عقليّة النّاجي تُبنى على مفارقة غريبة: في التربة ذاتها التي ينبت فيها الألم، يزهر الامتنان.
ألم الوقت الضائع، المشاعر المهدورة، والذات المفقودة في صراعات داخلية. ومن جهة أخرى ينبعث الامتنان من إدراكه أن هذا الألم هو ثمن الخروج من دوّامة شرّ كادت أن تبتلعه.
لا أتحدث عن النجاة بوصفها حدَثًا خارجيًّا، بل عمليّة داخلية تعيد صياغة نظرته إلى نفسه، إلى الآخر، إلى التجربة، وإلى الحياة برمّتها.
إنها تحوُّل لا يلغي الوجع، لكنه يجعله شاهدًا على المكسب: الحريّة والانبعاث؛ الحريّة بالانعتاق ممّا كان يطفئ نوره، والانبعاث بروحٍ صامدة في مسارٍ آمن.
نعوذ بك أن تفتر عزائمنا في أوجّ السعي
أن تتلاشى أقدامنا عند عتبة الوصول
أن يداهمنا اليأس في ذروة الأمل
أن نضيّع الوجهة وقت اشتداد اليقين
وأن نخلط الكسل بالعجز والتوكل بالتواكل
أو نركن للوقوف بين يديّ المحاولة
انظروووا، هذا ركني السِّريُّ في الغابة، مشرفٌ على النَّهر، أجدِّد فيه صفاء الفِكر، وأحادث معه الصَّخر والزَّهر! أجالسُ كتابي، وأناجي أفكاري، وأتأمل ما التقطتُ من أوراق أشجاري، هناك يترنَّم خرير الماء، ويُصافحني حفيفُ الشجر وهفيفُ الهواء، وتظلِّلُني أغصانٌ وارفاتٌ في السماء، فأنغمسُ في أنسٍ رائق، وسرورٍ دافق، وفِكرٍ باثق!
كلما شعرت بعدم الإنجاز تذكرت حديث الرسول ﷺ:
لأن أقول:
[سُبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أكبَرُ؛ أحَبُّ إليَّ ممَّا طلَعَتْ عليه الشَّمسُ]
فأقول هذا الذكر مستشعرًا أني أنجزت إنجازًا لا تساويه الدنيا كلها؛ فيهدأ قلبي وتطمئن نفسي