئة بالمجاعة والانهيار والخوف والفوضى والإعلام والتنميط اليومي لفكرة أنّ كل ما نعانيه سببه المقاومة، وأنّ الحل الوحيد لأي تعب هو التخلّي عن أي مشروع مواجهة.
ثم يُعاد تشكيل وعي الناس تدريجيًا:
من شعب يفكر بمصيره ومصير أمّته، إلى أفراد يبحث كل واحد منهم عن خلاصه الشخصي فقط.
ولهذا ترى اليوم إنسانًا قد يغضب لساعات انقطاع الكهرباء أكثر ممّا يغضب لمجزرة في غزّة، ليس لأنّه بلا أخلاق، بل لأنّ سياسة الإنهاك الطويل نجحت بتحويل وعيه من التفكير بالمصير العام إلى التفكير بالبقاء الفردي فقط.
وهنا تكمن أخطر نتائج التركيع…
حين لا يعود العدو بحاجة إلى أن يهزمك عسكريًا، لأنّه يكون قد نجح أصلًا في جعلك ترى أي مقاومة عبئًا، وأي تضحية حماقة، وأي حديث عن الكرامة نوعًا من الترف غير الواقعي.
وعندها، لا تسقط الجبهات فقط…
بل يسقط الإنسان من الداخل.
..."كان ينظر إلى طريقٍ كامل.
طريقٍ يبدأ بصورةٍ في يده…
ويمتدّ عبر أعمارٍ وبيوتٍ ودماءٍ ووصايا.
حتى يصل إلى البداية.
إلى رجلٍ وقف وحيدًا ذات ظهيرة.
فسقط جسده.
وبقي دمه يمشي.
يمشي في القرى.
وفي البيوت.
وفي صدور الأمهات.
وفي وجوه الرجال.
حتى وصل إلى السيّد حسن."
في كلّ مرّة أنظر فيها إلى تاريخ هذه المقاومة… أشعر أنّ أعظم معاركها لم تكن على الحدود، بل داخل العقول.
لأنّ إسرائيل، بكل ما تملكه من سلاح وطائرات ودعم عالمي، لم تكن يومًا أخطر ما واجه هذه الأمة.
الأخطر كان ذلك الصوت المزروع عميقًا داخل الإنسان العربي منذ عقود… الصوت الذي يهمس له دائمًا :
لا فائدة.
لن يتغيّر شيء.
أنت أضعف من أن تواجه.
العقل يقول استسلم.
هذا الصوت هو الهزيمة الحقيقية.
حين بدأت المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان في الثمانينيات، لم يكن الناس يرون فيها مشروع تحرير، بل مشروع انتحار.
إسرائيل يومها لم تكن مجرد جيش يحتل الجنوب.
كانت صورة كاملة للهيمنة المطلقة.
الجيش الذي اجتاح العواصم العربية.
الجيش الذي وصل إلى بيروت نفسها.
الجيش المدعوم من أميركا والغرب والمنظومة الدولية كلها.
الجيش الذي كانت الأنظمة العربية ترتجف أصلًا من مجرد إغضابه.
وفي الجهة المقابلة؟
شبابٌ فقراء.
أحياء مسحوقة.
بنادق متواضعة.
أمهات يخبزن الخبز لأبنائهن قبل ذهابهم إلى العمليات.
وبيئة كاملة كانت تُقصف وتُحاصر وتُترك وحدها تقريبًا.
كان المشهد، بمعايير الأرض، سخيفًا إلى درجة تدعو للشفقة.
ولهذا لم يكن السؤال وقتها:
"هل ستنتصر المقاومة؟"
بل:
"كيف يجرؤون أصلًا على التفكير بالمواجهة؟"
العالم كله تقريبًا كان مقتنعًا أنّ الجنوب انتهى.
وأنّ إسرائيل باقية حيث هي.
وأنّ أقصى ما يمكن فعله هو تحسين شروط الهزيمة قليلًا.
حتى كلمة "تحرير" نفسها كانت تبدو كأنّها مبالغة عاطفية لا أكثر.
وكانت السخرية جاهزة دائمًا:
"العين لا تقاوم المخرز."
كم يبدو التاريخ مخيفًا حين نتأمله بهدوء…
لأنّ الجملة نفسها لم تكن تُقال بوصفها رأيًا سياسيًا فقط، بل بوصفها "حكمة".
شيئًا يشبه القانون الكوني الذي لا يجوز تحدّيه.
وهنا تكمن عظمة ما حدث لاحقًا.
المقاومة لم تهزم إسرائيل أولًا…
بل هزمت هذه "الحكمة" المسمومة.
هزمت فكرة أنّ القوة قدر.
أنّ الضعيف يجب أن يعرف حجمه.
أنّ الشعوب الصغيرة خُلقت لتتكيف مع الهزيمة لا لتغيّرها.
سنوات طويلة من العمليات والاستنزاف والدم والانتظار، بينما أكثر الناس كانت تراقب المشهد بعين واحدة:
"متى سينتهون؟"
لكنّ الذي انتهى فعلًا كان الاحتلال نفسه.
عام 2000 لم ينسحب الإسرائيلي فقط من الجنوب…
انهارت صورة كاملة.
صورة الجيش الذي لا يُهزم.
وصورة العربي الذي لا يستطيع.
وصورة المقاومة بوصفها مجرد حالة عاطفية
فجأة، أصبح ما كان يُوصف بالجنون حقيقة سياسية وعسكرية قائمة.
لكنّ المذهل أنّ أحدًا لم يتعلّم.
بعد التحرير مباشرة بدأت جملة جديدة:
"حسنًا… انسحبوا من الجنوب، لكن الأسرى لن يعودوا."
وكأنّ العقل المهزوم يحتاج دائمًا إلى سقف جديد للعجز كي يحتمي داخله.
ثم عاد الأسرى.
فسقط السقف مجددًا.
ثم جاءت 2006.
أتذكر جيدًا كيف كان العالم يتحدث يومها.
لم يكن النقاش حول نتيجة الحرب، بل حول حجم الدمار الذي سيلحق بحزب الله قبل نهايته.
الإسرائيلي نفسه كان يتحدث بثقة مَن يظنّ أنّه ذاهب إلى نزهة عسكرية أخيرة لترتيب الشرق الأوسط.
والعالم العربي؟
جزء كبير منه كان ينتظر سقوط المقاومة لا أكثر.
بعضهم خوفًا.
وبعضهم حقدًا.
وبعضهم لأنّ انتصارها كان سيجبره على مواجهة هشاشته الداخلية كلها.
ثلاثة وثلاثون يومًا فقط كانت كافية ليحدث الشرخ.
ليس شرخًا عسكريًا فحسب… بل نفسيًا وحضاريًا.
للمرة الأولى منذ عقود، شعر الإسرائيلي أنّ هناك من يستطيع إيلامه فعلًا.
وشعر العربي، ولو للحظات، أنّ هذا الكيان ليس إلهًا.
منذ تلك اللحظة، تغيّر داخل هذا الشعب كل شيء.
ولهذا أصبحت المقاومة تُحارب بهذا الشكل الوحشي.
لأنّ خطورتها الحقيقية ليست في الصواريخ فقط…
بل في قدرتها على إعادة تعريف الممكن.
الأنظمة تخاف من هذا.
وإسرائيل تخاف من هذا.
والغرب كله يخاف من هذا.
لأنّ العالم يصبح مكانًا مختلفًا تمامًا حين يكتشف المقهور أنّه قادر على الوقوف.
وهنا بالتحديد يمكن فهم كل ما جرى لاحقًا
في سوريا قالوا انتهت.
في العقوبات قالوا انتهت.
في الحصار قالوا انتهت.
في الاغتيالات قالوا انتهت.
في كل حرب نفسية كانوا يتعاملون مع الأمر كأنّهم ينتظرون لحظة الانهيار النهائي.
لكنّ المشكلة أنّهم لم يفهموا طبيعة هذه الفكرة أصلًا.
المقاومة الحقيقية لا تعيش لأنّ ظروفها سهلة.
بل لأنّ البيئة التي صنعتها أصلًا تعرف تمامًا معنى أن تكون مهددًا في وجودك كله.
الإنسان الذي اعتاد العيش تحت الطائرات، وفقد أبناءه وبيته وطمأنينته، لا يعود يفكر بالطريقة التي يفكر بها أبناء الرفاه المستقر.
ولهذا تفشل كل محاولات "كسر الإرادة" غالبًا.
لأنّ الذين يخططون لها يفترضون دائمًا أنّ الخوف سيؤدي تلقائيًا إلى الاستسلام، بينما التاريخ يقول شيئًا آخر تمامًا:
بعض الشعوب، حين تُحاصر طويلًا، تتحول جراحها نفسها إلى عقيدة.
وهذا ما لم يفهمه كثيرون منذ البداية.
لا أذكر وجهه جيدًا.
أذكر يديه.
كانتا مغطّاتين بغبارٍ رماديّ.
ذلك الغبار الذي تعرفه القرى بعد الغارات.
غبار الإسمنت المطحون.
غبار الجدران التي كانت غرفًا قبل ساعات.
وغبار الصور والكتب والثياب والأعمار.
كان يقف أمام ما بقي من البيت.
لا يبكي.
ولا يتكلّم.
ولا يرفع قبضته في الهواء.
كان ينبش بين الحجارة فقط.
قطعةً بعد قطعة.
كأنّه يبحث عن شيءٍ يعرف مكانه.
ثم أخرج إطارًا صغيرًا مكسور الزجاج.
نظر إليه طويلًا.
مسح عنه الغبار بطرف كفّه.
وابتسم.
لا أدري لماذا بقيت تلك الابتسامة في ذاكرتي.
فالبيت لم يعد بيتًا.
والسقف لم يعد سقفًا.
والغرفة التي وُضعت فيها تلك الصورة لم تعد موجودة أصلًا.
ومع ذلك ابتسم.
كأنّه وجد شيئًا أهمّ من الحجارة.
شيئًا لم تصل إليه الطائرات.
احتجتُ وقتًا طويلًا لأفهم ما الذي رآه في تلك اللحظة.
فنحن نظنّ عادةً أنّ المقاومة تبدأ من البندقية.
غير أنّ البندقية تصل متأخّرة.
متأخّرة جدًا.
المقاومة تبدأ قبل ذلك بسنواتٍ طويلة.
تبدأ حين يتحوّل البيت إلى أكثر من بيت.
وحين تتحوّل الأرض إلى أكثر من أرض.
وحين يصبح الماضي جزءًا من لحم الإنسان ودمه.
هناك تبدأ الحكاية.
ولهذا لا يفهمها الذين ينظرون إليها من بعيد.
يرون الدخان ولا يرون ما تحته.
يرون الرجل ولا يرون القرون المتراكمة في داخله.
فهذا الذي يحمل سلاحه اليوم لم يولد من فراغ.
كبر على حكايات.
وعلى وجوه.
وعلى أسماء شهداء كان يسمعها طفلًا.
وعلى أمّ كانت تشير إلى مكانٍ ما وتقول:
هنا استشهد فلان.
وهنا صمد فلان.
وهنا مرّ الاحتلال.
وهنا عاد الناس.
تتراكم الأشياء بصمت.
سنةً بعد سنة.
وجيلًا بعد جيل.
حتى يأتي يومٌ تنفجر فيه.
على أيّة حال، دعونا نعد إلى تلك الصورة.
الصورة التي أخرجها من بين الحجارة ومسح عنها الغبار.
لم تكن صورة ابنه.
ولا صورة أبيه.
ولا صورة البيت قبل أن يُهدم.
كانت صورة السيّد حسن.
قد يبدو الأمر غريبًا في البداية.
فما الذي يدفع رجلًا خرج لتوّه من تحت الركام إلى أن يبحث عن صورة؟
إلّا أنّه لم يكن يبحث عن الصورة أصلًا.
كان يبحث عن الحكاية التي أوصلته إلى هنا.
الحكاية التي بدأت قبل هذا البيت.
وقبل هذه الحرب.
وقبل هذا الجيل كلّه.
كان يبحث عن امتداد رجلٍ قُتل في صحراء قبل قرون، وما زال يخرج من بين أنقاض البيوت إلى اليوم.
وما زال يمشي في طرقات القرى.
ويجلس في مجالس الأمهات.
ويكبر مع الأطفال عامًا بعد عام.
وما زالت دماؤه، على نحوٍ تعجز السياسة عن تفسيره، تُنجب رجالًا جددًا كلّما ظنّ أحدٌ أنّ الحكاية انتهت.
ولهذا ابتسم الرجل.
فهو لم يكن ينظر إلى صورةٍ نجت من الركام.
كان ينظر إلى طريقٍ كامل.
طريقٍ يبدأ بصورةٍ في يده…
ويمتدّ عبر أعمارٍ وبيوتٍ ودماءٍ ووصايا.
حتى يصل إلى البداية.
إلى رجلٍ وقف وحيدًا ذات ظهيرة.
فسقط جسده.
وبقي دمه يمشي.
يمشي في القرى.
وفي البيوت.
وفي صدور الأمهات.
وفي وجوه الرجال.
حتى وصل إلى السيّد حسن.
الرجل الذي حمل تلك الحكاية بدوره.
وحمل معه صدى ذلك الدم القديم.
ثمّ مضى بها إلى جيلٍ جديد.
حتى انتهت إلى هذا الركام.
وإلى هذه الصورة.
وإلى هذه الابتسامة.
ابتسم…
لأنّ الدم الذي سُفك هناك،
ما زال حيًّا هنا.
أعلمُ أنّ أكثر الكلمات قدرةً على اختراق القلب… هي تلك التي تخرج منه.
ولهذا، فهذا الكلام من قلبي إليكم… فاعذروا إطالتي
أقسى ما قد يشعر به الإنسان في حياته هو الندم. والمفارقة المؤلمة أنّ أكثر لحظات الندم التي تمزّق الإنسان في حياته، هي تلك التي لا يكون حاضرًا فيها أصلًا.
منذ طفولتي، وفي كل مرةٍ يُذكر فيها الإمام الحسين (ع)، كان شيءٌ ما ينهار داخلي بصمت.
كنت أسمع المصيبة، ثم أعود إلى نفسي خائفًا منها أكثر من خوفي على الحسين نفسه.
أقول بيني وبين نفسي:
"ماذا لو كنت هناك؟"
"هل كنت سأكون حقًا من أنصاره؟"
"هل كنت سأثبت؟"
"أم أنّني كنت سأقنع نفسي كما أقنع غيري أنفسهم؟"
هذه الفكرة أكلتني طويلًا.
لأنّنا دائمًا نتخيّل الشرّ بصورةٍ ساذجة.
نتخيل أنّ الباطل يأتيك بوجهٍ أسود، وصوتٍ مخيف، وسيفٍ مرفوع، فتقف ضده بسهولة.
لكنّ كربلاء لم تكن هكذا.
يزيد لم يكن يقول للناس: "تعالوا إلى الباطل."
بل كان يقول لهم:
احفظوا بلادكم.
لا تفتحوا باب الفتنة.
فكّروا بأبنائكم.
احموا أرزاقكم.
لا ترموا أنفسكم إلى التهلكة.
وكذا ينتصر الباطل، لا لأنّ الناس تحب الشرّ…
بل لأنّها تُقنع نفسها أنّ السلامة أهم من الحقيقة.
ولهذا أخاف دائمًا من نفسي أكثر مما أخاف من يزيد نفسه.
أنا اختصاصي في علم النفس، ولو أردت أن أختصر الإنسان كلّه بجملةٍ واحدة، لقلت:
"عقلك يسمعك."
هذه أخطر حقيقة في الإنسان.
أنت لا تسقط دفعةً واحدة…
بل تُقنع نفسك تدريجيًا.
تقنعها أنّ الصمت حكمة.
وأنّ الخوف عقلانية.
وأنّ التراجع مؤقت.
وأنّك لستَ مسؤولًا.
وأنّ النجاة أولى.
ثم تستيقظ يومًا لتجد نفسك في الجهة الأخرى بالكامل… دون أن تشعر حتى بلحظة السقوط.
ولهذا لم أعد أسأل نفسي:
"هل كنت سأقاتل مع الحسين؟"
بل أصبحت أسأل:
"هل كنت سأستطيع ألّا أبرّر للذين قتلوه؟"
لأنّ المشكلة لم تكن في السيوف فقط…
بل في العقول التي أقنعت أصحابها أنّ الحسين هو المشكلة.
وهنا فهمت لماذا نكره يزيد.
ليس لأنّه فقط قاتلٌ أو فاسق.
بل لأنّه النموذج الأبدي لكل سلطة تحاول أن تجعلك تخون الحق وأنت تظنّ نفسك حكيمًا.
ولهذا أشعر أحيانًا أنّ المسافة بين كربلاء واليوم… ليست بعيدة كما نظن.
إسرائيل مثلًا، ما الفرق بينها وبينه؟
إن كان يزيد فاسقًا… فهؤلاء كذلك.
وإن كان قاتلًا للنفس المحترمة… فكيانهم قام أصلًا على الدم والقتل والاقتلاع.
وإن كان قد أراد أخذ البيعة بالقوة من ابن بنت رسول الله… فهم يريدون منّا الشيء نفسه.
حتى الكذبة نفسها تتكرر…
يزيد أقنع الناس أنّ الحسين يريد أن يأخذ أبناءهم إلى الموت.
وإسرائيل تقنع العالم أنّ كل مقاوم يريد أن يدمّر الحياة ويجرّ الناس إلى الهلاك
ماذا تقول لنا منذ عقود؟
أليست تقول الشيء نفسه؟
تقول لنا:
اتركوا المقاومة تعيشوا.
اسكتوا عن الظلم نمنحكم الاستقرار.
المشكلة ليست في الاحتلال… بل في الذين يقاومونه.
حتى الكذبة نفسها لم تتغير.
ويزيد أيضًا لم يكن يقول للناس:
"أنا أقتل ابن بنت رسول الله لأنّي أحب الشر."
بل كان يقنعهم أنّ الحسين سيأخذ أبناءهم إلى الموت، وأنّ بقاء الدولة أهم من دم رجل واحد.
التاريخ لا يعيد نفسه بالأسماء… بل بالمنطق.
ولهذا، فإنّ أخطر ما في الإنسان ليس ظلمه… بل قدرته على تبرير الظلم.
وهنا أصل كربلاء الحقيقي.
الله كان قادرًا أن ينصر الحسين في لحظة.
كان قادرًا أن يُنزِل ملائكةً تمحو جيش يزيد عن وجه الأرض.
وكان قادرًا أن يجمع كل محبّي الحسين عبر القرون في عاشوراء واحدة، فيصنع أعظم انتصار عسكري عرفه التاريخ.
لكنّ شيئًا من هذا لم يحدث.
استشهد الحسين.
لماذا؟
لأنّ الله لم يُرِد فقط إنقاذ الحسين كرجل…
بل أراد إنقاذ الحسين كمعنى.
لو انتصر الحسين عسكريًا فقط، لانتهت المعركة في زمانها.
لكنّ دم الحسين حوّلها إلى امتحانٍ مفتوحٍ إلى يوم القيامة.
ولهذا كانت آخر كلماته مرعبة بهذا العمق:
"هل من ناصرٍ ينصرنا؟"
لم يكن ينادي فقط من بقي حيًا في الصحراء…
بل كان ينادي كل إنسان سيأتي بعده ويقف يومًا أمام باطلٍ جديد.
كل إنسان سيُطلب منه أن يختار:
بين السلامة والحق.
بين الكرامة والخوف.
بين أن يبقى إنسانًا… أو أن ينجو فقط.
ولهذا أؤمن أنّ أصحاب الحسين الحقيقيين لم يكونوا فقط أولئك الذين سقطوا في كربلاء…
بل أيضًا كل الذين لبّوا نداءه عبر الزمن.
كل من رفض أن يبيع ضميره.
كل من لم يسمح للخوف أن يُقنعه.
كل من فهم أنّ النصر ليس أن تبقى حيًا فقط… بل أن يبقى الحق حيًا بك.
أقسى لحظات حياتي كانت تلك التي صرختُ فيها :
"لماذا لم أكن هناك؟"
"أنا لست مثلهم…"
"لم أكن لأقف مع هذا النوع من الطغاة."
"لم أكن لأترك ابن بنت رسول الله وحيدًا."
والآن أنا أفقه أنّ الحسين هنا..
وأنّ يزيد هنا..
وأنني واقفٌ بينهما،
وأعرف جيدًا أيّ طرفٍ سأختار.
بالأرواح، بالدماء، بالمال، بالأهل والأصحاب.. لبيّك يا حسين.
أحيانًا، أشعر أنّنا لا نعيش حربًا عادية أصلًا.
هناك شيءٌ أعمق بكثير يجري في هذه الأرض.
لأنّ المسألة، في حقيقتها، لم تكن يومًا حدودًا فقط، ولا قطعة جغرافيا متنازعًا عليها، ولا صراع نفوذ بين قوى سياسية كما يحاول العالم أن يختصرها دائمًا.
المسألة أقدم من ذلك… وأخطر.
إنّها معركة الإنسان نفسه
أيّ إنسان يريد أن يكون؟
وأيّ عالم يريد أن يعيش فيه؟
عالم يُقاس فيه الحق بالقوة؟
أم عالم تُصبح فيه القوة خادمةً للحق؟
ولهذا تحديدًا، لا أفهم كيف يستطيع البعض قراءة القرآن ثم النظر إلى ما يجري وكأنّه ملف سياسي.
القرآن كلّه تقريبًا يدور حول فكرة واحدة:
ماذا يحدث حين يتحوّل الطغيان إلى نظام حياة؟
فرعون لم يكن مجرد رجل متكبّر.
بل كان مشروعًا كاملًا لإعادة تشكيل وعي الناس:
أن يخافوا دائمًا.
أن يشعروا بالعجز دائمًا.
أن يقتنعوا أنّ لا قدرة لهم على التغيير.
أن يصبح بقاؤهم أحياء أعظم أحلامهم.
وهل تفعل إسرائيل شيئًا غير هذا منذ عقود؟
هي لا تريد فقط أرضًا.
الذي يريد أرضًا يكتفي بالاحتلال.
لكنّها تريد ما هو أبعد من الأرض
تريد روح الإنسان نفسها.
تريد الفلسطيني أن يقتنع أنّ المقاومة عبث.
واللبناني أن يقتنع أنّ الكرامة رفاهية.
والعربي أن يقتنع أنّ إسرائيل قدرٌ لا يُواجه.
والمسلم أن يقتنع أنّ القرآن شيءٌ يُتلى في المآتم فقط، لا كتابٌ يصنع أمة.
ولهذا، فإنّ أخطر ما فعلته إسرائيل لم يكن القتل…
بل محاولتها المستمرة لكسر فكرة أن يكون للإنسان موقف.
أن يكون مستعدًا ليدفع ثمن الحق.
أن يؤمن أنّ الحياة ليست القيمة الأعلى دائمًا.
ولهذا أيضًا، فإنّ المقاومة ليست مجرد بندقية.
المقاومة، في جوهرها، حالة قرآنية.
حين يقول الله:
﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾
فهو لا يعلّمنا التاريخ فقط… بل يعلّمنا كيف تُقاس المعارك أصلًا.
العالم يقيس النصر بالعدد والسلاح والخسائر والخرائط.
أما القرآن، فيقيسه بشيء آخر تمامًا
هل بقي الحق حيًا؟
هل بقي الإنسان واقفًا؟
هل بقي هناك من يرفض السجود للطغيان؟
ولهذا كانت كل معارك الأنبياء تبدو خاسرة بمعايير الأرض في لحظاتها الأولى.
نوح ظلّ سنوات يُسخر منه.
إبراهيم أُلقي في النار.
موسى طارده فرعون حتى البحر.
النبي محمد (ص) حوصر وجاع وخسر أعز الناس إليه.
الحسين استشهد.
وحتى المسيح، أرادوا صلبه.
لكنّ الله كان يصنع شيئًا آخر خلف المشهد كله.
كان يربّي فكرة أنّ الحق لا يُقاس بلحظته العابرة، بل بمآله.
ولهذا أخاف دائمًا حين أرى بعض الناس يتحدثون عن النصر وكأنّه صفقة سريعة.
النصر في القرآن ليس رفاهية.
بل نتيجة الصبر.
وليس الصبر هنا تحمّل الألم فقط…
بل الثبات حين يصبح التراجع أكثر راحة.
حين يصبح الخوف منطقيًا.
حين يصبح الصمت مغريًا.
حين تشعر أنّ العالم كله يدفعك لتتنازل قليلًا… قليلًا فقط.
هنا يبدأ الامتحان الحقيقي.
ولهذا يقول الله دائمًا:
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾
لماذا الصابرين تحديدًا؟
لأنّ أكثر ما يريده الطغيان منك… أن تتعب.
إسرائيل تفهم هذا جيدًا.
ولهذا هي لا تحارب الجسد فقط، بل الزمن أيضًا.
تراهن على تعب الناس.
على انهيار أعصابهم.
على خوف الأمهات.
على جوع الأطفال.
على شعور الإنسان أنّ لا شيء يستحق كل هذا العناء.
هي لا تريد منك أن تحبّها…
يكفيها أن تتعب.
لكن هنا تحديدًا يولد معنى المقاومة.
أن تقول:
لا.
لا، رغم الخوف.
لا، رغم الخسارة.
لا، رغم الوحدة.
لا، رغم أنّ العالم كله يصفق لقاتلك.
وهنا أفهم لماذا كان القرآن دائمًا يربط النصر بالصبر، لا بالقوة فقط.
لأنّ القوة قد تمنحك انتصارًا لحظيًا،
لكنّ الصبر وحده هو ما يمنحك القدرة على الاستمرار حتى يتحقق الوعد.
والوعد الإلهي لم يكن يومًا أنّ الطريق سيكون سهلًا.
بل كان واضحًا منذ البداية
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾
حتى الأنبياء زُلزلوا.
حتى المؤمنون الأوائل بَكَوا وتعبوا وخافوا.
لكنّ الفرق كان دائمًا في شيء واحد
أنّهم لم يسمحوا للألم أن يغيّر وجهتهم.
ولهذا، فإنّ المقاومة الحقيقية ليست فقط أن تحمل سلاحًا…
بل أن تبقى مؤمنًا أنّ الحق يستحق، حتى حين يبدو العالم كله ضدك.
أن تبقى قادرًا على رؤية الله وسط هذا الخراب كله.
أن تؤمن أنّ الدم ليس هدرًا.
وأنّ الشهداء ليسوا أرقامًا.
وأنّ الصبر ليس انتظارًا سلبيًا، بل أعظم أشكال القتال.
وأظنّ أنّ هذا تحديدًا ما تخشاه إسرائيل أكثر من أي شيء آخر.
هي تخاف الإنسان الذي لم يعد يخاف الموت.
الإنسان الذي فهم أنّ الحياة بلا كرامة ليست نجاة.
الإنسان الذي يقرأ القرآن لا كرفاهية أو كأفكار مجرّدة أو ككتاب عزاء… بل كخريطة طريق.
في كلّ مرّة أنظر فيها إلى تاريخ هذه المقاومة… أشعر أنّ أعظم معاركها لم تكن على الحدود، بل داخل العقول.
لأنّ إسرائيل، بكل ما تملكه من سلاح وطائرات ودعم عالمي، لم تكن يومًا أخطر ما واجه هذه الأمة.
الأخطر كان ذلك الصوت المزروع عميقًا داخل الإنسان العربي منذ عقود… الصوت الذي يهمس له دائمًا :
لا فائدة.
لن يتغيّر شيء.
أنت أضعف من أن تواجه.
العقل يقول استسلم.
هذا الصوت هو الهزيمة الحقيقية.
حين بدأت المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان في الثمانينيات، لم يكن الناس يرون فيها مشروع تحرير، بل مشروع انتحار.
إسرائيل يومها لم تكن مجرد جيش يحتل الجنوب.
كانت صورة كاملة للهيمنة المطلقة.
الجيش الذي اجتاح العواصم العربية.
الجيش الذي وصل إلى بيروت نفسها.
الجيش المدعوم من أميركا والغرب والمنظومة الدولية كلها.
الجيش الذي كانت الأنظمة العربية ترتجف أصلًا من مجرد إغضابه.
وفي الجهة المقابلة؟
شبابٌ فقراء.
أحياء مسحوقة.
بنادق متواضعة.
أمهات يخبزن الخبز لأبنائهن قبل ذهابهم إلى العمليات.
وبيئة كاملة كانت تُقصف وتُحاصر وتُترك وحدها تقريبًا.
كان المشهد، بمعايير الأرض، سخيفًا إلى درجة تدعو للشفقة.
ولهذا لم يكن السؤال وقتها:
"هل ستنتصر المقاومة؟"
بل:
"كيف يجرؤون أصلًا على التفكير بالمواجهة؟"
العالم كله تقريبًا كان مقتنعًا أنّ الجنوب انتهى.
وأنّ إسرائيل باقية حيث هي.
وأنّ أقصى ما يمكن فعله هو تحسين شروط الهزيمة قليلًا.
حتى كلمة "تحرير" نفسها كانت تبدو كأنّها مبالغة عاطفية لا أكثر.
وكانت السخرية جاهزة دائمًا:
"العين لا تقاوم المخرز."
كم يبدو التاريخ مخيفًا حين نتأمله بهدوء…
لأنّ الجملة نفسها لم تكن تُقال بوصفها رأيًا سياسيًا فقط، بل بوصفها "حكمة".
شيئًا يشبه القانون الكوني الذي لا يجوز تحدّيه.
وهنا تكمن عظمة ما حدث لاحقًا.
المقاومة لم تهزم إسرائيل أولًا…
بل هزمت هذه "الحكمة" المسمومة.
هزمت فكرة أنّ القوة قدر.
أنّ الضعيف يجب أن يعرف حجمه.
أنّ الشعوب الصغيرة خُلقت لتتكيف مع الهزيمة لا لتغيّرها.
سنوات طويلة من العمليات والاستنزاف والدم والانتظار، بينما أكثر الناس كانت تراقب المشهد بعين واحدة:
"متى سينتهون؟"
لكنّ الذي انتهى فعلًا كان الاحتلال نفسه.
عام 2000 لم ينسحب الإسرائيلي فقط من الجنوب…
انهارت صورة كاملة.
صورة الجيش الذي لا يُهزم.
وصورة العربي الذي لا يستطيع.
وصورة المقاومة بوصفها مجرد حالة عاطفية
فجأة، أصبح ما كان يُوصف بالجنون حقيقة سياسية وعسكرية قائمة.
لكنّ المذهل أنّ أحدًا لم يتعلّم.
بعد التحرير مباشرة بدأت جملة جديدة:
"حسنًا… انسحبوا من الجنوب، لكن الأسرى لن يعودوا."
وكأنّ العقل المهزوم يحتاج دائمًا إلى سقف جديد للعجز كي يحتمي داخله.
ثم عاد الأسرى.
فسقط السقف مجددًا.
ثم جاءت 2006.
أتذكر جيدًا كيف كان العالم يتحدث يومها.
لم يكن النقاش حول نتيجة الحرب، بل حول حجم الدمار الذي سيلحق بحزب الله قبل نهايته.
الإسرائيلي نفسه كان يتحدث بثقة مَن يظنّ أنّه ذاهب إلى نزهة عسكرية أخيرة لترتيب الشرق الأوسط.
والعالم العربي؟
جزء كبير منه كان ينتظر سقوط المقاومة لا أكثر.
بعضهم خوفًا.
وبعضهم حقدًا.
وبعضهم لأنّ انتصارها كان سيجبره على مواجهة هشاشته الداخلية كلها.
ثلاثة وثلاثون يومًا فقط كانت كافية ليحدث الشرخ.
ليس شرخًا عسكريًا فحسب… بل نفسيًا وحضاريًا.
للمرة الأولى منذ عقود، شعر الإسرائيلي أنّ هناك من يستطيع إيلامه فعلًا.
وشعر العربي، ولو للحظات، أنّ هذا الكيان ليس إلهًا.
منذ تلك اللحظة، تغيّر داخل هذا الشعب كل شيء.
ولهذا أصبحت المقاومة تُحارب بهذا الشكل الوحشي.
لأنّ خطورتها الحقيقية ليست في الصواريخ فقط…
بل في قدرتها على إعادة تعريف الممكن.
الأنظمة تخاف من هذا.
وإسرائيل تخاف من هذا.
والغرب كله يخاف من هذا.
لأنّ العالم يصبح مكانًا مختلفًا تمامًا حين يكتشف المقهور أنّه قادر على الوقوف.
وهنا بالتحديد يمكن فهم كل ما جرى لاحقًا
في سوريا قالوا انتهت.
في العقوبات قالوا انتهت.
في الحصار قالوا انتهت.
في الاغتيالات قالوا انتهت.
في كل حرب نفسية كانوا يتعاملون مع الأمر كأنّهم ينتظرون لحظة الانهيار النهائي.
لكنّ المشكلة أنّهم لم يفهموا طبيعة هذه الفكرة أصلًا.
المقاومة الحقيقية لا تعيش لأنّ ظروفها سهلة.
بل لأنّ البيئة التي صنعتها أصلًا تعرف تمامًا معنى أن تكون مهددًا في وجودك كله.
الإنسان الذي اعتاد العيش تحت الطائرات، وفقد أبناءه وبيته وطمأنينته، لا يعود يفكر بالطريقة التي يفكر بها أبناء الرفاه المستقر.
ولهذا تفشل كل محاولات "كسر الإرادة" غالبًا.
لأنّ الذين يخططون لها يفترضون دائمًا أنّ الخوف سيؤدي تلقائيًا إلى الاستسلام، بينما التاريخ يقول شيئًا آخر تمامًا:
بعض الشعوب، حين تُحاصر طويلًا، تتحول جراحها نفسها إلى عقيدة.
وهذا ما لم يفهمه كثيرون منذ البداية.
استوقفتني اليوم في الشارع صورة، فهممت بالنزول من السيارة لأراها عن كثب.
كانت صورة، لكنها لم تكن مجرد صورة. كانت نافذة على زمن من الطهر والنقاء، تجمع بين الشيخ راغب حرب والسيّد عباس الموسوي، قدّس الله سرهما. ربما تبدو في إطارها العاديّ، منشورة في أي مكان، كأي صورة أخرى، مجرد لقطة
في معركة حنين، وبعد انتصار معسكر رسول اللّٰه ﷺ على المعسكر المعادي، تذكر الروايات أنّ بعض جنود جيش الرسول الأكرم ﷺ أخذوا يناقشون أعظم قائد وأعظم حاكم عرفه التاريخ، ويطالبونه بالغنائم والنياق لكي تُقسّم بينهم بالتساوي.
كثيرون يقرأون هذه الروايات بطريقة أخلاقية ساذجة، وكأنّها تكشف «طمعًا» أو «ضعف إيمان»، بينما الحقيقة أنّها تكشف مستوى مرتفعًا جدًا من الوعي الاجتماعي والسياسي عند الناس في ذلك الزمن.
فالإنسان في أي دولة أو مشروع أو أمّة، يمرّ بمسار طبيعي ليصل إلى كامل حقوقه، وهذا المسار يمكن تسميته بمسار الوعي الاجتماعي ـ السياسي.
الوعي الاجتماعي يعني أن يفهم الفرد مصالحه الشخصية ومصالح الجماعة التي ينتمي إليها، وأن يدرك أنّه ليس مجرد تابع يُستدعى للحرب ثم يُعاد إلى الهامش بعد انتهائها.
أمّا الوعي السياسي، فهو قدرة الإنسان على فهم واقع أمّته، والتنبؤ بمصيرها، وفهم ما الذي سيحدث إن انتصر أو انهزم أو تقاعس.
ولهذا فإنّ هؤلاء الناس لم يشاركوا في نصرة النبي ﷺ بدافع روحي مجرد فقط كما يتخيّل البعض، بل لأنّهم فهموا أيضًا مصالحهم ومصالح أمّتهم، وفهموا شكل الواقع لو انتصر المعسكر الآخر عليهم.
ثم بعد النصر، شعروا أنّ لهم حقًا طبيعيًا فيما ساهموا بصناعته، فطالبوا به دون خوف، حتى أمام النبي ﷺ نفسه.
وهذا أمر شديد الأهمية…
لأنّ المجتمع الحيّ هو المجتمع الذي يشعر أفراده أنّهم شركاء في المصير، لا عبيد عند السلطة، ولا مجرد أدوات تُستخدم وقت الحاجة.
ولهذا استمرت هذه الحالة في زمن الخلفاء الراشدين، بل وحتى مع بدايات الحكم الأموي.
كانت الرعيّة ما تزال تملك قدرًا من الوعي يجعلها تسأل، وتناقش، وتطالب، وتربط بين مشاركتها في تثبيت الدولة وبين حقّها فيها.
لكنّ هذه الحالة بدأت تختفي تدريجيًا مع الحكم العباسي.
لماذا؟
لأنّ بني العباس فهموا شيئًا فهمته كلّ السلطات الذكية عبر التاريخ وهو أنّ الشعوب الواعية أخطر من الجيوش.
فالإنسان الذي يفهم مصالحه ومصالح أمّته، ويقرأ الواقع جيدًا، يصعب إخضاعه طويلًا.
أما الإنسان المُنهك أو المُشتّت أو المُضلَّل، فيصبح أكثر قابلية للطاعة حتى لو كان يعيش الظلم نفسه.
ومن هنا بدأت «سياسة التركيع».
وهي ببساطة
أن تُشغل الناس بشيء، لكي يتركوا شيئًا أهم.
أن تجعل الفرد غارقًا في تفاصيل تستهلك وعيه بالكامل، فلا يبقى لديه وقت أو قدرة ليفكر بمصيره الحقيقي.
بنو العباس شغلوا الناس بالأدب والشعر والترف الثقافي بشكل هائل، حتى أصبح الإنسان يقضي عمره بين القصائد والمجالس والروايات، بينما يفقد تدريجيًا حسّه السياسي والاجتماعي وقدرته على السؤال والمطالبة.
لم تعد الرعيّة تفكر:
«ما حقوقنا؟»
بل:
«من أشعر؟ ومن أبلغ؟»
وهذه السياسة نفسها تُستخدم اليوم، لكن بأدوات أحدث وأقسى بكثير.
فالعدو الحديث لم يعد يحتاج دائمًا إلى احتلال مباشر، لأنّه فهم أنّ السيطرة على وعي الناس أهم من السيطرة على أرضهم.
ولهذا لم تعد الحروب الحديثة قائمة فقط على الدبابات والطائرات، بل على صناعة إنسان مُتعب، مُرهَق، فاقد للقدرة على التفكير بما هو أبعد من يومه الحالي.
أمريكا مثلًا لم تحتج دائمًا إلى احتلال مباشر، بل صنعت «أعداء بدلاء» لإشغال المنطقة عن عدوّها الحقيقي.
حتى صار جزء كبير من الشعوب العربية يرى إيران أو الطائفة الأخرى أو الحزب الآخر أخطر من إسرائيل نفسها.
ثم جاءت الأزمات الطائفية، والإعلام، وصناعة نسخ متطرفة ومشوّهة من الدين، وتحويل السنّي والشيعي إلى خصمين دائمين، بينما العدو الحقيقي يراقب الجميع وهم يستهلكون أنفسهم بأنفسهم.
ثم جاءت الوطنية المنغلقة:
«السعودية أولًا»
«لبنان أولًا»
«الأردن أولًا»
فظنّ الناس أنّ حماية الحدود الضيقة أهم من قضايا الأمة الكبرى، وأنّ أي حديث عن فلسطين أو الوحدة أو المصير المشترك هو تهديد لاستقرارهم الشخصي.
ثم جاءت سياسة التجويع…
وهذه من أخطر أدوات التركيع أصلًا.
فالإنسان الذي يخاف على لقمة يومه، وعلى إيجار منزله، وعلى دوائه وكهربائه، يفقد تدريجيًا القدرة على التفكير بأي قضية أكبر منه.
الجائع لا يخطط للمستقبل، بل يفكر كيف ينجو بيوم إضافي فقط.
ثم تأتي سياسة «تنميط الهزيمة»، كما حصل في مصر حين يُعاد تذكير الناس يوميًا بكلّ هزائمهم السابقة، وبأنّ أي مقاومة ستجلب الخراب، وأنّ الاستسلام أقل كلفة من المواجهة.
وهنا يصل الإنسان إلى المرحلة التي يريدها العدو تمامًا
أن يتعب نفسيًا قبل أن يُهزم عسكريًا.
فالعدو لا يريد فقط أن يسقط الجيوش، بل أن يسلب الناس وعيهم، ويحوّلهم من شعوب تفكر بمصالحها ومصيرها، إلى أفراد مرهقين يبحث كلّ واحد منهم عن خلاصه الشخصي فقط.
أحيانًا، حين أتأمل وجوه المقاومين، أشعر أنّ المشكلة الحقيقية التي يسببونها لهذا العالم ليست أنّهم يحملون السلاح… بل أنّهم ما زالوا يحتفظون بقلوبهم.
وهذا أمرٌ نادر جدًا اليوم!
العالم تغيّر بطريقة مرعبة.
صار الإنسان يُربّى منذ طفولته على الخوف أكثر من أي شيء آخر.
الخوف من الخسارة، من الوحدة، من الفشل، من الفقر، من السقوط خارج القطيع.
حتى الأحلام أصبحت ضيقة؛ وظيفة مستقرة، منزل هادئ، بعض الرفاه، وصورة جميلة يعلّقها الإنسان فوق هشاشته كي يبدو بخير.
ولهذا يبدو المقاوم، وسط هذا العالم، كأنّه قادم من مكان آخر.
في عينيه شيء لا يشبه هذا العصر المتعب.
ذلك الصفاء الذي يظهر عند أناس تصالحوا مع فكرة الفقد، فلم يعودوا يرتجفون أمامها كما يرتجف الجميع.
فبمجرّد أن تقترب منهم، لا تجد تلك القسوة التي يفترض الناس أن الحروب تصنعها.
بل تجد شيئًا آخر تمامًا… دفئًا عجيبًا، هشاشة إنسانية مخبأة خلف الصلابة، وقلوبًا تعبت كثيرًا لكنها ما زالت قادرة على الحبّ.
وهذا ما يحيّرني دائمًا.
كيف يستطيع إنسان يعيش قرب الموت كلّ يوم أن يبقى حنونًا إلى هذا الحد؟
كيف لا يتحوّل إلى حجر؟
ربما لأنّ الاقتراب الحقيقي من الموت يجرّد الإنسان من الزيف كله.
يجعله يرى الحياة كما هي في أصلها الأول، قبل أن يفسدها هذا العالم بالجشع والخوف والمنافسة الباردة.
قطعة خبز يتقاسمها اثنان في ليلة قصف.
صوت أمّ تحاول أن تخفي ارتجافها وهي تودّع ابنها.
شاب يسجّل رسالة قصيرة يطمئن فيها أهله قبل ساعات من العملية، بينما يعرف في داخله أنّه قد لا يعود.
مقاتل يجلس قرب رفيقه الجريح طوال الليل كي لا يتركه وحيدًا مع ألمه.
هذه الأشياء الصغيرة هي التي تصنع المعنى الحقيقي للمقاومة.
أن يظهر شاب، بالكاد في أول العمر، يحمل بندقيته كما لو أنّه يحمل صلاة طويلة، ويذهب إلى الموت بقلبٍ مليء بالحب.
نعم، الحب.
هذه هي الكلمة التي لا يفهمها كثيرون حين ينظرون إلى المقاومة.
يظنون أنّها قائمة على الغضب فقط، أو على الكراهية، أو على الرغبة بالانتقام.
لكنّ الذي يقترب من هؤلاء الناس حقًا، يكتشف شيئًا مختلفًا تمامًا.
يكتشف بشرًا يحبّون الحياة بطريقة عجيبة، ولذلك يقاتلون.
يحبّون الأرض كما يحبّ الإنسان أمّه.
يحبّون الناس العاديين الذين لا يعرفون أسماءهم.
يحبّون القرى الصغيرة، والخبز الساخن، والأطفال الذين يركضون في الأزقة، والأشجار التي تكبر قرب البيوت القديمة.
ولهذا تراهم مستعدين أن يعطوا أرواحهم كلها كي تبقى هذه الأشياء حيّة.
أيّ منطق في هذا العالم يستطيع فهم رجلٍ يذهب نحو موته كي لا تبكي أمّ لا يعرفها؟
أيّ فلسفة مادية تستطيع تفسير هذا النوع من البشر؟
الرأسمالية الحديثة صنعت إنسانًا يخاف على نفسه أكثر من أي شيء.
حوّلته إلى كائنٍ يقيس كل شيء بالمنفعة.
ثم يأتي هؤلاء، ليقفوا في وجه الفكرة كلها.
واحدهم قد يعيش سنوات طويلة تحت التهديد، مطاردًا، محرومًا من أبسط أشكال الطمأنينة، ثم تجده، في أكثر اللحظات قسوة، يفكر بغيره قبل نفسه.
كأنّ شيئًا من أرواح الأنبياء مرّ من هنا.
فالأنبياء، في جوهر حكايتهم
كانوا رجالًا أحبّوا البشر أكثر مما أحبّوا راحتهم.
نوح ظلّ ينادي قومه قرونًا كاملة كي ينجوا.
إبراهيم سار نحو النار بقلبٍ مطمئن لأنّ الحقيقة عنده كانت أعظم من الخوف.
موسى حمل شعبًا كاملًا من الذل إلى المواجهة.
المسيح مشى بين الفقراء والمرضى كأنّه يربّت على وجع العالم بيديه.
ومحمد ﷺ حمل هذا القلب الهائل الذي وسع الناس جميعًا، حتى أولئك الذين آذوه.
وعليّ نام في سرير الرسول مستعدّاً للسيوف.
ثم جاء الحسين…
وحده الحسين يكفي كي يفهم الإنسان معنى أن يتحول الحب إلى تضحية مطلقة.
لم يذهب إلى كربلاء لأنه يعشق الموت كما يتوهم الجهلة.
ذهب لأنه لم يحتمل أن يرى دين جدّه يتحوّل إلى عرشٍ بيد الطغاة.
كان يستطيع النجاة.
كان يستطيع الصمت.
كان يستطيع أن يعيش عمرًا طويلًا بعيدًا عن الدم.
لكنّ بعض الأرواح لا تعرف كيف تنجو وحدها بينما الحق يُذبح أمامها.
ولهذا أشعر دائمًا أنّ المقاوم الحقيقي يشبه أولئك جميعًا بطريقة ما.
ليس لأنه معصوم، ولا لأنه فوق البشر، بل لأنه ما زال يحمل ذلك الجزء النقي الذي يحاول هذا العالم سحقه منذ زمن طويل.
الجزء الذي يجعل الإنسان قادرًا على البكاء حين يرى مظلومًا.
القادر على التضحية دون أن يسأل عمّا سيأخذه بالمقابل.
القادر على حماية الآخرين حتى وهو خائف.
وهذا هو الشيء الذي يرعب العالم فعلًا.
ليس الصاروخ.
ولا البندقية.
ولا الخطابات.
الذي يرعبه أن يرى إنسانًا لم تنجح كل هذه الحضارة القاسية في تحويله إلى ذئب.
ولهذا، كلما نظرت إلى صور الشهداء، أشعر أنّ في وجوههم شيئًا متشابهًا جدًا… شيئًا يشبه السكينة.
كأنّهم عرفوا سرًا لا يعرفه معظم الناس.
وكأنّهم خُلقوا،
لا ليحموا أرضًا،
بل ليحفظوا معنى الإنسان.
في أجواءِ شهادةِ سيّدِنا العظيمِ مسلمِ بنِ عقيل، لا بدّ من إعادة قراءة التاريخ، لأنّه لم يبقَ حكايةً بعيدة، بل ما زال يتكرّر بأشكالٍ مختلفة.
فالكوفةُ لم تمت، وعبيدُ اللهِ بنُ زياد لم ينتهِ، والناسُ الذين باعوا، والناسُ الذين ثبتوا، ما زالوا موجودين في كلِّ زمان، لكن بوجوهٍ وأسماءٍ أخرى.
كان مسلمُ بنُ عقيل أشبهَ الناسِ بالحسين وجهًا وخُلقًا وثباتًا.
ولم يكن رجلًا عاديًا أرسله الإمامُ الحسين ليعرفَ له أخبارَ الكوفة، بل كان رجلًا يحملُ مشروعَ الحسين نفسه، ويُمثّلُه كاملَ التمثيل في زمنٍ بدأ الحكمُ فيه يتحوّل إلى سلطةٍ تخافُ الكلمةَ الحرّة، وتخشى كلَّ صوتٍ يذكّر الناس بالحق.
دخل مسلمُ الكوفة سفيرًا للحسين، فاستقبلته الجموع بحماسةٍ كبيرة.
ثمانيةَ عشرَ ألفًا بايعوه، وبعضُ الروايات تذكر أكثر من ذلك.
آلافُ الناس أقسموا أنّهم لن يخذلوا الحسين، وأنّهم سيقاتلون معه مهما كان الثمن.
وكانت الكوفةُ يومها تحملُ غضبًا قديمًا من ظلمِ بني أميّة، وفيها رجالٌ قاتلوا مع الإمام علي، وبيوتٌ ما زالت تحفظُ آثارَ صفّين والنهروان، ومجالسُ يُذكر فيها ظلمُ السلطة الأموية كلَّ ليلة.
لكنّ كلَّ شيء تغيّر حين دخل عبيدُ اللهِ بنُ زياد الكوفة.
فهو لم يدخلها بالسيف وحده، بل دخلها بالخوف.
عرف كيف يُسقط الناس من الداخل.
عرف أنّ كثيرين يملكون ضميرًا ما دام الضميرُ لا يكلّفهم شيئًا.
فاستخدم التهديد، والمال، والقبائل، والعيون المنتشرة في الأزقة، وبدأ باعتقال الناس وترهيبهم، حتى صار الرجل يخاف أن يُسلّم على مسلم، أو أن يظهر الحزنُ على وجهه أمام الآخرين.
وهنا بدأ الامتحان الحقيقي.
في الصباح كانت الشوارعُ مليئةً بالمبايعين، وفي المساء صار مسلمٌ يمشي وحده.
أيُّ ضعفٍ يمكن أن يجعل مدينةً كاملة تتراجع بهذا الشكل؟
وأيُّ خوفٍ يجعل آلافَ الناس يتركون رجلًا جاء يحملُ قضيةً آمنوا بها قبل ساعات فقط؟
تلك اللحظات كشفت حقيقةً قاسية
وهي أنّ كثرةَ الناس لا تعني دائمًا أنّهم على حق، وأنّ الهتافَ شيء، والثباتَ شيءٌ آخر تمامًا.
فالإنسانُ يُعرف حين يصبح للموقف ثمن.
حين يصبح ثمنُ الكلمة خوفًا، وثمنُ الوفاء خسارةً، وثمنُ الثبات احتمالَ الموت.
وحين أُغلقت الأبوابُ في وجه مسلم، وبات غريبًا في مدينةٍ بايعته بالآلاف، ظهرت امرأةٌ واحدة اسمُها طوعة.
لم تكن صاحبةَ نفوذ، ولا امرأةً معروفة في السياسة أو الحرب، لكنّها امتلكت شيئًا افتقدته مدينةٌ كاملة.. ضميرها.
آوته وهو مطارد، وسقته الماء وهو وحيد، وفتحت له بابها حين أغلقت الكوفة أبوابها كلّها.
وفي التاريخ، تبقى أحيانًا مواقفُ الأفراد الصادقين أكبر من جموعٍ كاملة تراجعت خوفًا.
ثم كان هاني بن عروة.
ذلك الشيخُ الذي رفض أن يسلّم مسلمًا لينجو بنفسه.
كان يعرفُ ما الذي ينتظره، ويعرف أنّ الثبات في ذلك الزمن قد يقوده إلى القتل، لكنّه بقي ثابتًا حتى النهاية.
ولهذا لا يُقاس الرجالُ بالكلام، ولا بطول أعمارهم، بل بالمواقف التي لم يتراجعوا عنها حين أصبح التراجعُ أسهلَ وأكثر أمانًا.
إنّ مأساةَ مسلمِ بنِ عقيل ليست حادثةً تخصُّ زمنًا مضى، بل مشهدٌ يتكرّر كلّما حوصِر أهلُ الحق بالخوف والإعلام والتهديد.
واليوم، ونحن في جنوبِ لبنان، لسنا بعيدين عن ذلك المشهد.
فالاحتلالُ الإسرائيلي يعرف كيف يصنع الخوف، وكيف يحاول دفع الناس إلى التعب والتراجع والتشكيك، وكيف يجعل بعضهم يخاف على حياته أكثر ممّا يخاف على كرامته وأرضه.
وفي كلّ عدوان، يعود السؤال نفسه:
من نكون؟
هل نكون من الذين يرفعون الشعارات ما دام الثمن بعيدًا عنهم، ثم يختفون حين يقترب الخطر؟
هل نكون من الذين يخذلون المقاومة ساعة الحصار تحت ضغط الإعلام والخوف والمصالح؟
هل نكون من الذين يبرّرون التراجع باسم الواقعية والعقلانية؟
أم نكون مثل طوعة؟
أشخاصًا عاديين، لكنّ ضمائرهم لا تُباع.
أم نكون مثل هاني؟
نعرف أنّ الطريق صعب، لكنّنا لا نسلّم أهل الحق خوفًا على أنفسنا.
إنّ أخطر ما فعله أهلُ الكوفة لم يكن فقط أنّهم تركوا مسلمًا وحده، بل أنّ كثيرين منهم أقنعوا أنفسهم أنّهم يفعلون الشيءَ الصحيح، وأنّ الصمتَ حكمة، وأنّ النجاةَ بالنفس تبرّر الخذلان.
ومن هنا تبدأ الهزائم الكبيرة.
ولهذا، فإنّ شهادةَ مسلمِ بنِ عقيل ليست مناسبةً للبكاء فقط، بل لحظةُ مراجعةٍ قاسية للنفس.
فكثيرٌ من الناس يظنّ أنّه سيكون مع الحسين، لكنّ الحقيقة لا تظهر إلّا حين يأتي وقتُ الخوف والثبات.
سلامٌ على مسلمِ بنِ عقيل يوم دخل الكوفة غريبًا، ويوم تُرك وحيدًا، ويوم استُشهد ثابتًا لم يبدّل.
وسلامٌ على هاني بن عروة، وعلى طوعة، وعلى كلِّ إنسانٍ بقي وفيًّا حين صار الوفاءُ خطرًا.
أمّا الذين تركوه، فقد كانوا كثيرين في الشوارع، لكنّ التاريخ لم يحفظ لهم اسمًا واحدًا.